ثُلاثِيَّةُ الدَّوافِعِ في العَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ .. بَيْنَ نِداءِ السَّماءِ، وَواجِبِ الاِنْتِماءِ، وَإِغْواءِ الاِقْتِناءِ

بقلم د.نادي شلقامي 

في مِحْرابِ العطاء تتجلى أسمى معاني الإنسانية، حيث يرتفعُ صدى قولِ الرسول ﷺ: “أفضلُ الصدقةِ أن تتصدقَ وأنت صحيحٌ شحيح، تأملُ الغنى وتخشى الفقر”؛ فالتطوعُ في جوهره ليس مجرد مَدِّ يدٍ للغير، بل هو معركةٌ ضاريةٌ يخوضها المرء مع نفسه وجهادٌ صامتٌ يبتغي به مَرضاة ربه. والحمدُ لله الذي جعلَ المعروفَ سبيلاً لرفعةِ الذكر، والصلاةُ والسلامُ على مَن كان في جُوده “أجودَ بالخيرِ من الرِيحِ المُرسَلة”.

​وعلى هديِ هذا النبل، ينبثقُ العملَ التطوعيُّ ليكون نبضَ الوجود في جسدِ الإنسانية التي رُويَت فِطرتُها بفيضِ الإيثار، وسُقيت أرواحُها بماءِ القيم السامية. إننا اليوم أمام مَشهدٍ إنسانيٍّ معقد، لا يحدهُ وطنٌ ولا تحصرهُ جغرافيا، بل هو مِرآةٌ تعكسُ صراعَ الدوافعِ في النفسِ البشرية؛ مَشهدٌ يتقاذفهُ ثالوثٌ خطير، وتتنازعهُ غاياتٌ شتّى.

​فبينما يبرزُ “نداءُ السماء” كعنوانٍ للنقاءِ الفطريِّ والسَّريرةِ الطامعةِ في ثوابِ الآخرة، حيث يغدو العطاءُ عبادةً خفيةً لا تبتغي جَزاءً ولا شُكوراً؛ ينهضُ إلى جواره “واجبُ الانتماء”؛ تلك النخوةُ التي تحركُ الضمائرَ لرفعةِ الأوطانِ وعمارةِ الأرض، إيماناً بأنَّ الفردَ لَبِنةٌ في جدارِ مجتمعه لا يستقيمُ حالُه إلا باستقامته.

​لكنَّ هذه الصورةَ الوارفةَ لا تخلو من ظلالٍ قاتمة، حيث يبرزُ “إغواءُ الاقتناء”؛ تلك الفتنةُ الماديةُ والوجاهةُ الاجتماعيةُ التي استدرجتِ البعض، فحوّلت “قُربةَ العباد” إلى “حرفةِ اعتياش”، وجعلت من آلامِ الناسِ سُلَّماً للصعودِ الشخصي أو التكسبِ المستتر. إننا اليومَ بصددِ قراءةٍ في ميزانٍ دقيق، تختلطُ فيه حُمرةُ الخجلِ من التقصير، بصُفرةِ الذهبِ التي أعمَت بعضَ الأبصارِ عن جوهرِ الإيثار؛ فكيف نستعيدُ للعملِ التطوعيِّ طهارته؟ وكيف نُفرقُ بين مَن يمنحُ من روحهِ حُباً، ومَن يمنحُ من وقتِهِ استثماراً؟

أولاً… المرجعية الفكرية (بين النقل والعقل)

— من وحي الوحيين (القرآن والسنة):

1- القاعدة القرآنية:

–يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: 184].

–ويقول سبحانه: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].

–هنا اقترن التطوع بالشكر الإلهي، وهو منتهى التشريف.

–ويقول عز من قائل: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].

— فجعل الله تعالى النجوى الخيّرة في قضايا العطاء والإصلاح باباً للأجر العظيم.

2- الهدي النبوي:

— قال رسول الله ﷺ: “أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس”، فالنفع المتعدي أفضل عند الله من النفع القاصر على الذات.

–وقال ﷺ: “من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”.

وقال عليه الصلاة والسلام: “والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”.

3- من نهج السلف الصالح:

— كان سفيان الثوري يقول: “إني لأرى الرجلَ يسعى في حاجةِ أخيه فأغبطه”، فكان التطوع عندهم “عبادةَ الخفاء” التي لا يُراد بها جزاءً ولا شكوراً.

— ويُحكى أن رجلاً أنفق على فقير طعاماً ومالاً، فلما عاتبه صديقه على الإسراف قال: “والله ما أنفقت على جوع بطنه، بل أنفقت على حياء وجهه”.

– الخبرة الحياتية المعاصرة:

— أثبتت الأزمات (مثل زلزال 92، أو جائحة كورونا) أن المتطوع المصري هو “خط الدفاع الأول”، وأن الروح الجماعية هي التي تقي المجتمع من التآكل وقت الشدائد.

ثانياً… الآثار الإيجابية (ثمار الغرس الطيب)

أ- على الفرد:

1- تزكية النفس: كسر حدة الأنانية والشعور بالاستعلاء، وتحقيق معنى الأخوة الإنسانية.

2- الصحة النفسية: الشعور بـ “جدوى الوجود” وعلاج الاكتئاب عبر رؤية الابتسامة على وجوه المستضعفين ، لقوله ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

3- بناء الكفاءة: اكتساب مهارات القيادة والعمل الجماعي التي لا تمنحها الشهادات الجامعية.

ب- على المجتمع:

1- السلم المجتمعي: تضييق الفجوة بين الطبقات، مما يقلل من مشاعر الحقد والغل، ويحقق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

2- التنمية المستدامة: سد الثغرات التي قد تعجز ميزانيات الدول عن تغطيتها بالكامل.

ثالثاً… الآثار السلبية (عندما تضل النوايا طريقها)

أ- على الفرد:

1- الرياء الاجتماعي: تحول المتطوع إلى “صائد كاميرات” يبحث عن اللقطة لا عن اللقمة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264].

2- الاحتراق النفسي: حين يكتشف المتطوع أن جهده يُستغل لتلميع قيادات أو لجمع تبرعات لا تصل لمستحقيها.

ب- على المجتمع:

1- تسليع المعاناة: تحويل آلام الفقراء إلى “بروفايل” لجذب التمويلات المادية.

2- فقدان الثقة: حين تتحول الجمعية إلى “شركة هادفة للربح” بمرتبات فلكية، يعزف المانحون والمتطوعون الصادقون عن المشاركة.

— ومن دقائق الفقه الإسلامي:

— أن العمل الواحد تحمله نوايا متعددة؛ فيمكن للمتطوع أن يجمع في باطنه: نية كفاية محتاج، ونية نصرة وطن، ونية بناء سمعة حسنة. ولكن الخطر كل الخطر أن تنقلب الآية، فتصير “السمعة” هي الأميرة المدللة، ويصير “المحتاج” مجرد سُلَّم للوصول إليها.

— وحين تتحول مؤسسات الخير إلى “بورصات” للتوظيف، وحين يصبح العمل في الجمعية “واسطة” لا “عبادة”، وحين نرى منصرفين من المكاتب الخلفية يتقاضون رواتب تفوق دخل القرى بأكملها، فاعلم أننا خرجنا من “فقه العطاء” إلى “فقه الريع”. وهنا يصدق وصف الشاعر:

وَكَم مِن صالِحٍ سَقَطَت عَلَيهِ … عُيُونُ الناسِ فَانقَلَبَ الفَسادا

— إن الرؤية الإعلامية لا تخلق متطوعين، بل تخلق “ممثلين” على مسرح الخيرية، ينتظرون التصفيق لا الأجر، ويتلذذون بالثناء لا بالعطاء.

رابعاً….. آليات الرقابة (مثلث الضبط والربط)

لضمان عدم انحراف السفينة، يجب تفعيل الأدوار التالية:

أ- الأزهر الشريف (الرقابة الدعوية):

1- إعادة تأصيل فقه “الإخلاص” وتوعية الشباب بأن الأجر الأخروي يسقط بحلول الأجر المادي (إذا كان هو القصد).

2- رصد الفتاوى المتطرفة التي قد تستغل العمل الخيري لتجنيد الشباب.

ب- وزارة التضامن الاجتماعي (الرقابة الإدارية):

1- الحوكمة الصارمة لميزانيات الجمعيات (أين ذهب القرش؟)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

2- وضع حد أقصى للمصاريف الإدارية والرواتب، لضمان وصول النسبة الأكبر من التبرعات لمستحقيها.

ج- وزارة الداخلية (الرقابة الأمنية):

1- مراقبة مصادر التمويل الخارجي لضمان عدم توظيف العمل التطوعي في أجندات تضر بالأمن القومي.

2-حماية المتطوعين من الاستغلال في أنشطة غير مشروعة تحت ستار “الخير”.

د- الرقابة الشعبية (ضمير المجتمع):

وقبل هذه الجهات جميعاً، هناك رقيب أشد وأبقي.. 1- ضمير المجتمع الحي. فالمجتمع الذي يقدس المتطوعين المجهولين، ويهجو “تجار الصدقات”، هو مجتمع يحمي العمل التطوعي من الاندثار.

2- إن ثقافة “العار” يجب أن تلاحق كل من استخدم دماء الفقراء حبراً على سيرته الذاتية.

3- عهدٌ مع الله والوطن

إن العمل التطوعي في مصر ليس موضة موسمية، وليس “تريند” يظهر في رمضان ويختفي في شوال. إنه ذلك النهر الخفي الذي يروي الأرض ولا يراه الناس.

وختاماً، فإنَّ العملَ التطوعيَّ في مصر سيظلُ “باقيةً من باقياتِ الصالحات”، ما دامَ محفوفاً بصدقِ المقصدِ ونبلِ الوسيلة.

إننا ندعو كلَّ مَن وضعَ قدمَه في هذا الميدان أن يتفقدَ قلبهُ قبلَ ماله، وأن يعلمَ أنَّ يدَ اللهِ مع اليدِ التي تُعطي بلا منٍّ، وتبني بلا طمع.

فإذا أردت أن تعرف مدى تقدم أمة، فلا تنظر إلى ناطحات سحابها، بل انظر إلى أيادي شبابها وهي تحمل شنطة رمضان أو تمسح دمعة يتيم، واسأل: هل في هذه الأيادي رياء؟ أم فيها إخلاص يجري مجرى الدم؟

فيا باغي الخيرِ، أقبلْ بصدرٍ سليم، ونيةٍ لا تعرفُ للمالِ سبيلاً إلا كونهُ وسيلةً لكرامةِ الإنسان، لتكونَ بحقٍ وارثاً لسيرةِ الصالحين، وبانياً لمستقبلِ وطنٍ لا ينكسرُ وفيهِ قلبٌ ينبضُ بالغيرية.

ربِّ اجعلنا ممن إذا أعطوا أخلصوا، وإذا سُئلوا أنصفوا، وإذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا ذُكروا لم يتألموا.

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجعل خيرَ أعمالنا خواتيمَها، وخيرَ أيامنا يومَ نلقاكَ بقلبٍ سليم.

آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم