جولة في محراب الفنان التشكيلي: عبود السلمان، للغوص في الفكر واللون والحركة،وبعوالمه العميقة الحضارية والبشرية.- الصحفي:أ. زهير حسين الملا علي المشعان.

في محراب السلمان
ترانيم لونية على مقامات وجودية

من يدخل محراب الفنان التشكيلي عبود السلمان، يغرق في الفكر واللون والحركة، ويدخل عوالمه العميقة الممتدة عبر التاريخ الحضاري والوجودي للبشرية، منذ آلاف السنين إلى الحاضر، مع استشفاف للمستقبل، وكأنه يستمع لترانيم لونية في سمفونية متناغمة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
الجذور والمقامات
ابن الفرات، أبو فرات، لعبت مقامات عديدة في تكوين مخزونه الفكري والفني، وساهمت في هذا الخصب الفني لديه:
1- المخزون الحضاري: هو ابن حضارة وادي الرافدين، منحته عشتار الخصب والحب، وسقته ربة الينبوع في ماري بعذبٍ فرات، فجسدها في ترانيم لونية عزفها بريشته، ترددها أورنينا ربة الغناء في ماري في معبده الفني.
2- المخزون التراثي الشعبي: التراث المادي من أدوات ولباس وغيرهما، والتراث اللامادي من غناء وأساطير وحكايات وعادات وتقاليد.
3- البيئة الفراتية السورية المتنوعة: البيئة الفراتية بكل ما فيها، فيبحر في الفرات كسندباد يبحث عن المغامرة، ويهجع كسفينة الصحراء في البادية غير مستسلم للرياح العاتية.
4- التاريخ الإنساني والوطني الثوري: تاريخ شعوب المنطقة في مواجهة الظلم والقهر والاستغلال، وبحثها عن مكان لها تحت الشمس.
5- الاغتراب: الاغتراب الذي ساهم في إغناء التجربة وتطويرها، والذي ساهم في نقل المحلي إلى العالمية، كما فعل رسول حمزاتوف في داغستان بلدي، لكن بالريشة واللون، نقل خلاصة الحياة من الفرات إلى الخليج إلى كندا.
6- ثقافة الحب والسلام: في مواجهة الحرب والظلام، وكأنه يستقي من رواية تولستوي (الحرب والسلام) لكنه استبدل الحرب بالحب باستعارة جميلة.
7- مكونات أخرى: عديدة لا يتسع المجال للحديث عنها شخصية وعامة.
الفنان عبود السلمان ابن مدينة المياذين والتي تغفو على ضفاف الفرات الزاخرة بأحلامه وأحلامها، وابن دير الزور والمنطقة الشرقية عموماً، في سورية، المتنوعة والغنية فنياً من تراث الشعوب، والتي قال عنها غوستاف لوبون مكتشف ماري(لكل إنسان في هذا العالم وطنان، وطنه الذي نشأ فيه، وسورية) والمهمشة تعدياً وتعمداً، ورغم ذلك قدمت العديد من الفنانين التشكيليين والخطاطين الذين وصلوا إلى العالمية، كالفنان التشكيلي العالمي ابن الجزيرة السورية عمر حمدي، والخطاط العالمي ابن دير الزور والفرات عبيدة البنكي وغيرهم، والسلمان منهم، وإن لم يحظ بالتغطية الإعلامية التي يستحقها، ولذلك أسباب متعددة أهمها: بعد انفتاح الأفق أمام الحركة الثورية العالمية وصعودها في بداية القرن الماضي التي أنجبت تولستوي وغوغول وتشيخوف ومكسيم غوركي وهيمنجواي ومايكوفسكي وبلزاك وبيكاسو وسلفادور دالي، والكتاب والروائيين من سلسلة مقاتلين من أجل أوطانهم خلال الحرب العالمية الثانية، وغيرهم من المبدعين الثوريين في الفكر والثقافة من فن ومسرح وموسيقى، وتراجعها في النصف الثاني منه، ثم انهيار التجربة الاشتراكية وتراجع وسكون الحركة الثورية العالمية، وانفتاح الأفق أمام هيمنة النيوليبرالية الإمبريالية اقتصادياً بعد الثمانينيات في النصف الثاني من القرن الماضي، وما رافقها من تغييبٍ متعمدٍ للصراع الطبقي، المحرك الأساس لتطور المجتمعات والإبداع، وسيطرة نمطٍ استهلاكي في الإعلام والفكر والثقافة والأدب عموماً، والفن التشكيلي خصوصاً، وتهميش دور الشعوب، وما نتج عنه من تنمية الذاتية والفردية، لذا لم نشاهد مفكراً أو كاتباً أو مبدعاً فنياً برز على المستوى العالمي، بل بالعكس شاهدنا انحطاطاً كبيراً، كإبراز عمر الحسين والشامي غنائياً، على سبيل المثال، اللذان يفتقران لأي صوتٍ وإبداعٍ فني موسيقي.
الترانيم اللونية

  • تتجلى ترانيم عبود السلمان اللونية أولاً: في استخدامه للألوان الحارة التي تبعث الدفء والفرح والدهشة والانبهار كغذاءٍ روحي، ألوان الطبيعة الفراتية التي تعبر عن الحب الخصب الذي منحته عشتار له، وهي تخرج حبيبها من عالم الظلمات السفلي، إلى عالم النور، وحتى في استخدامه للونين النقيضين الأبيض والأسود، على مبدأ (الضِّدُّ يُظهر حسنه وجماله الضِّدُّ).
  • وتتجلى ثانياً: في الحركة التي لا تخلو منها لوحة من لوحاته حركة البشر وحركة الطبيعةـ توحي بديمومة الوجود، لأن الحركة هي الشيء المتغير المطلق دائماً، ولولاها لسكن الكون وانتهت الحياة، وما عداها نسبيٌّ.
  • وتتجلى ثالثاً: في تصوير التراث وخاصة الزي الشعبي، بألوانه المزركشة وكأنها وشمٌ وجودي يرافق صاحبه في حياته، أو رقمٌ طيني منحته نيران الحياة أبدية الوجود.
  • وتتجلى رابعاً: في الخطوط المنحنية المختلفة الحجوم، والتي ترفض الانكسار والاستسلام فهو منحازٌ طبقياً، ونصير الفقراء والكادحين، ونصير المناضلين لكل ظلمٍ وقهر ونصير المقاومة، ونصير الشعوب التي ترفض الاستسلام والمساومة، وخاصة شعوب الشرق، ومنها الشعبين السوري والفلسطيني.
  • وتتجلى خامساً: في التوزيع والتناغم للظل والنور.
  • وتتجلى أيضاً في التنوع في المدارس الفنية، فهو رغم غلبة الواقعية على أعماله، لكن تجد بعضها يميل إلى الرمزية، وبعضها يميل إلى السوريالية، فينقلك إلى أبعد من عالم الواقع، ويسمح لخيالك أن يسرح ويمرح في عوالم تضفي مزيداً من الجمالية، وتحمل إيحاءات متعددة فلا يُقيدك، بل يطلق أسر عنان أفكارك وخيالك، ليجمحا ويسابقا الماضي والحاضر إلى المستقبل بكل مفاجآته ودهشته.
  • تتجلى أيضاً في التطابق بين الفكر والممارسة، في أعماله، والمتمسك بمواقفه، وهو حتى في لباسه وعاداته وتقاليده وحكاياته اللونية والشخصية يجسد ذلك، سواء بألوانه أو بلبسه للزي الشعبي وتمسكه به، وأنه أيقونة، كما أصبحت الكوفية الفلسطينية رمزاً للثورية.
    هذه التجليات المتعددة الفكرية والفنية رغم تنوعها، لكنها تشكل لوحة واحدة كلوحة فسيفساء زاخرة بالأشكال والأفكار، متناغمة دون نشازٍ، وجياشة تجتاحك بقوةٍ أحياناً كفيضان الفرات في الربيع، وأحياناً أخرى تتغلغل وتنساب بهدوء كانسياب الفرات وهو يستريح من انحداره في دير الزور، أو كهدّاوة أمٍّ لوليدها لينام ويغفو في حضنها وتداعبه أحلام الطفولة البريئة.
    ملاحظات عابرة
  • يتمتع السلمان بشخصية (كاريزما) متميزة تبتسم للحياة دائماً وتتمتع بالحيوية، كما يتمتع بـ (هانك) حضور جسدي يعج بالحركة المستمرة، فتحس أنه ممثل على خشبة المسرح أبو الفنون يصول ويجول، ويكسر الحواجز بينه وبين الجمهور، ليعبر عمّا يُريد، ويُعبر عما يُريدون.
  • لستُ ناقداً فنياً، بل مهتماً بالشأن العام فكرياً وسياسياً، ولكني متابع وقارئ ومتذوقٌ للفن، ولم ألتق شخصياً بعبود السلمان، ولكني أعرفه من خلال أعماله ومواقفه ومقاماته اللونية والوطنية والإنسانية، والتي جمعتنا سوية.
  • رغم أنه حمل ويحمل هموم الوطن والشعب، ويكره الحرب، فأتمنى أن أشاهد لوحة له تعبر عن معاناة الشعب السوري وشعوب المنطقة والعالم، وخاصةً في هذا الوقت بعد فشل وتراجع الإمبريالية، وبدء انسداد الأفق أمامها بأزمتها، وعودة الصراع الطبقي بشكلٍ أشمل وأوسع بعد انهيار الثنائيات الوهمية، والأحادية القطبية، وأصبح بين عولمة الإمبريالية المتوحشة، والتي تستهدف الإنسان والطبيعة، وتهدد بفناء البشرية والكون، وقطب الشعوب ككل، وبدء انفتاح الأفق أمام الحركة الثورية العالمية، أتمنى أن أشاهد له لوحةً كلوحة (غورنيكا) لبيكاسو عن الحرب الأهلية الإسبانية، فالتاريخ لم ولن ينتهي إلا بسعادة البشرية ككل، وكما قال المسرحي السوري سعد الله ونوس وهو على فراش الموت في كلمة يوم المسرح العالمي(ما يحدث ليس نهاية التاريخ، إننا محكومون بالأمل) ونضيف عليها( ومحكومون بالانتصار).

الصحفي السوري: أ . زهير حسين الملا علي المشعان / دمشق
للمطالعة المقالة على موقع المجلة الكريمة بقعة ضوء : اضغط هنا مشكورا ..

https://lightspot-sy.com/?p=191371

*****************
المصادر:
– موقع :عالم التقنية
– مواقع: الجزيرة .نت
– موقع: مصراوي
– موقع: البيان
– موقع  BBC
– الرياض – العربية Business
– صفحة الآتحاد العربي للثقافة
موقع : بيت الشعر بالمغرب
– موقع: https://www.bbc.com
– موقع : سبق
– موقع الشرق الأوسط
— موقع:اليوم السابع
– مواقع: العربية .نت
– موقع : مدارات الثقافية
– موقع: صحيفة النهار
– إتحاد المصورين العرب فرع مصر
المصدر: مواقع إلكترونية
– موقع: عكاظ
– موقع : المصرى اليوم
– مواقع :تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– موقع: مجلة فن التصوير
-موقع:  إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
**********

أخر المقالات

منكم وإليكم