في فجرٍ أوغاريتيٍّ هادئ حين كانت الشمس تتسلّق ببطءٍ كتف البحر ويصعد دخان البخور من المعابد العتيقة كأنّه صلاةٌ تبحث عن السماء جلس كاتبٌ مجهول أمام لوحٍ من الطين الدافئ. لم يكن يحمل سيفاً ولا صولجاناً بل كان يحمل ذلك السرّ العجيب الذي لا يعرفه إلا القديسون والعشّاق والحالمون: الميل إلى الكتابة.
فالكتابة ليست حرفةً يتعلّمها المرء كما يتعلّم عدّ الحجارة بل نداءٌ خفيّ يشبه صوت الينابيع تحت الأرض. إذا سكن قلبك هذا النداء فاجعل فيك معرفةً تشبه نور الفجر معرفةً بموسيقى الألفاظ حين تتعانق الحروف كما تتعانق أمواج البحر مع الشاطئ وحين تتحوّل الكلمات إلى أنغامٍ تسمعها الأرواح قبل الآذان.
واجعل فيك فنّ البساطة فالأشجار العظيمة تبدأ من بذرة والبحار الواسعة تبدأ من قطرة.
إن أجمل الكلام ليس أكثره تعقيداً بل أكثره قدرةً على الوصول إلى القلب دون أن يستأذن. اكتب كما يغنّي العصفور عند نافذة الصباح عفوياً صادقاً ونقيّاً.
ثم اجعل فيك سحر المحبة. فالكلمات التي لا تحمل دفءَ القلب تشبه مصباحاً بلا زيت. أحبّ قرّاءك كما يحبّ الفلاح أرضه، وكما يحبّ البحّار نجمةً تهديه في الظلام. دعهم يشعرون أنّك لا تكتب أمامهم بل تجلس بينهم تقاسمهم الخبز والذكرى والدهشة.
وعندما تفرغ من سطورك لا تسأل: كم شخصاً سيقرأني؟.. بل اسأل: كم قلباً سيجد في كلماتي نافذةً للنور؟ فالكلمات الخالدة ليست تلك التي تملأ العيون بل تلك التي تترك في الأرواح أثراً يشبه عبير البخور العالق في حجارة المعابد بعد انطفاء النار.
هكذا علّمتنا ألواح أوغاريت الفخارية: أن الكاتب الحقيقي ليس جامعَ كلمات بل زارعُ نجومٍ صغيرة في ليل البشر..
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


