حين كانت هوليوود تصنع الأساطير… وكانت النساء يصنعن هوليوود أورسولا ك. لو غوين” (Ursula K. Le Guin .

.

«لم يكنّ مجرد نجمات… كنّ نساءً صنعن من الألم فنًا، ومن الظلام ضوءًا، ومن العزيمة أسطورة.»

— عن نجمات الزمن الجميل.

عندما نُطلّ من نافذة الأدب على اتساع الكون، لا بد أن تقع أعيننا على كوكبةٍ من الأسماء التي غيّرت ملامح الخيال الإنساني. ومن بين هذه الأسماء، يلمع نجم “أورسولا ك. لو غوين” (Ursula K. Le Guin) بضياءٍ لا يخبو؛ ليس لأنها كتبت عن الفضاء والكواكب البعيدة فحسب، بل لأنها استخدمت هذه العوالم كمرايا نرى فيها أنفسنا، ونطرح أعمق الأسئلة عن الهوية، والجنس، والسلطة، والعدالة.وُلدت أورسولا كروبر في 21 أكتوبر 1929 في مدينة بيركلي بكاليفورنيا، في بيتٍ كان العلم والأنثروبولوجيا جزءًا من نسيجه اليومي. كان والدها ألفريد كروبر عالم أنثروبولوجيا بارزًا، ووالدتها ثيودورا كاتبة. هذا الإرث الثقافي والعلمي لم يمنحها خلفية غنية فحسب، بل زرع فيها فضولًا مبكرًا لفهم البشر، وتنوع ثقافاتهم، وأساطيرهم. لم يكن غريبًا أن تتحول هذه الجذور إلى ركيزة أساسية في أدبها، حيث تحولت إلى رحلات استكشافية في الطبيعة البشرية، مع معالجة لقضايا الهوية والانتماء ببراعة فائقة.لم تكن لو غوين مجرد كاتبة خيال علمي؛ بل كانت، كما وصفها النقاد، واحدة من أكثر الأصوات تأثيرًا في الأدب الأمريكي المعاصر. تميزت أعمالها بقدرة نادرة على المزج بين الخيال الخصب والفكر الفلسفي العميق، متجاوزة الحدود بين الأدب “الرفيع” والخيال العلمي. لم تكتفِ بخلق عوالم بديلة، بل جعلت من تلك العوالم مختبرات فكرية لاختبار أفكار عن الأخلاق، والبيئة، والتنوع، والجنس.كانت روايتها “اليد اليسرى للظلام” (The Left Hand of Darkness) الصادرة عام 1969 بمثابة زلزال في عالم الخيال العلمي. تدور أحداثها في كوكب “جيثن” حيث لا يوجد جنس ثابت للبشر، بل يتحولون بين الذكورة والأنوثة خلال فترات محددة. لم تكن الرواية مجرد تجربة فكرية عن مجتمع بلا جنس، بل كانت استكشافًا عميقًا لما يعنيه أن تكون إنسانًا، وكيف تشكل مفاهيم الجنس والهوية جوهر مجتمعاتنا. حققت الرواية نجاحًا باهرًا، وفازت بجوائز هوغو ونبولا المرموقة، لتصبح علامة فارقة في أدب الخيال العلمي النسوي.لم تتوقف لو غوين عند هذا الحد. في روايتها “المحرومون” (The Dispossessed) الصادرة عام 1974، التي فازت أيضًا بجوائز كبرى، نسجت لوحة معقدة عن مجتمعين متضادين: أحدهما رأسمالي طبقى، والآخر لاسلطوي يسعى للمساواة. من خلال هذه الرواية، لم تطرح أسئلة عن الأنظمة السياسية فقط، بل تحدثت عن الحرية، والتضامن، والثمن الذي يدفعه الفرد مقابل المثل العليا.لم يكن عالم “إيرثسي” (Earthsea) ببعيد عن هذا التألق. هذه السلسلة الفانتازية، التي بدأت برواية “ساحر إيرثسي” (A Wizard of Earthsea) عام 1968، لم تكن مجرد حكاية عن السحر والتنانين. كانت رحلة نمو روحية وفلسفية، مستوحاة من أساطير وديانات متنوعة، وتتميز بلغة شعرية وأسلوب سردي راقٍ. برهنت لو غوين أن الفانتازيا يمكن أن تكون ناضجة، وعميقة، ومؤثرة في الكبار والصغار على حد سواء.على مدار مسيرتها التي امتدت لأكثر من نصف قرن، نشرت لو غوين أكثر من عشرين رواية، وعشرات القصص القصيرة، والمقالات، والمجموعات الشعرية. حصدت خلالها العديد من الجوائز، بما في ذلك خمس جوائز هوغو وست جوائز نبولا، بالإضافة إلى جائزة الكتاب الوطني، ولقب “الأسطورة الحية” من مكتبة الكونغرس. لكن إرثها الحقيقي لا يقاس بعدد الجوائز، بل بتأثيرها الهائل على أجيال من الكتّاب والقراء. لقد ألهمت كتابًا كبارًا مثل سلمان رشدي، ونيل غيمان، ومارجريت أتوود، الذين رأوا فيها نموذجًا للكاتب الذي يكتب بجرأة وذكاء وعمق إنساني.لم تكن لو غوين كاتبة خيال علمي فحسب، بل كانت أيضًا ناقدة أدبية ثاقبة ومفكرة. دافعت بحماس عن قيمة الخيال، وعن ضرورة أن يكون الأدب مرآة للمجتمع ونافذة نحو عوالم جديدة. في خطابها عند استلامها ميدالية الكتاب الوطني عام 2014، تحدثت عن “الحقيقة والحرية” في الكتابة، وعن مسؤولية الكاتب تجاه اللغة والمعنى.في الثاني والعشرين من يناير 2018، رحلت أورسولا ك. لو غوين عن عالمنا، تاركةً خلفها إرثًا أدبيًا وفكريًا لا يقدر بثمن. لكنها لم ترحل حقًا. فكلما فتحنا كتابًا من كتبها، أو تأملنا في عالم من عوالمها، نجدها حاضرة. تذكرنا بأن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل هو أداة لفهمه وتغييره. وأن أعظم الرحلات ليست تلك التي نكتشف فيها كواكب جديدة، بل تلك التي نكتشف فيها أنفسنا، ونرى في “الآخر” صورة لنا.

#اعداد سمر محفوض

#خاص مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم