حسين رياض..في الذكرى ٦١ لرحيله ،وقفه مع اعماله.

💥 حسين رياض .. سيد التفاصيل الإنسانية أعاد تعريف البطولة خارج صدارة المشهد«سينماتوغراف» ـ إنتصار درديرفي الذكرى الحادية والستين لرحيله، لا تبدو أهمية حسين رياض في عدد أفلامه التي تجاوزت 320 عملاً، ولا في مسيرته الممتدة لنحو نصف قرن، بقدر ما تكمن في أنه أعاد تعريف مفهوم «الممثل المساند». فلم يكن يؤدي دوراً يخدم البطل، بل كان يبني عالماً موازياً يمنح البطل مبرراته، ويمنح الحكاية جذورها الإنسانية.في تاريخ السينما المصرية، ارتبطت صورة الأب غالباً بالسلطة أو العاطفة المباشرة، لكن حسين رياض نقلها إلى مستوى أكثر عمقاً. لم يقدم الأب بوصفه شخصية مثالية، بل إنساناً يحمل تناقضاته وهشاشته وخوفه على أسرته، وكانت نظرة العين، وطريقة الجلوس، والصمت قبل الحوار، عناصر درامية لا تقل أهمية عنده عن الكلمات نفسها.ولهذا لم يكن غريباً أن يصبح الأب الأكثر حضوراً في ذاكرة السينما المصرية، ليس لأنه أدى هذا الدور كثيراً، بل لأنه أعاد تشكيله في كل مرة. ففي «رد قلبي» لم يكن مجرد والد يعيش صراع الطبقات، بل كان تجسيداً لجيل كامل وجد نفسه بين نظام قديم ينهار ومستقبل لا يعرف ملامحه، وجاء أداؤه هادئاً، لكنه حمل داخله إحساساً دائماً بالعجز، وهو ما منح الشخصية صدقاً استثنائياً.وفي «بين الأطلال» جسد ببراعة دور «فهمي» والد البطلة «منى» (فاتن حمامة)، وقدم واحداً من أكثر أدواره نضجاً، إذ اختزل الألم في ملامح صامتة أكثر مما عبر عنه بالحوار. كانت الشخصية تعيش انكسارها الداخلي من دون استجداء تعاطف المشاهد، وهي سمة ميزت أداء حسين رياض طوال مسيرته؛ إذ لم يكن يمثل المشاعر، بل يعيشها أمام الكاميرا.أما في «دعاء الكروان» (1959)، كان صوته هو الذي سُمع في الفيلم، حيث قام بأداء التعليق الصوتي وقراءة النص الافتتاحي الذي كان بلسان الأديب طه حسين (مؤلف الرواية)، فانسجم مع رؤية هنري بركات الواقعية، وكان امتداداً للطبيعة الاجتماعية التي تدور فيها الأحداث.وفي «الحرام» (1965)، أحد أهم أفلام الواقعية المصرية، استعان به للمرة الثانية المخرج هنري بركات، حيث قدم بصوته الرخيم دور «الراوي» الذي يفتتح الفيلم بصوته القاسي ليؤطر أحداث القصة، ويختتمه في المشهد الأخير بجملته الشهيرة:«عندما تحرر الترحيلة من وقع السياط، عادت الشجرة التي وقعت تحتها الخطيئة، مزاراً للنساء الباحثات عن الولد.. في الحلال.. لا في الحرام».وعندما انتقل إلى السينما التاريخية في «الناصر صلاح الدين»، أثبت أن أدواته لا ترتبط بنوع سينمائي بعينه. فلم يقع في فخ الأداء المسرحي الذي سيطر على كثير من أفلام تلك المرحلة، بل حافظ على بساطته وصدقه، فبدت الشخصية التاريخية “هيكاري” (وزير صلاح الدين وقائد جيوشه)، إنساناً من لحم ودم، لا تمثالاً ينطق بالحوار.ومن بين الأدوار التي تكشف عبقرية حسين رياض في الأداء، يبرز دوره في «وا إسلاماه» (1961)، حيث جسد شخصية «سلامة»، الخادم الوفي الذي يتحول إلى الأب الروحي للأمير محمود (قطز) والأميرة جهاد، بعد انهيار مملكتهما وسقوطهما في قبضة التتار.ظاهرياً، تبدو الشخصية ثانوية داخل ملحمة تاريخية تتزاحم فيها الشخصيات الكبرى مثل قطز وبيبرس وشجرة الدر، لكن حسين رياض نجح في نقلها إلى مستوى آخر؛ فقد جعل من «سلامة» الضمير الأخلاقي للفيلم، والرابط الإنساني الذي يصل بين البدايات المأساوية والنهاية البطولية. لم يكن قائداً يحمل سيفاً، بل حارساً للهوية والذاكرة، يحمل الأمانة حتى تستعيد الأمة قائدها.ويظل المشهد الذي يبحث فيه عن جهاد، مردداً عبارته الشهيرة: «إنتِ فين يا جهاد؟»، من أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرة السينما المصرية، ليس بسبب الجملة ذاتها، وإنما لأن حسين رياض شحنها بخوف أبٍ فقد ابنته، أكثر من كونها صرخة رجل يبحث عن شخص غائب. لقد اختصر في تلك اللحظة معنى الفقد والوفاء والرجاء في آن واحد، وهو ما يفسر استمرار حضور المشهد في الذاكرة الجمعية حتى اليوم.ويكشف هذا الدور جانباً مهماً من فلسفة حسين رياض في التمثيل؛ إذ كان يؤمن بأن الشخصية لا تُقاس بمساحتها على الشاشة، بل بوظيفتها الدرامية. لذلك استطاع أن يجعل «سلامة» واحداً من أكثر شخصيات الفيلم تأثيراً، وأن يترك بصمة لا تقل خلوداً عن أبطال العمل، مؤكداً أن الممثل العظيم هو من يمنح الشخصية روحاً تتجاوز حدود السيناريو.وإذا كان فريد شوقي قد وجد في زكي رستم خصمه الدرامي الأبرز، فإن عبد الحليم حافظ وجد في حسين رياض الأب السينمائي الذي منح شخصياته عمقاً إنسانياً استثنائياً. فقد التقيا في «لحن الوفاء»، و«شارع الحب»، وهي أعمال أسست لعلاقة فنية نادرة، لم تعتمد على الصراع التقليدي بين الأب والابن، بل على بناء جسر من الحنان والثقة والاحتواء.وفي فيلم «في بيتنا رجل» (1961)، أحد أبرز كلاسيكيات السينما المصرية للمخرج هنري بركات، قدم حسين رياض شخصية الأب الذي يجد نفسه في مواجهة اختبار أخلاقي وإنساني بالغ الصعوبة، بعدما يتحول منزله إلى ملاذ للمناضل إبراهيم حمدي، الذي جسده عمر الشريف. لم يكن دوره قائماً على الخطابة الوطنية أو الانفعال، بل على الصراع الداخلي بين خوف الأب على أسرته وإيمانه بأن حماية المقاوم واجب لا يمكن التراجع عنه.تميّز أداء حسين رياض هنا بما يمكن وصفه بـ«التمثيل الصامت»، إذ كانت نظراته المترددة، وصمته الطويل، وحركة وجهه المحدودة، كافية للتعبير عن ثقل القرار الذي يحمله. وقد نجح في تجسيد الإنسان العادي الذي تدفعه الظروف الاستثنائية إلى اتخاذ موقف استثنائي، من دون أن يفقد واقعيته أو بساطته. بهذا الأداء، لم يقدم حسين رياض شخصية الأب فحسب، بل جسّد صورة المواطن المصري الذي ينتصر لضميره في لحظة فارقة، ليؤكد مرة أخرى أن أعظم أدواره لم تكن تلك التي تصدرت الأحداث، بل التي منحها معناها الإنساني العميق.ولهذا السبب، كان المخرجون يمنحونه الشخصيات التي تحتاج إلى المصداقية قبل أي شيء آخر. فوجوده داخل الفيلم كان بمثابة ضمانة أخلاقية ودرامية، إذ يخلق حالة من الثقة بين المشاهد والشخصية، وهي ميزة لا يمتلكها سوى قلة من الممثلين.وبعد واحد وستين عاماً على رحيله، لا يزال حسين رياض حاضراً لأن أداءه لم يكن أسيراً لزمنه. فقد سبق عصره في فهم الكاميرا، وفي إدراك أن السينما ليست مكاناً للمبالغة، بل فناً يقوم على التفاصيل الصغيرة. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم