
سهيل كيوان
الأندلس: ما سمعناه وما رأيناه!
الصورة التي نحملها عن مكان ما، ونبنيها من الكتب والحكايات والأغاني والصور، قد تكون بعيدة عما نراه حين تطأ أقدامنا ذلك المكان.
نحن العرب نبحث عن ما يمنحنا شيئاً من الفخر والعزاء، في زمن بتنا فيه «فِرجة» للأمم.
تحتل الأندلس مكانة خاصة في هذه الذاكرة. ثمانية قرون من الوجود العربي والإسلامي تركت حضارة عظيمة في العمارة والعلم والأدب والزراعة والفنون.
كثيراً ما سمعت أن أهل الأندلس يشبهون العرب، حتى إنني توقعت أن أمشي في الشوارع وأحاول اكتشاف هل هذا من أصل عربي أم إسباني؟
تجولت خلال أيام مع آخرين في غرناطة وقرطبة وإشبيلية وملقا وروندا وجبل طارق وقرى نائية.
راقبت وجوه الناس في الشوارع والساحات والمقاهي والأسواق، ولم أجد الصورة التي كانت في ذهني.
رأيت بالطبع وجوهاً عربية كثيرة، لكنها كانت في الغالب لسائحين من العرب أو لمغاربة بشكل خاص وعرب يقيمون ويعملون في هذه المدن. معظم من رأيتهم بدوا لي أوروبيين، مع وجود بعض الملامح المتوسطية التي يمكن أن نجدها في إيطاليا واليونان وبلدان أخرى على المتوسط.
تخيلت أنغام الجيتارات وخبطات أكعاب راقصات الفلامنكو في الساحات والأزقة ولكنني لم أجد هذا أيضًا.
لم أر سوى عدد قليل جداً ونادر من عازفي الشوارع.
الفلامنكو موجود وهو لون أصيل ومهم من ثقافة الأندلس، لكن وجوده شيء، والصورة التي صنعناها كأن الغجر في كل شارع شيء آخر؛ فهو يقدّم كعروض مسرحية في قاعات المسرح كتراث ويدرّس في معاهد خاصة.
الأندلس التي لم أجدها في وجوه الناس، وجدتها في الحجارة.
زرنا منزلاً أندلسياً عربياً قديماً اكتُشف خلال أعمال حفريات، ثم جرى ترميمه وإعادته قدر الإمكان، إلى صورته الأصلية.
كان الوقوف في ذلك المنزل مختلفاً عن مشاهدة القصور الضخمة. هنا لم أكن أمام قصر خليفة أو ملك، بل أمام بيت عاش فيه بشر قبل مئات السنين، يذكر ببيوت الشام. دخلوا من هذا الباب، وجلسوا في هذا الفناء، وأكلوا وناموا وفرحوا وحزنوا وربّوا أطفالهم بين هذه الجدران، ثم طردوا منها أو قتلوا في محاكم التفتيش.
هنا لم تعد الأندلس قصيدة أو حكاية عن الملوك والجواري والقصور، بل حياة بشرية حقيقية كانت هنا ثم انقطعت.
مبان كانت في مراحل من تاريخها مساجد، ثم أصبحت كنائس وكاتدرائيات، مسجد قرطبة هو المثال الأشهر، ولكنه ليس الشاهد الوحيد على تعاقب العصور والأديان على المكان.
تقف هناك فترى الأقواس والأعمدة والزخارف، وترى نقوشًا عربية وآيات قرآنية وكتابات بقيت على الجدران بعد مرور قرون طويلة.
وتشاهد أيضًا ما يعرف بـ «الفن المدجّن»، ذلك الفن الذي استمرت فيه تقاليد العمارة والزخرفة الإسلامية داخل الممالك المسيحية بعد طرد المسلمين، فترى الزخارف الهندسية والخطوط العربية جنباً إلى جنب مع الرموز والزخارف المسيحية، مشهد جميل ومؤلم، فقد استطاع الفن أن يعبر حدود الدين والسلطة والزمن، وأن يفرض جماله حتى بعد تغير الحكام وأصحاب المكان. ومؤلم؛ لأن الحروف العربية الباقية على الجدران بدت مثل صوت بقي بعدما رحل أصحابه.
كان جميلاً أن أمشي بمحاذاة النهر في غرناطة وأرى أثرًا فنيًا يحمل أشعار فيديريكو غارثيا لوركا، شاعر غرناطة الكبير. وفي ملقة، مسقط رأس بابلو بيكاسو، ترى تمثاله في أحد ميادين المدينة وحضوره في ذاكرتها الثقافية، وفي مدينة روندا، ترى شارعاً باسم آرنست همنغواي الذي زارها وألهمته بعض أعماله وأبرزها «لمن تقرع الأجراس»، إضافة إلى الحمّامات العربية.
مرت قرون أخرى، وولد شعراء ورسامون وموسيقيون، ونشأت ثقافات وتقاليد جديدة، وأصبح لهذه البلاد ذاكرة أخرى أيضًا.
من موقع في قلعة (ملقة) يطل على حلبة مصارعة الثيران في الحي القديم، جماهير تصرخ وتصفق وتثور مع حركة المصارع والثور. عندما ترى وتسمع تفاعل الجمهور تدرك أنك أمام تقليد متجذر من تاريخ وثقافة هذه البلاد، رغم الانتقادات الكبيرة لهذه الرياضة.
الأثر العربي الأعمق برأيي هو اللغة، فهي واضحة المعالم في مئات الكلمات التي تصادفك في كل مكان.
بكلمات مثل الجسر، القصر، العُمرية، المعصرة، الزيت، الصابون، الخزانة، والباريو؛ أي البرية، والبيركا؛ أي بركة المياه والنافورة وسط البيت، والديدا (الضيعة)، والخرابيو؛ يعني الشراب، وأوخالا، التي تعني نأمل، ومصدرها إن شاء الله، و»ال» التعريف التي تسبق آلاف الكلمات وتسمعها في كل مكان، تعرف أصلها العربي، وهذا لا يعرفه سوى المختصين منهم.
كيف ضاع كل هذا؟ هنالك عزاء بأنك ترى علم فلسطين على كثير من الشرفات والأسطح خصوصاً في مدينة غرناطة، في حي البيازين، الحي الذي يصل ثمن أصغر البيوت فيه إلى الملايين من اليورو، بسبب أهميته التاريخية، فهو مرمم بصورة حافظت على شكله الأصلي من الحقبة العربية، وفيه مسجد افتتح عام 2003 بجهود الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، وفيه مركز إسلامي ومكتبة، يرفع فيه الأذان بعد توقف لمدة خمسمئة عام، وهو يطل على قصر الحمراء الأسطوري.
لم تسقط الأندلس بسبب واحد، ولم تحدث الهزيمة في يوم أو سنة واحدة. إنها قصة امتدت قروناً، وتعاقبت فيها دول وحروب وتحوّلات ديموغرافية وعسكرية وسياسية كثيرة.
ولكن أكثر صفحاتها إيلاماً مرحلة ملوك الطوائف، حين تفككت الدولة إلى إمارات وممالك صغيرة، وتحالف بعضهم مع ممالك «مسيحية» ضد بعضهم الآخر، ودُفعت الأموال والجزية مقابل الحماية والمساعدة في صراعات داخلية بين العرب والمسلمين أنفسهم.
كل ملك يريد الحفاظ على عرشه الصغير، بينما كانت الأرض الكبيرة تضيع شيئاً فشيئاً.
قد يربح أحدهم معركة ضد جاره، وقد يحتفظ بعرشه سنوات إضافية، ولكن النتيجة النهائية كانت أن العروش كلها سقطت، والأرض ضاعت.
لم أستطع التعامل مع ملوك الطوائف كأسماء مات أصحابها قبل ألف سنة، كانوا يبدون لي أحياناً معاصرين بصورة مخيفة.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، ولكن البشر يكررون أخطاء متشابهة، الصراع على السلطة، والاستقواء بالغريب على القريب، وتقديم المصلحة الصغيرة على المصلحة الكبرى، والاعتقاد بأن الخطر الذي يهدد الجار لن يصل إلينا.
حين يصبح العرش الصغير أهم من الوطن الكبير، يضيع العرش والوطن معاً.
دفعني الفضول الشديد إلى تفضيل زيارة الأندلس عن غيرها، فاكتشفت أن بعض ما سمعته لم أجده، وبعض ما وجدته لم أكن مستعداً له، وفيه ألم كبير، وخصوصاً ونحن نرى يومياً ما يجري لشعب فلسطين في مدنه وقراه تحت أنظار العالم، وفي الوقت ذاته كم هو جميل صوت إسبانيا الحرة وهي تتبنى المواقف الحازمة المناهضة للاحتلال، إضافة إلى التطور الكبير في العلاقة المتسامحة مع الأقلية المسلمة في إسبانيا.



