«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»
— عن نجمات الزمن الجميل
في مملكة الفن السابع، حيث تتعانق الظلال والأنوار على شاشة فضية لا تشيخ، تعيش أرواحٌ خالدة لا يمحوها الزمن. بين هؤلاء الخالدين، تتألق نجمة فرنسية كقطرة ندى على زهرة ياسمين، إنها ليزلي كارون، الفتاة التي علمت هوليوود كيف ترقص على أنغام باريس.
وُلدت ليزلي كلير مارغريت كارون في فاتح يوليو عام 1931، في بولون-بيانكور بفرنسا. كان والدها كيميائياً فرنسياً، وأمها راقصة باليه أمريكية سابقة، فكان القدر قد خطّ لها طريقاً مفروشاً بالحرير والحركة. في الحادية عشرة من عمرها، بدأت دروس الباليه، ليس بدافع ذاتي في البداية، بل لإرضاء والدتها. لكن شغف الرقص سرعان ما تملّك قلبها، وكأن جسدها الصغير كان خُلق ليتحدث لغة لا يفهمها إلا من عشق الحركة.
في عام 1948، وبينما كانت تؤدي دوراً في باليه “La Rencontre” مع فرقة رولان بيتي، وقعت عيناها على أسطورة هوليوود جين كيلي، الذي كان يبحث عن شريكة له في فيلم موسيقي قادم. لم تلتقِ به تلك الليلة، لكن الصورة بقيت محفورة في ذاكرته. وبعد عام، عاد كيلي إلى باريس ليبحث عنها، فوجد الفتاة ذات السبعة عشر ربيعاً التي ستفتح لها أبواب المجد.
كان فيلمهما “أمريكي في باريس” عام 1951، ولادة نجمة. أداء ليزلي المليء بالبراءة والخفة، ورقصها المفعم بالحياة، جعل النقاد والجمهور في نشوة. نال الفيلم ست جوائز أوسكار، ووقّعت ليزلي عقداً مع استوديو MGM لمدة سبع سنوات، حيث لمعت موهبتها الثلاثية: التمثيل، والغناء، والرقص.
ثم جاءت “ليلي” (1953)، حيث لعبت دور فتاة يتيمة حزينة، فخطفت الأنظار وترشحت لأوسكار أفضل ممثلة، وحصدت جائزة البافتا. وتوالت الأدوار: “الرجل ذو الرداء” (1951)، و”حذاء الزجاج” (1955)، و” أرجل طويلة” (1955) مع فريد أستير، حيث أبدع رولان بيتي في تصميم رقصاتهما. لكن دورها الأيقوني كان “جيجي” (1958)، الفتاة الباريسية التي تتحول من براءة الطفولة إلى أنوثة ناضجة، بأداء ساحر جعل الفيلم يدخل سجل الأفلام الوطني بمكتبة الكونغرس عام 1991.
لم تكن ليزلي مجرد وجه جميل أو راقصة بارعة، بل كانت ممثلة درامية من الطراز الأول. في فيلم “الغرفة على شكل حرف L” (1962)، جسدت دور امرأة حامل وحيدة، فنالت ترشيحها الثاني للأوسكار، وفازت بجائزة الغولدن غلوب. واستمرت مسيرتها الفنية لأكثر من ستة عقود، من “شوكولاتة” (2000) إلى “الطلاق” (2003)، حيث أظهرت أن موهبتها لا تعرف حدود الزمن.
حياتها الشخصية كانت لوحة أخرى من العواطف المتشابكة. تزوجت ثلاثة مرات، من جوردي هورميل، وبيتر هول، ومايكل لافلين، وعاشت قصة حب مع وارن بيتي دامت عامين. لكن قلبها ظل دائماً للفن، للرقص، للكاميرا.
في عام 2008، نشرت مذكراتها “Thank Heaven”، التي ترجمت إلى الفرنسية بعنوان “Une Française à Hollywood”، حيث روت رحلتها من طفولة في فرنسا المحتلة إلى نجومية هوليوود. وكرّمت في عام 2010 بأدائها لدور مدام أرمفيلدت في مسرحية “ليلة موسيقية صغيرة” لستيفن سوندهايم على مسرح شاتليه في باريس.
ليزلي كارون ليست مجرد ممثلة أو راقصة، بل هي ظاهرة فنية، روحٌ جمعت بين رقة الباليه وألق هوليوود، بين حزن الحرب وفرح المسرح. إنها آخر نجمات العصر الذهبي لهوليوود، وسيبقى ضوءها يتراقص على الشاشة الفضية إلى الأبد، كأنغام غيرشوين التي رافقت خطواتها الأولى.
“أنا لا أرقص لأعيش، بل أعيش لأرقص” — ليزلي كارون
تعداد سمر محفوض
#خاص مجلة ايليت فوتو ارت


