حكايةالبروفيسور: نيكولاس جوز ..الروائي والقاص والناقد الأكاديمي الأسترالي الجنوبي..- كتابة: د.مسلم عباس الطَعَان.

*الكتاب ذاكرة و الذاكرة كتاب
*حكايتي مع الروائي والقاص والناقد الأكاديمي الأسترالي الجنوبي البروفيسور نيكولاس جوز
كتابة: د.مسلم عباس الطَعَان

تلك المكتبة التي تظهر في الصورة خلف البروفيسور نيكولاس جوز الروائي والقاص والكاتب والأكاديمي الأسترالي تشكل تاريخاً من جماليات المكان والشخصية التي تشغل ذلك المكان.
كانت تمتد على طول الجدار الخلفي في غرفته الصغيرة المخصصة له كأستاذ جامعي في قسم الكتابة الإبداعية في كلية الآداب في جامعة سدني الغربية في أستراليا. كانت تلك المكتبة الشخصية تعج بمختلف الكتب الأدبية الإبداعية والنقدية فضلاً عن المجلات التي تُعنى بالكتابة الإبداعية بكافة أشكالها. كنت أراه يوميا هناك ويستقبلني بابتسامته العريضه ودفء ودماثة أخلاقه الرفيعة وكأنه قديس شرقي طاهر القلب وعفيف الثوب.
أي مكانٍ يحّلُ فيه هذا الرجل المبدع يترك لجمالياته أثراً كبيراً في نفوس المتلقين الذين ينهلون ماء علومهم من ينابيع هذا المكان، و حتى أولئك الذين يمرّون به صدفةً، لابدّ لهم بأن يكحلّوا عيونهم
بكحلِ محبّته، وبدوره وهو العامل في حقل الجمال السرديّ، أن يقتنص بعدة صيده الحاضرة على الدوام حكاية جديدة، أو ربما ملامح شخصية تبهره وتجبره على توظيفها في عمل سردي جديد. ولي مع الاستاذ نيكولاس جوز أكثر من حكاية تستحق أن أسلّط الضوء عليها. إضافةً لأهمية الالتقاء به يومياً في قسم الكتابة الإبداعية، كان هناك لقاء مهم يجمعنا كل اسبوعين مرة مع نخبة من طلبة الماجستير والدكتوراه وثلة من أكاديمي جامعة سدني الغربية والشعراء وكتّاب الرواية هواةً ومحترفين، عندما كنا نحضر المحاضرات الأكاديمية Seminars والتي غالبا ما يلقيها أساتذة من جامعات أسترالية أو كتّاب ونقّاد من مختلف بلدان العالم، وأذكر ذات مرة كنت أعلّق على محاضرة لأحد الضيوف الأكاديميين من جامعة كوينزلاند الأسترالية، عندما كان يتحدث عن تأثير شعراء القرن التاسع عشر على الشعر الانجليزي المعاصر، وكان الدكتور جوز يجلس أمامي ويصغي بإهتمام بالغ إلى مداخلتي، وعندما انتهت المحاضرة وفي فترة تناول الشاي والقهوة والمعجنات قدمني استاذي المشرف البروفسور آيفر إنديك للضيف بصفتي شاعراً وناقداً أكاديمياً، تحدث الدكتور جوز معي بطريقة أشعرتني بالزهو والفخر قائلاً:
” عندما تحدثت يا مسلم تصورتك شخصاً اسكتلنديّاً، وقلت أن لدينا ضيف من اسكتلندا ونحن لا ندري، ثم من أين لك كل تلك المعلومات المدهشة حقاً؟!”
قلت له و أنا أشعر بفرحة غامرة قد غيرّت لون سحنة وجهي الجنوبيّ- السومريّ:
” أنظر إلى عينيّ المحمرّتين على الدوام يا دكتور، من المؤكد ستعثر على جوابٍ لسؤالك..أنا أقرأ الليل كله يا استاذي”
ضحك وربت على كتفي قائلاً: ” Great ” أي عظيم والعظمة لله وحده. بعد ذلك دعاني للذهاب مع الضيف وأستاذي المشرف وطالبة دكتوراه من أصل صيني إلى مطعم صيني، وهناك بدأت حكاية طريفة في ذلك المطعم حيث أنني لم أعرف أن أتناول الطعام بالأعواد الصينية. اكتفيت بتناول قطعة من السمك والسلطة النباتية بيدي القروية. كان الأستاذ نيكولاس جوز يعرف طبيعة المطبخ الصيني لأنه عمل مستشارا ثقافياً في السفارة الأسترالية في بكين، وقد تأثرت قصصه القصيرة ورواياته بالأجواء الآسيوية إلى حد كبير. في تلك الجلسة دار حديث ثقافيّ عن طبيعة المطعم الشرقي ونكهة الأكلات الشرقية التي عبر جوز عن عشقه الشديد لها لأنه سبق له أن زار القاهرة وتونس ووظف تلك الزيارات السياحية في نصوص قصصية. والحكاية الأخرى التي تربطني بهذا الاستاذ الزائر الدائمي لجامعة هارفارد والمحاضر فيها وفي وكبرى جامعات العالم لغزارة علمه الأكاديميّ و رصانة منتجه السردي وتجارب حياته الثرة، لها علاقة بجماليات مكتبته الشخصية داخل الحرم الجامعيّ. ذات يوم جئت ووجدت في الممر وأمام الغرفة الصغيرة التي اعتاد أساتذة قسم الكتاب الإبداعية أن يجلسوا فيها لتناول الغداء وشرب الشاي والقهوة، أقول وجدت صندوقين فيهما ما لذّ وطاب من فاكهة العلم والمعرفة الخاصة بالعلوم والآداب الإنسانية: دواوين شعرية وروايات ومجلات أدبية وكتب متنوّعة. دفعني الفضول للإطلاع على عناوين تلك الكنوز الأدبية الرائعة. كتب ذات قيمة عالية لن تجدها في السوق باستثناء المكتبات العامة المنتشرة في أحياء ومدن سدني الكبرى. تبادر لذهني أن تلك الكتب عائدة للقسم المذكور. مر يوم ويومان وثلاثة والصناديق في مكانها لم يزحزحها أي أحد. تجرأت وبادرت مسؤولة الدراسات العليا ومقررة القسم الدكتورة مليندا جويل بالسؤال عن تلك الصناديق: هل هي عائدة لمكتبة الكلية؟ تفاجئت عندما أخبرتني أنها هدية من البروفيسور جوز للقارئ الذي يبحث عن ضالته في التزوّد من ينابيع المعرفة والإبداع والجمال، ومع شعوري بالفرح الغامر لهذه الغنيمة المعرفية الثمينة، إنتابني شعور بالمرارة عندما علمت بأن الأستاذ جوز قد غادر جامعة سدني الغربية متوجها للعمل في جامعة أديلايد في مدينة أديلايد الجميلة عاصمة جنوب استراليا وهي مكان إقامته حيث يسكن هناك. أخذت ما استطعت نقله من تلك الكنوز الإبداعية، وقد أثمرت إحداها بمشروع ترجمة لقصص أسترالية معاصرة بعنوان ( ماتريوشكا وقصص أخرى) الذي صدر في عام 2019 عن دار الدراويش في بلغاريا وألمانيا و قامت بترجمته المترجمة المثابرة شيماء هادي راضي، و قد صدر بطبعة ثانية في عام 2020 من الدار نفسها. ثمة حكاية أخرى لمشروع قادم تربطنا مع هذا الرجل الكبير بعلمه ومنجزه والمتواضع بسلوكه وتعامله الانسانيّ والأكاديميّ، نسأل الله عزّ وجل أن تكتمل تفاصيلها ذات يوم لتتحقق مقولتنا على أرض الواقع حيث قلنا ونقول( الكتاب ذاكرة، والذاكرة كتاب).

أخر المقالات

منكم وإليكم