حكاية: ولاء غنيم.. المصوّرة الصحفية المصرية،التي جعلت من العدسة نافذة على الإنسان، ومن اللحظة العابرة ذاكرةً لا تنسى – إعداد: فريد ظفور


ولاء غنيم (Walaa Ghoneim): حين تلتقط الصورة ما لا يُقال
حكاية مصوّرة صحفية مصرية جعلت من العدسة نافذة على الإنسان، ومن اللحظة العابرة ذاكرةً لا تنسى
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: خلف العدسة حكاية أخرى
ليست الصورة الصحفية مجرد تسجيل بصري لحدث عابر، وليست الكاميرا آلةً محايدة تقف على مسافة واحدة من العالم؛ فخلف كل صورة عين تختار، ووعي يراقب، وحسّ إنساني يحاول أن ينتزع من ازدحام الحياة لحظةً تختصر حكاية كاملة. وبين ما تراه العين وما تستوعبه الذاكرة، تنشأ المسافة التي تتحول فيها الصورة من وثيقة إلى شهادة، ومن مشهد إلى معنى.
في هذا العالم تقف المصوّرة الصحفية المصرية ولاء غنيم (Walaa Ghoneim)، التي انطلقت تجربتها المهنية من شوارع القاهرة، حاملةً كاميرتها إلى ميادين الاحتجاج، وقاعات المحاكم، ومراسم العزاء، والفعاليات الفنية والثقافية. لم تكن رحلتها مجرد انتقال من مقعد الدراسة إلى ميدان الصحافة، بل كانت اختباراً متواصلاً لقدرتها على رؤية الإنسان داخل الحدث، والتقاط ما قد تعجز الكلمات عن وصفه.
ومن حي السيدة زينب، بما يحمله من كثافة اجتماعية وذاكرة شعبية وتفاصيل يومية لا تهدأ، بدأت تتشكل ملامح حكايتها؛ حكاية مصوّرة اختارت أن تبحث عن الصورة في قلب الحياة، لا على هامشها، وأن تتعامل مع العدسة بوصفها وسيلة للفهم والتوثيق، قبل أن تكون أداةً لصناعة المشهد.
أولاً: السيدة زينب.. المكان الذي يعلّم العين الإصغاء
في أحياء القاهرة القديمة، لا تمر الحياة بصمت. الوجوه تتبدل، والأصوات تتداخل، والأسواق تختزن حكايات أصحابها، بينما تتجاور مظاهر التعب والأمل في تفاصيل قد تبدو عادية لمن يمر بها سريعاً.
في حي السيدة زينب نشأت ولاء غنيم، وفي محيطه الشعبي بدأت تتشكل علاقتها بالعالم وبالناس. هناك، حيث لا تنفصل الحكايات الفردية عن المشهد الاجتماعي الأوسع، يمكن للعين أن تتعلم أن لكل وجه سيرة، ولكل تعبير عابر خلفيةً لا تظهر كاملة في إطار واحد.
لكن الطريق إلى النضج لم يكن مرتبطاً بالمكان وحده. فمنذ بلوغها الثامنة عشرة، وجدت ولاء نفسها أمام مسؤوليات مبكرة دفعتها إلى الاعتماد على الذات، ومنحت شخصيتها قدراً من الصلابة والاستقلال. ولم تكن هذه التجربة مجرد محطة شخصية في حياتها، بل يمكن قراءتها بوصفها جزءاً من تكوينها الإنساني الذي سيظهر لاحقاً في قدرتها على مواجهة ضغوط العمل الصحفي، والدخول إلى أماكن مزدحمة بالتوتر والانفعالات، واتخاذ القرار في لحظات لا تسمح دائماً بالتردد.
ولعلّ من المفارقات الجميلة في حكايتها أن القراءة لم تكن منذ البداية محوراً أساسياً في طفولتها، لكنها دخلت عالمها من باب غير متوقع: زيارة أولى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، رافقت فيها إحدى صديقاتها. هناك اشترت بعض الكتب والقصص، لتبدأ علاقة جديدة بالكلمة والمعرفة.
كانت تلك الخطوة الصغيرة، في ظاهرها، بداية اكتشاف أوسع؛ فالصورة والكلمة ليستا عالمين متعارضين، بل لغتان تتكاملان في محاولة فهم الإنسان. وإذا كانت الكاميرا تمنح ولاء القدرة على التقاط اللحظة، فإن القراءة توسّع المجال أمامها لتأمل ما وراءها، وتساعدها على إدراك أن المشهد المرئي ليس دائماً كل الحقيقة.
ثانياً: من كلية الإعلام إلى الميدان.. ولادة التجربة المهنية
تخرجت ولاء غنيم عام 2016 في كلية الآداب، قسم الإعلام، بجامعة عين شمس. غير أن علاقتها العملية بالصحافة بدأت قبل التخرج بعام، حين كانت في السنة الثالثة من دراستها الجامعية.
جاءتها الفرصة عبر زميل اقترح عليها الالتحاق بتدريب في جريدة «الفجر». لم يكن العرض، وفق روايتها، حدثاً استثنائياً في ظاهره، لكنه فتح أمامها الباب الذي كانت تنتظره؛ باب تحويل الميل القديم إلى التصوير إلى ممارسة مهنية يومية.
فمنذ طفولتها، كان لديها انجذاب إلى التقاط اللحظات وتوثيقها، وكأنها تحاول الاحتفاظ بجزء من الزمن قبل أن يتبدد. ومع دخولها الصحافة، بدأت تدرك أن التصوير في المجال الإخباري يختلف عن التصوير الشخصي؛ فالمصور الصحفي لا يختار موضوعه دائماً، ولا يتحكم في ظروف الإضاءة أو حركة الأشخاص أو إيقاع الحدث، بل عليه أن يكون مستعداً لما يحدث، وأن يوازن بين سرعة الاستجابة ودقة الرؤية.
كان عليهـا أن تتعلم كيف تسبق اللحظة من دون أن تفرض عليها، وكيف تقرأ المشهد قبل أن يكتمل، وكيف تختار زاويةً لا تنقل ما يجري فحسب، بل تكشف شيئاً من طبيعته.
وفي هذا السياق، جاءت تجربتها الأولى في الميدان يوم 18 مايو/أيار 2015، على سلالم دار الحكمة بالقاهرة، أثناء وقفة احتجاجية للأطباء.
هناك، وسط الحشود والهتافات والحركة المتداخلة، انتقلت من موقع المتلقية إلى موقع الشاهدة. لم تعد الكاميرا وسيلة لتجميد مشهد مألوف، بل أصبحت أداة عمل تتطلب الانتباه والشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
كانت البداية اختباراً حقيقياً؛ فالميدان لا يمنح المبتدئ وقتاً طويلاً للتفكير، والحدث قد يتغير خلال ثوانٍ. وفي تلك اللحظة بدأت ولاء تكتشف معنى أن تكون مصوّرة صحفية: أن تقف وسط الضجيج، وتحافظ على تركيزها، وتبحث عن الصورة التي تستطيع أن تشرح ما يحدث من دون أن تحتاج إلى شرح طويل.
ثالثاً: الأم.. السند الأول خلف الكاميرا
لا تتشكل المسيرة المهنية بالموهبة وحدها، ولا يصل الإنسان إلى مهنته بمعزل عن الذين يمنحونه الثقة في البدايات. وفي حكاية ولاء غنيم، تحتل الأم موقعاً أساسياً في هذه الرحلة.
كانت الأم الداعم الأول، ليس بالكلمات المشجعة فقط، بل بالفعل أيضاً؛ فقد اشترت لابنتها أول كاميرا، وشجعتها على النزول إلى الميدان، وخوض التجربة، والاستمرار في التعلم.
قد تبدو الكاميرا الأولى مجرد قطعة من المعدات، لكنها في حياة المصور المبتدئ تحمل معنى أبعد من قيمتها المادية. إنها إعلان ثقة، ورسالة تقول إن الحلم يستحق أن يُمنح فرصة، وإن الطريق الذي يبدو صعباً يمكن أن يبدأ بخطوة عملية صغيرة.
وكان دعم الأم، بما يحمله من فخر وتشجيع، بمثابة مساحة أمان في مهنة لا تخلو من التحديات. فالتصوير الصحفي يحتاج إلى طاقة نفسية متجددة، وإلى استعداد دائم لمواجهة المواقف المفاجئة، كما يحتاج إلى شخص يؤمن بالمصور حين تكون النتائج الأولى محدودة، وحين يتأخر الاعتراف بالجهد المبذول.
ومن هنا، لا تبدو الأم شخصيةً جانبية في حكاية ولاء، بل جزءاً من البنية الإنسانية التي ساعدتها على مواصلة الطريق.
رابعاً: إثبات الذات في مهنة لا تنتظر أحداً
كان دخول ولاء غنيم إلى مؤسسة صحفية تضم مصورين يمتلكون خبرات طويلة تحدياً مهنياً حقيقياً. فالمصور الجديد لا يواجه صعوبة تعلم المعدات وتقنيات التصوير فقط، بل يدخل أيضاً إلى بيئة عمل لها إيقاعها وقواعدها وتنافسها، حيث تُقاس الخبرة بما يستطيع المرء إنجازه تحت الضغط.
ولم يكن المطلوب منها أن تلتقط صوراً سليمة تقنياً فحسب، بل أن تثبت قدرتها على قراءة الأحداث، واختيار اللحظات المناسبة، والتعامل مع الشخصيات المختلفة، وتسليم صور تصلح للنشر وتتحمل مسؤوليتها الصحفية.
وفي هذا السياق، تبرز عضويتها في نقابة الصحفيين المصرية، التي حصلت عليها بعد نحو ثلاث سنوات من دخولها المجال، باعتبارها محطة مهمة في مسيرتها، وفق المعلومات الواردة في سيرتها المنشورة.
فالعضوية المهنية ليست مجرد صفة تُضاف إلى بطاقة التعريف؛ إنها محطة في مسار إثبات الذات، وتعكس أهمية الانتقال من التجربة الأولية إلى موقع أكثر رسوخاً داخل الوسط الصحفي.
ومع ذلك، فإن المهنة لا تتوقف عند الاعتراف المؤسسي. فكل تغطية جديدة تضع المصور أمام امتحان مختلف، وكل حدث يفرض شروطه الخاصة، وكل صورة ناجحة تفتح الباب أمام سؤال جديد: هل استطاعت العدسة أن تنقل جوهر ما حدث، أم اكتفت بسطحه؟
خامساً: صورة إبراهيم أبو سعدة.. حين تصبح اللقطة قضية عامة
من أبرز المحطات التي ارتبطت باسم ولاء غنيم صورة التقطتها في ديسمبر/كانون الأول 2018، خلال مراسم عزاء الكاتب الصحفي الراحل إبراهيم سعدة في مسجد عمر مكرم بالقاهرة.
أظهرت الصورة السياسي علاء مبارك وهو يقدم واجب العزاء إلى نيفين إبراهيم سعدة، ابنة الكاتب الراحل. وسرعان ما انتشرت اللقطة على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت موضوعاً للنقاش والتعليقات المتباينة، بين من تعامل معها بوصفها توثيقاً لمشهد عام، ومن أثار تساؤلات حول دلالاتها وسياقها.
وأكدت ولاء، بحسب ما نُقل عنها في تغطيات تلك الواقعة، أن الصورة حقيقية وغير مفبركة، وأنها التُقطت بمهنية، من دون اختلاس للموقف.
لم تعد الصورة، بعد انتشارها، مجرد مادة صحفية ضمن تغطية عزاء؛ لقد انتقلت إلى فضاء أوسع، حيث تتداخل الصورة مع التأويل، وتصبح اللقطة الواحدة موضوعاً لقراءات مختلفة قد تتجاوز مقصد المصور نفسه.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات تعقيداً في التصوير الصحفي المعاصر: المصور يلتقط لحظة محددة، لكن الجمهور لا يتلقى الصورة بالطريقة نفسها. فكل متلقٍ يدخل إليها محملاً بخلفيته السياسية والاجتماعية، وبمواقفه وتوقعاته، وقد يرى في التفاصيل ما لا يراه غيره.
الصورة، في هذه الحالة، لا تنتهي عند لحظة الضغط على زر الغالق، بل تبدأ حياة ثانية بعد النشر، حياةً لا يملك المصور السيطرة الكاملة عليها.
لقد كشفت هذه الواقعة عن قوة الصورة الصحفية، وعن قدرتها على إثارة النقاش، لكنها كشفت أيضاً عن المسؤولية التي تلازم المصور حين تتحول مادته البصرية إلى موضوع عام. فالمهنية لا تتعلق فقط بصدق الصورة وسلامة التقاطها، بل تشمل أيضاً سياق نشرها، ودقة المعلومات المصاحبة لها، والتمييز بين ما يظهر داخل الإطار وما يستنتجه الجمهور منه.
سادساً: اعتراف من داخل المهنة
في خضم الجدل الذي رافق الصورة، بقي موقف آخر في ذاكرة ولاء، أقل صخباً وأكثر هدوءاً.
أثناء حضورها تدريباً في نقابة الصحفيين، التقت بالكاتب الصحفي والمصور حسام دياب. لم تكن بينهما معرفة سابقة، لكنه تعرّف إلى اسمها وسأل عنها، ثم واجهها بعبارة مازحة تتعلق بالضجة التي أثارتها الصورة، قبل أن يصفها بأنها مهنية جداً.
قد لا تكون الكلمات القليلة كافية لتفسير تجربة كاملة، لكنها قد تأتي في لحظة يحتاج فيها الصحفي الشاب إلى إشارة تؤكد أن عمله قد شوهد وقُرئ من زاوية مهنية، لا من خلال صدى الجدل وحده.
وفي المهن الإبداعية، يختلف الاعتراف المهني عن الانتشار الجماهيري. فقد تنتشر صورة بسبب الجدل الذي تثيره، بينما تكمن قيمتها الفعلية في دقتها أو توقيتها أو قدرتها على توثيق حدث مهم. وقد يختفي عمل جيد من التداول سريعاً، لكنه يظل جزءاً من رصيد صاحبه المهني.
ومن هنا تكتسب تلك اللحظة معناها في حكاية ولاء: تذكير بأن الضجيج ليس المقياس الوحيد لقيمة الصورة، وأن الحكم المهني ينبغي أن ينظر إلى كيفية التقاطها، ومدى ارتباطها بالحدث، وما إذا كانت تنقل الواقع من دون تزييف أو تضليل.
سابعاً: من الخبر إلى الإنسان.. فلسفة التفاصيل الصغيرة
على الرغم من حضور الأحداث الكبرى في عمل المصور الصحفي، فإن بعض الصور التي تبقى في الذاكرة لا ترتبط بالضرورة بشخصيات معروفة أو لحظات سياسية مفصلية.
في تجربة ولاء غنيم، تحضر صورة لسيدة بسيطة تفترش شارع باب البحر في منطقة باب الشعرية، وتبيع الطعمية والبطاطس. لا تبدو الحكاية، للوهلة الأولى، استثنائية؛ امرأة تعمل في الشارع، وسط حركة الناس وضجيج المدينة، في مشهد يتكرر كل يوم في القاهرة.
لكن ما يستوقف ولاء في هذه الصورة هو الضحكة.
ضحكة صافية، تنفتح على الحياة من دون استعراض، وتمنح المشهد معنى يتجاوز مهنة البيع وظروف الشارع. في تلك الابتسامة، تقرأ المصورة شيئاً من قدرة الإنسان على مواصلة يومه، وعلى الاحتفاظ بمساحة داخلية من الفرح، حتى حين لا تكون الحياة سهلة.
إنها صورة لا تحتاج إلى شخصية مشهورة كي تستحق الاهتمام، ولا إلى حدث استثنائي كي تصبح جديرة بالتوثيق. يكفي أن تكشف عن جانب إنساني قد يمر به الآخرون من دون أن ينتبهوا إليه.
وهنا تقترب ولاء من جوهر التصوير الوثائقي والاجتماعي؛ ذلك التصوير الذي لا يبحث عن البطولة في المواقع الرسمية وحدها، بل يكتشفها في العمل اليومي، وفي الوجوه التي لا تتصدر الأخبار، وفي الأيدي التي تبني الحياة بصمت.
فقد تكون صورة امرأة تبيع الطعام في أحد شوارع القاهرة أكثر قدرة على التعبير عن المدينة من مشهد بانورامي واسع؛ لأن المدينة ليست حجارةً وطرقات فحسب، بل وجوه وعلاقات وأرزاق وأحلام صغيرة تتكرر كل صباح.
إن المصور الذي يتوقف أمام مثل هذه التفاصيل لا يكتفي برؤية المشهد، بل يمنحه فرصة لأن يُرى.
ثامناً: أخلاقيات الصورة.. متى يجب أن تتراجع الكاميرا؟
في التصوير الصحفي، ليست كل لحظة قابلة للتصوير لمجرد أنها مرئية، وليست كل صورة ممكنة الالتقاط جديرة بالنشر. وبين حق الجمهور في المعرفة وحق الإنسان في الخصوصية والكرامة، تقع مسؤولية المصور الذي يقف خلف العدسة.
وتقول ولاء غنيم إنها تحتكم، في مثل هذه المواقف، إلى سؤال شخصي بسيط: هل كنت سأقبل أن أُصوَّر بهذه الطريقة لو كنت مكان الشخص الذي أمامي؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنها تفضّل التراجع.
هذا السؤال، على بساطته، يفتح باباً واسعاً على أخلاقيات التصوير. فهو يعيد المصور إلى موقع الإنسان، ويمنعه من التعامل مع الأشخاص باعتبارهم مجرد عناصر داخل تكوين بصري، أو مادة قابلة للاستخدام من أجل تحقيق الانتشار.
لكن تطبيق هذه القاعدة لا يخلو من التعقيد؛ فالتصوير الصحفي يتعامل أحياناً مع أحداث ذات أهمية عامة، وقد تكون الصورة ضرورية لفهم واقعة أو توثيق انتهاك أو كشف حقيقة. لذلك لا يمكن اختزال الأخلاقيات في قاعدة واحدة تصلح لجميع الظروف، بل ينبغي الجمع بين المصلحة العامة، والضرورة الصحفية، والكرامة الإنسانية، وخصوصية الأشخاص، وطبيعة المكان والحدث.
وهناك فرق جوهري بين توثيق مشهد يهم الجمهور واستغلال ضعف إنسان لتحقيق تأثير عاطفي. كما أن هناك فرقاً بين تصوير الألم باعتباره حقيقة تستحق التوثيق، وتحويله إلى مشهد للفرجة.
من هذا المنطلق، لا تُقاس قوة الصورة بما تكشفه من خصوصيات الآخرين، بل بما تستطيع أن تقوله من دون أن تنتقص من إنسانيتهم.
والكاميرا، مهما بلغت دقتها، لا تمنح صاحبها حقاً مطلقاً في كل ما يقع أمامها. فالمهنية الحقيقية تظهر أحياناً في اللحظة التي يختار فيها المصور ألّا يلتقط الصورة.
تاسعاً: قاعة المحكمة.. حين يتقاطع الواجب مع الألم
من أقسى التجارب التي تتذكرها ولاء غنيم تغطية إحدى المحاكمات في طرة، حين صدر حكم بالإعدام بحق عدد كبير من الشباب.
في قاعة المحكمة، حيث تتشابك الإجراءات القانونية مع مصائر البشر، وجدت المصورة نفسها أمام مشهد ثقيل، تداخلت فيه مشاعرها الإنسانية مع واجبها المهني. كانت مطالبة بأن تتابع ما يجري، وأن توثّق اللحظات المهمة، وأن تحافظ على تركيزها في مكان لا يحتمل الغفلة، فيما كان داخلها يتفاعل مع قسوة الموقف.
وتصف تجربتها بأنها لحظة من التناقض الإنساني؛ فهي تقف خلف الكاميرا لأداء عملها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع إلغاء استجابتها العاطفية لما تشهده.
وهذه التجربة تضعنا أمام سؤال يتكرر في حياة المصورين الصحفيين: كيف يمكن للإنسان أن يوثّق الألم من دون أن يفقد إحساسه به؟ وكيف يستطيع أن يحافظ على مسافة مهنية تتيح له العمل، من دون أن تتحول هذه المسافة إلى برود أو لامبالاة؟
ليس مطلوباً من المصور أن يكون خالياً من المشاعر، كما أن التأثر لا يعني بالضرورة فقدان المهنية. إنما يكمن التحدي في القدرة على مواصلة العمل بمسؤولية، مع الاعتراف بأن بعض المشاهد تترك أثراً نفسياً لا يزول بانتهاء التغطية.
وقد ينجح المصور في التقاط الصورة التي يحتاج إليها العمل الصحفي، ثم يكتشف لاحقاً أنه يحتاج إلى وقت لاستيعاب ما شاهده.
لهذا تصبح العناية بالنفس جزءاً مهماً من الممارسة الصحفية، خصوصاً لدى من يغطون المحاكم والحوادث والكوارث والوقائع العنيفة. فالمصور ليس جهاز تسجيل بشرياً؛ إنه إنسان يرى ويتذكر ويتأثر، ويحمل بعض المشاهد معه بعد أن يغادر المكان.
عاشراً: المصورة في الشارع.. تحديات النوع الاجتماعي وخصوصية التجربة
يمنح الشارع المصور الصحفي مساحة واسعة من الاحتمالات، لكنه يضعه أيضاً أمام مواقف لا يمكن توقعها. وفي حالة المصورة المرأة، قد تتخذ هذه التحديات أشكالاً خاصة تتصل بنظرة المجتمع، وطبيعة المكان، وطريقة تعامل الأشخاص مع وجود الكاميرا.
تشير تجربة ولاء إلى أن بعض النظرات قد تحمل عدم تقبّل أو استهانة، في حين تجد، في مواقف أخرى، من يتعامل معها بلطف أكبر أو يسعى إلى مساعدتها. إنها مفارقة تكشف أن تجربة المرأة في الميدان ليست واحدة، وأن التفاعل معها يتغير باختلاف الأشخاص والظروف والسياقات.
ولا يمكن القول إن كونها امرأة يجعل مهمتها أسهل أو أصعب في جميع الحالات؛ فلكل موقف حساباته، ولكل مكان شروطه، وتبقى الخبرة والقدرة على التواصل وسرعة التصرف عوامل أساسية في إدارة التغطية.
ومع ذلك، فإن حضور المصورات في الصحافة البصرية يوسّع المجال المهني، ويؤكد أن الكفاءة لا تحددها هوية المصور بقدر ما تحددها قدرته على إنجاز المهمة بمسؤولية ومهارة.
وفي الميدان، لا تمنح الكاميرا صاحبها حصانةً من التحديات، لكنها تمنحه فرصةً لصناعة معرفة بصرية عن المجتمع، شريطة أن يحسن قراءة الظروف، ويحافظ على سلامته، ويدرك حدود دوره ومسؤوليته.
الحادي عشر: الصورة أبلغ من الكلمات.. ولكنها ليست خارج التأويل
تؤمن ولاء غنيم بأن الصورة الصحفية قادرة على اختصار ما قد تحتاج الكلمات إلى صفحات لتفسيره. فالنظرة العابرة، وحركة اليد، وتعبير الوجه، والمسافة بين شخصين، كلها تفاصيل قد تنقل جانباً من الحقيقة في لحظة واحدة.
وهذا ما يمنح الصورة قوتها التعبيرية؛ فهي لا تقدم المعلومات بالطريقة نفسها التي تقدمها اللغة المكتوبة، بل تجمع عناصر متعددة في فضاء بصري واحد، وتتيح للمتلقي أن يقرأ العلاقات بين الأشخاص والأشياء والظلال والتكوينات.
غير أن قوة الصورة لا تعني أنها تقول كل شيء، أو أن معناها ثابت لا يتغير. فالصورة الصحفية، مثل النص، تحتاج إلى سياق يوضح مكانها وزمانها وظروف التقاطها. وقد يكون المشهد حقيقياً تماماً، لكن غياب المعلومات المصاحبة له يفتح الباب أمام استنتاجات لا يدعمها ما يظهر في الإطار.
لذلك تتكامل الصورة والكلمة في الصحافة الجيدة: تمنح الصورة المشهد حضوره البصري، وتوضح الكلمات سياقه، وتساعد المعلومات الموثقة على التمييز بين ما نراه فعلاً وما نفترضه.
أما المصور، فمهمته أن يبحث عن اللحظة التي تختصر الحدث من دون أن تختزله اختزالاً مضللاً، وأن يلتقط التعبير الصادق مع إدراك أن كل إطار يستبعد تفاصيل أخرى من المشهد.
فالصورة ليست نسخة كاملة من العالم، لكنها قد تكون مدخلاً بالغ القوة لفهمه.
الثاني عشر: الفن بوصفه مساحة للتنفس
لا يمكن للمصور الذي يقضي أيامه في متابعة الأحداث الساخنة أن يبقى في الحالة النفسية نفسها طوال الوقت. فالميدان يفرض إيقاعاً سريعاً، والأخبار لا تنتظر، واللحظات الصعبة قد تتراكم في الذاكرة من دون أن تجد فرصةً كافية للاستيعاب.
وتحاول ولاء غنيم أن تخلق مسافة بين ما تراه وما تشعر به، لكنها تعترف بأن ذلك ليس سهلاً دائماً. ولهذا تمنح نفسها وقتاً بعد بعض التغطيات لتستوعب ما مرّت به، وتجد في تصوير الفن مساحة أكثر هدوءاً تلجأ إليها بعيداً عن قسوة الوقائع اليومية.
هنا تتبدل وظيفة الكاميرا من دون أن تفقد جوهرها. ففي الصحافة، تتحرك العدسة غالباً تحت ضغط الزمن والخبر، بينما يتيح التصوير الفني مساحة أوسع للتأمل والاختيار والتجريب.
في الصورة الفنية، يستطيع المصور أن يتوقف أمام الضوء، وأن يعيد النظر في العلاقة بين اللون والظل، وأن يمنح التفاصيل وقتاً أطول كي تكشف عن إمكاناتها التعبيرية.
ولا يعني هذا الفصل أن الفن منفصل عن الواقع، أو أن الصحافة تخلو من الجمال. فالصورة الصحفية نفسها قد تحمل قيمة فنية عالية، لكن اختلاف الغاية يغير طريقة التعامل مع المشهد. الصحفي يسأل عمّا حدث، وما الذي ينبغي توثيقه، بينما يمنح التصوير الفني صاحبه مساحة أكبر للسؤال عن الإحساس والشكل والإيقاع والمعنى.
وقد تكون هذه المساحة الهادئة ضرورية للحفاظ على التوازن النفسي، لأنها تتيح للمصور العودة إلى الصورة من باب الاختيار والتأمل، لا من باب الاستجابة العاجلة وحدها.
الثالث عشر: فلسفة ولاء غنيم.. أن ترى ما يمرّ به الآخرون
إذا كان لا بد من اختيار صورة تختصر مسيرة ولاء غنيم، فإنها لا تتجه بالضرورة إلى حدث سياسي كبير أو شخصية معروفة أو لقطة أثارت ضجة على مواقع التواصل.
إنها تختار إنسانة عادية لا يعرفها أحد، لكن عينيها تحكيان قصة كاملة من الإصرار والتعب والنجاح.
في هذا الاختيار تتجلى نظرة إلى التصوير تتجاوز البحث عن الشهرة والانتشار؛ فالمهم ليس دائماً أن تكون الشخصية معروفة، بل أن يكون المشهد صادقاً، وأن يحمل تفصيلاً يستحق أن يُرى.
ولعلّ هذه النظرة هي ما يمنح تجربتها بعداً إنسانياً؛ فالصحافة ليست أحداثاً كبرى فحسب، وإنما هي أيضاً حياة الناس الذين لا تظهر أسماؤهم في العناوين، وأعمالهم التي تستمر بعيداً عن الأضواء، ومشاعرهم التي لا تجد دائماً من يصغي إليها.
إن الصورة التي تختارها ولاء لتختصر مسيرتها تشبه مرآةً تعيد تعريف قيمة التصوير نفسه: ليست البطولة في حجم الحدث، ولا في شهرة صاحبه، بل في قدرة المصور على اكتشاف المعنى داخل المشهد، وعلى تقديمه للآخرين من دون أن ينتزع منه صدقه.
وهنا يصبح التصوير فعل إنصات بصري؛ أن ترى الإنسان قبل أن تحوّله إلى موضوع، وأن تلاحظ التفاصيل قبل أن تذوب في زحام المدينة، وأن تمنح اللحظة العابرة فرصةً للبقاء في الذاكرة.
خاتمة: حين تبقى الصورة بعد انفضاض الحشود
في مسيرة ولاء غنيم، تتجاور أكثر من حكاية: حكاية فتاة بدأت طريقها من شوارع القاهرة، وحكاية مصورة شابة واجهت تحديات المهنة حتى رسخت حضورها، وحكاية صحفية وجدت نفسها أحياناً في قلب الجدل، وأحياناً أخرى أمام مشاهد إنسانية ثقيلة لا تستطيع العدسة وحدها أن تخفف وطأتها.
لكن الخيط الذي يجمع هذه الحكايات هو البحث عن اللحظة التي تستحق أن تُروى.
من سلالم دار الحكمة في بداياتها، إلى صورة العزاء التي أثارت النقاش، ومن قاعات المحاكم إلى ابتسامة بائعة الطعام في باب الشعرية، تتسع المسافة بين الحدث الكبير والتفصيل الصغير، فيما تظل الكاميرا قادرة على وصل الطرفين: توثّق ما يحدث، وتمنح ما يبدو عادياً فرصةً لأن يكشف عن معناه.
إن قيمة المصور الصحفي لا تكمن في عدد الصور التي يلتقطها، ولا في مقدار الضجة التي تحيط ببعض أعماله، بل في قدرته على الجمع بين اليقظة البصرية والدقة المهنية والمسؤولية الأخلاقية. فالصورة التي تصمد أمام الزمن ليست بالضرورة الأكثر إثارة، بل قد تكون تلك التي تحفظ للإنسان حضوره، وللحدث سياقه، وللحقيقة حقها في أن تُرى كما هي، من دون تزييف أو استغلال.
وهكذا تواصل ولاء غنيم رحلتها خلف العدسة، باحثةً عن الوجوه التي تختزن حكاياتها في الصمت، وعن التفاصيل التي يمر بها الناس كل يوم من دون أن يلتفتوا إليها.
ففي نهاية المطاف، قد تنتهي التغطية، وتغادر الحشود المكان، وتختفي الأصوات التي ملأت الشوارع والقاعات، لكن الصورة تبقى شاهدةً على لحظة مضت، وعلى إنسان كان هناك، وعلى عين اختارت أن تراه.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن تفعله الصورة هو أن تجعلنا نتوقف قليلاً أمام ما اعتدنا المرور به، وأن نكتشف أن وراء كل وجه حكاية، ووراء كل حكاية إنساناً يستحق أن يُرى.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم