من الأفلام الجيدة المعروضة في #البندقيةنهاية أوروبا، تهديد روسيا، انسحاب أميركا… هذه هي الأفكار التي يمدّنا بها “جوبيتر” لألكسندر سميا، الفيلم الفرنسي المعروض خارج المسابقة في مهرجان البندقية السينمائي الثالث والثمانين (2 – 12 الجاري). يبدأ الفيلم من فرضية شديدة القرب من حاضرنا: الرئيس الروسي يتعرض لمحاولة اغتيال، يتّهم أوكرانيا بالوقوف وراءها، ويستعد للرد. في قصر الإليزيه، يُستدعى الرئيس الفرنسي المنتخب حديثاً بول أرشامبو إلى مركز القيادة النووي، “جوبيتر”، الموجود تحت القصر، فتبدأ ساعة العد التنازلي أمام احتمال حرب نووية.
المكان يحمل دلالة الفيلم الأساسية. “جوبيتر” هو مركز القيادة الذي يُفترض أن تُتَّخذ فيه أخطر القرارات، في سرية مطلقة. الفيلم محاولة للنظر إلى الحرب من الطرف الآخر: من داخل القصور التي يقرر فيها بعض الأشخاص مصير ملايين البشر.
منذ المشاهد الأولى، يبدو الرئيس الفرنسي بارداً، بطيئاً، مقلّاً تعبيراً. قد يصعب فهم بعض ردود أفعاله، لكن الفيلم لا يكشف آليته دفعة واحدة. لقطة بعد أخرى، تتّضح الشخصية وظروفها. هناك شيء شخصي “يعيق” هذا الرجل: موت ابنته في ظروف لا نعرفها، وتظلّ هذه الحادثة معلّقة في خلفية الشخصية كجرح.
هذه الحياة الخاصة هي الوجه الآخر للحياة السياسية. ولكن، كلّ ما هو شخصي في الفيلم تقريباً غامض، بينما السياسة لا تتوقّف عن الافصاح عن مخططاتها. داخل الإليزيه، تتصارع الأصوات: وزير، قائد جيش، مستشارون، أجهزة أمنية، وكلّ واحد منهم يحمل تصوّراً مختلفاً للخروج من الأزمة. لا نرى السياسة باعتبارها قراراً واحداً يصدر من رجل حكيم، وإنما كشبكة من المصالح والمخاوف والاقتراحات والضغوط، تتدافع قبل أن تصل إلى القرار النهائي.
في هذا الجانب تحديداً تكمن إحدى أفكار الفيلم المهمّة: من السهل أن نشتكي من عجز السياسيين أو من قراراتهم المتناقضة، لكن الجلوس في مكانهم يعني مواجهة عدد لا نهائي من الاعتبارات التي لا تنسجم في الضرورة مع بعضها. هل الأولوية للردع؟ هل ينبغي تجنّب التصعيد؟ هل يمكن التضحية بحليف لإنقاذ بلد؟ هل يجوز التخلّي عن رئيس أوكرانيا إذا كان وجوده يهدد بإشعال الحرب؟ وهل يمكن اتخاذ قرار أخلاقي في ظرف تكون فيه كلّ الخيارات سيئة؟ يصل الفيلم إلى هذه النقطة بعد أن يناقش المقربون من الرئيس الفرنسي احتمال تسليم نظيره الأوكراني إلى الروس، إثر تمكن أجهزة الاستخبارات من تحديد مكانه.
الرئيس الأوكراني، مثل بقية الرؤساء في الفيلم، شخصية متخيّلة، لكن وظيفته واضحة: يمثّل الزعيم الذي يرى بعض صنّاع القرار أنه أصبح “عامل فوضى”، وأن مواقفه المتشدّدة تعرض شعبه للخطر.
الفيلم يستعير الحرب الأوكرانية، لكنه لا يريد إعادة إنتاجها حرفياً. فهو يبني عليها أزمة أخرى، بشخصيات أخرى ومسارات أخرى، لكي يسأل عمّا يحدث عندما تصبح الدول الكبرى عاجزة عن التحكّم في الأحداث التي ساهمت في صناعتها. ولهذا يبدو أحياناً قريباً جداً من الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ثم يبتعد عنها بما يكفي ليصير فيلماً عن السلطة والحرب عموماً.
#هوفيك حبشيان #مجلة ايليت فوتو ارت.


