بقلم الروائي والكاتب خالد حسين
متاهة الزمن والهوية: تشريح لما رواه بهاء طاهر
واحة الغروب
بهاء طاهر
● مقدمة: الصحراء التي تبتلع اليقين
في الأدب العربي الحديث، ثمة روايات تُقرأ وتُنسى، وروايات تُقرأ وتتركك مختلفاً عمّا كنت. “واحة الغروب” لبهاء طاهر من النوع الثاني، ليس لأنها تُجيب على أسئلة كبيرة، بل لأنها تجعلك تسأل أسئلة لم تكن تعرف أنك تحتاج إليها.
الرواية الفائزة بجائزة البوكر العربية عام 2008 تبدأ بمهمة بسيطة: ضابط مصري مُنفى يصل إلى واحة سيوة لإشراف على ترميم معبد روماني قديم. معه زوجته الإنجليزية التي تبحث عن قبر الإسكندر الأكبر. هذا هو “الحدث”. لكن ما يصنعه بهاء طاهر بهذا الحدث البسيط هو ما يجعل الرواية شيئاً آخر تماماً.
الصحراء في الرواية ليست مكاناً يحدث فيه شيء، هي ما يحدث. هي الشخصية الأولى والأكثر قدرة، الكيان الذي يسخر من كل مشروع بشري ويصنع حواره الصامت مع كل من يقدم عليه. وفي هذه الرواية، تتصادم الأزمنة وتذوب الهويات وتُعرّى الأوهام الاستعمارية والوطنية على حد سواء أمام لامبالاة الرمال الأزلية.
● تلخيص الرواية: حين تتعفن الخرائط في يد أصحابها
○ شخصيتان على حافة الهاوية
القاهرة في أواخر القرن التاسع عشر. فشلت ثورة عرابي. الاحتلال البريطاني رسّخ أقدامه. ومحمود عبد الظاهر، الضابط المصري الذي وقف في الوقت الخطأ مع الطرف الخطأ، يجد نفسه مُرسَلاً إلى سيوة، الواحة البعيدة في غرب الصحراء المصرية، على رأس مهمة إدارية: الإشراف على ترميم معبد روماني قديم.
المهمة في ظاهرها وظيفة. في باطنها نفي مُؤدَّب.
معه كاثرين، زوجته الإنجليزية، الباحثة في الآثار، المسكونة بهاجس واحد: إيجاد قبر الإسكندر الأكبر الذي يُعتقد أنه في مكان ما قريب من سيوة. خرائطها معها، مذكراتها معها، ثقتها بمنهجها العلمي معها. ما لم تأخذه معها هو القدرة على فهم شيء يرفض أن يُفهم.
علاقتهما الزوجية هشة بطريقة مُحددة: ليست قائمة على الكراهية، بل على الفجوات. هي تتكلم إنجليزية العلم والنظرية. هو يتكلم عربية الألم والذاكرة. بينهما مسافة لا تملؤها الحميمية، وإن حدثت فوق أنقاض المعبد الروماني في مشهد يجعل منه طاهر بصرة سردية لا تُنسى: الجسدان يتحدان فوق ما بنته إمبراطورية وسقطت.
○ الصحراء تعلن حكمها
المعبد يُكشف بالنهار ويُدفن بالليل. الرمال تأخذ ما أخذ منها. محمود يُمضي نهاراته يأمر بحفر ما حفره أمس، في مهمة سيزيفية لا يستطيع أن يُفلسفها ولا أن يقبلها. وكاثرين تُمضي نهاراتها تتبع خرائطها التي تنتهي بها إلى لا شيء، ثم تُعيد رسمها من الذاكرة وتبدأ من جديد.
تندلع ثورة البدو في سيوة ضد الاستعمار البريطاني. محمود يشهد مذبحة. كاثرين، التي كانت تبحث عن آثار الموتى القدامى، تجد نفسها أمام جثث حديثة. السؤال يُطرح بلا كلمات: ما الجدوى من البحث عن ماضٍ ميت حين يصنع الحاضر موتاه بهذه الكفاءة؟
ذروة الرواية تأتي حين تهذي كاثرين تحت الشمس. تواجه شبح الإسكندر. الشبح لا يُعطيها ما تريد، يُعطيها ما لا تريد سماعه: أنها تبحث عن جثة، وأن الصحراء لا تُسلّم إلا بالأشباح. هذا المشهد يتجاوز حدود الواقعية السحرية إلى شيء أكثر قسوة: لحظة يسقط فيها المشروع الكامل لفهم العالم بمعايير الحضارة الغربية.
○ الصوت الثاني: التسعينيات تُحاكم التاريخ
بالتوازي مع حكاية محمود وكاثرين، يسير خط زمني آخر: مؤرخ قاهري في تسعينيات القرن العشرين يحاول فك ما حدث لمحمود. يفحص الأرشيف الرسمي فيجده مُزيَّفاً. التاريخ الذي كتبته الدولة حوّل الأفراد إلى أدوار: البطل والخائن والضحية والمُنقذ، أدوار تخدم سردية السلطة لا الحقيقة.
هذا التشابك الزمني هو أحد أكثر التقنيات ذكاءً في الرواية. القارئ يعيش في القرنين في آن واحد، ويرى كيف أن السؤال الذي يطرحه التسعينيون على التاريخ هو السؤال ذاته الذي يطرحه محمود على حياته: من كنتُ حين اخترت ما اخترته؟ وهل الاختيار كان حراً أصلاً؟
○ النهاية المفتوحة: الصحراء تُعلن انتصارها
تنتهي الرواية بمشهد الراوي المعاصر يقف عند قبر محمود المجهول. الصحراء تهمس: “لا توجد واحة… فقط الرحلة.” كاثرين اختفت في الأفق. محمود تحت الرمال. الحقيقة التي بحث عنها الجميع تذوّبت كما تذوب كل شيء في حرارة الصحراء.
لكن هذا ليس يأساً. هو شيء أصعب من اليأس وأعمق: قبول أن الرحلة نفسها هي الحقيقة الوحيدة الممكنة.
● السياق التاريخي: ثورة عرابي والجرح الذي يرفض الاندمال
○ الهزيمة التي أعادت تشكيل الوعي المصري
ثورة أحمد عرابي عام 1882 كانت أكثر من انتفاضة عسكرية. كانت اللحظة التي أعلن فيها المصريون، لأول مرة منذ قرون، أن لهم رأياً في مصيرهم. “مصر للمصريين” كانت أكثر من شعار، كانت صدى وعي جمعي يصحو.
لكن الثورة فُشلت. الاحتلال البريطاني المباشر جاء. والأخطر من الهزيمة العسكرية كان ما تلاها: إعادة كتابة التاريخ. الذين وقفوا مع الثورة أصبحوا “متمردين”. الذين تعاونوا مع الاحتلال أصبحوا “حكماء يُحافظون على الاستقرار”. والسرديات الرسمية تحوّلت إلى واجهة خلفها هزيمة حقيقية ينبغي ألا تُذكر.
محمود في الرواية هو ابن هذه اللحظة. خانها بمعنى ما، وقف في جانب السلطة لا في جانب الشعب، ويحمل هذا الذنب في صمت طوال الرواية. نفيه إلى سيوة هو عقاب نعم، لكنه أيضاً نجاة من مواجهة نفسه. الصحراء ستأخذ منه هذه النجاة وتُجبره على المواجهة.
○ الاستشراق ووهم امتلاك التاريخ
كاثرين ليست شريرة. هذه نقطة مهمة يفرض فهمها القراءة الدقيقة. هي مخلصة في بحثها، صادقة في شغفها، شريفة بمعايير عصرها. ومع ذلك، هي تمارس عنفاً خفياً لا تُدركه: تريد أن “تمتلك” تاريخاً لا تملكه، تريد أن تُحدد الإسكندر الأكبر بإحداثيات خرائطها وتُعيده إلى كتبها الأوروبية. التاريخ المصري كمادة خام للإنجاز الغربي.
نقد إدوارد سعيد للاستشراق يتجسد هنا ليس كأطروحة نظرية بل كمأساة إنسانية: كاثرين ستدفع ثمن هذا الوهم. الصحراء لن تُسلّم قبر الإسكندر لمن يريد أن يجعله درساً في الحضارة، ستحتفظ به كسرّها وتكسر يد من يمد إليه.
○ الأرشيف المُزيَّف والحقيقة المدفونة
الخط الزمني الموازي في التسعينيات يمثل بُعداً سياسياً مباشراً في الرواية. مصر ما بعد الاستعمار ورثت من الاستعمار أداة واحدة بامتياز: إعادة كتابة التاريخ لخدمة السردية الرسمية الراهنة. الدولة تحوّل الخونة إلى أبطال والأبطال إلى خونة حسب ما تقتضيه الحاجة السياسية.
هذا ما يكتشفه المؤرخ في التسعينيات: الأرشيف كذب. الوثائق تُغيّر بحسب من يحكم. والحقيقة التاريخية شيء هشّ كبيت من رمال يُعيد كل ريح بناءه من جديد.
● التحليل الفلسفي: الصحراء كفضاء ميتافيزيقي
○ الزمن الدائري ولعنة سيزيف
المعبد الذي يُكشف بالنهار ويُدفن بالليل هو صورة من أكثر صور الرواية كثافة. ليس لأنها مدهشة مرئياً، بل لأنها تُجسّد سؤالاً وجودياً لا مفر منه: هل يستطيع الإنسان أن يبني شيئاً يصمد أمام الزمن؟
الجواب الذي تُقدمه الرواية ليس “لا” بسيطة. هو أعمق: ربما السؤال نفسه خاطئ. ربما المشكلة في الرغبة في البناء الذي “يصمد”، وليس في الطين الذي نبني منه. ربما الحكمة في قبول أن كل ما نبنيه سيُدفن، ثم نبني مع ذلك، ليس لأن البناء سيستمر، بل لأن البناء نفسه هو ما يجعلنا بشراً.
هذا صدى فكر كامو في أسطورة سيزيف: يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً. ليس لأنه وصل إلى القمة، بل لأنه يُقرر أن يرفع الصخرة من جديد.
○ تشظي الهوية في مواجهة الآخر
علاقة محمود وكاثرين هي الجسر الذي تعبر عبره الرواية من الحكاية الفردية إلى التشخيص الحضاري. كل منهما يُمثل منظومة كاملة: هو حداثة عربية متصدعة تبحث عن كرامة مسروقة، هي مشروع استعماري يؤمن بأمانة بأحقيته في فهم العالم وتصنيفه.
لكن طاهر لا يُصوّر المواجهة بين المنظومتين كصراع بين شرير وضحية. كلاهما يُعاني. كلاهما فاشل بطريقة مختلفة. وكلاهما يدفع ثمن أوهامه في صحراء لا تُفرق بين المستعمِر والمستعمَر، تأخذ من الجميع بالتساوي.
الزواج المختلط .. إجهاضات كاثرين المتكررة ليست مجرد دراما عائلية، هي صورة لعقم كل تلاقٍ قسري بين منظومتين لم تُخلقا لتتكاملا.
○ شبح الإسكندر وفلسفة الزمن المُرعب
مشهد هذيان كاثرين مع شبح الإسكندر هو الذروة الفلسفية للرواية. الإسكندر لا يظهر كبطل أو كلغز تاريخي، يظهر كسؤال: لماذا تبحثين عني؟ ماذا ستفعلين بي حين تجدينني؟
الصحراء لا تُسلّم قبره لأن امتلاك القبر يعني امتلاك التاريخ، والتاريخ لا يُمتلك. يُعاش. يُعاد. يتشكل بحسب من يرويه. الإسكندر في قبره لو وُجد لن يُعطي الغرب شهادة ميلاد للحضارة، سيطرح فقط سؤالاً جديداً: وماذا بعد؟
● ما بين السطور: الأجندة الخفية
○ نقد الوطنية الزائفة
طاهر لا يهاجم الاستعمار البريطاني فقط، يهاجم الاستعمار الداخلي أيضاً. الدولة المصرية الحديثة التي “حرّرت” نفسها لم تتخلّ عن أدوات القمع التي ورثتها، بل أتقنت استخدامها. ثورات العرابيين تتحول إلى أساطير تُحتفل بها رسمياً بينما تُدفن جوهرها الحقيقي. والأبطال الحقيقيون يبقون تحت الرمال في قبور مجهولة.
جملة واحدة تُلخص هذا النقد دون أن تُصرّح به: الراوي المعاصر يذهب لإيجاد قبر محمود ولا يجده في السجلات الرسمية. لم يمت محمود في خدمة وطنه، مات خارج السرديات الرسمية، في فراغ لا يُرى.
○ المرأة كضحية مزدوجة
كاثرين هي مستعمِرة، نعم. لكنها أيضاً ضحية النظام البطريركي الذي يُتيح لها “البحث العلمي” كما يُتيح للنساء في عصرها الظهور في الفضاء العام، بشروطه هو. شغفها العلمي يُقابَل بسخرية خفية، حتى ممن يُفترض أنهم يحبونها.
إجهاضاتها المتكررة ليست مأساة طبية فحسب. هي استعارة: جسد يرفض أن يُنتج في عالم لم يُعدّه لها. أو ربما: عالم يريد منها أن تُنتج فقط ما يخدم مشاريعه.
○ الفناء كأفق وليس كخسارة
النهاية لا يأساً. هذا ما يُفرق طاهر عن كثير ممن كتبوا عن الهزيمة الحضارية. الصحراء تنتصر، نعم. لكن انتصارها ليس إعلاناً بأن جهد البشر عبثي، هو إعلان بأن الأهمية ليست في النتيجة.
محمود رمّم. كاثرين بحثت. الراوي حقّق. الرمال أخذت كل شيء. لكن الرحلة كانت. وهذا يكفي، ليس لأنه مُبهج، بل لأنه الحقيقة الوحيدة المتاحة.
● الأسلوب السردي: طاهر يكتب بيدين
بهاء طاهر يكتب بما يُسمى “الأدب الهامس”: يُلمح ولا يُصرح، يُشير ولا يُقرر، يفتح أبواباً ويتركها بلا إجابات. هذا الأسلوب يتناسب تماماً مع موضوع الرواية، كيف تكتب عن ما لا يُقال بالتصريح؟
التشابك الزمني بين القرن التاسع عشر والتسعينيات يخلق تأثيراً مخصوصاً: القارئ يُدرك أن التاريخ لا ينتهي، أنه يعود بأشكال مختلفة، أن الأسئلة التي طرحها محمود يطرحها الراوي المعاصر بالألفاظ ذاتها دون أن يعلم.
الصحراء نفسها تُكتب بطريقة تجعلها تتنفس في الصفحات. ليست وصفاً جغرافياً، هي حضور مستمر يُعلّق فوق كل جملة ويُلوّن كل حوار.
●● خاتمة: لا توجد واحة… فقط الرحلة
الجملة الأخيرة في الرواية هي أكثر جمل طاهر صدقاً: “لا توجد واحة… فقط الرحلة.” ليست يأساً. هي وصف دقيق لطبيعة وجودنا.
نحن جميعاً نرحل نحو واحة. نحمل خرائط، ونضع تواريخ، ونُخطط مسارات. والصحراء، صحراء التاريخ، والهوية، والسلطة، والزمن، تأخذ من خرائطنا ما تشاء وتُبقي من الخطط ما تُقرره هي. لكن الرحلة تبقى.
“واحة الغروب” رواية عن مصر ومحمود وكاثرين والاستعمار والتاريخ المُزيَّف. لكنها في العمق رواية عمّا يصنعه بنا زمن لا يُعرف كيف يمشي، وعمّا نصنعه نحن حين نُدرك أخيراً أن الواحة التي نبحث عنها كانت دائماً سراباً.
وهذا الإدراك، المؤلم والمُحرر في آن، هو ما تتركك به الصحراء حين تقرر أخيراً أن تُطلق سراحك.
● نبذة عن بهاء طاهر
وُلد محمد بهاء الدين عبد الله طاهر في الثالث عشر من يناير 1935 في الجيزة، لعائلة أصولها من صعيد مصر. درس التاريخ في كلية الآداب بجامعة القاهرة وتخرج عام 1956، وهو تكوين ترك بصمته الواضحة على روايته التي ستكتب الماضي والحاضر في آن.
بدأ العمل في الإذاعة المصرية حيث ساهم في تأسيس البرنامج الثقافي الثاني عام 1968. لكن العام 1975 جاء بما لم يكن يتوقعه: مُنع من الكتابة بسبب مواقفه النقدية، فاضطر إلى الهجرة والعمل مترجماً في دول أفريقية وآسيوية، ثم في مكاتب الأمم المتحدة في جنيف من 1981 حتى 1995.
العودة إلى مصر في التسعينيات لم تُنهِ التهميش، أحياناً الغياب أكثر وضوحاً حين تعود مما كان وأنت بعيد. لكنه عاد ليكتب. “واحة الغروب” صدرت عام 2007 ونالت جائزة البوكر العربية عام 2008، حاملة كل ما راكمه من سنوات الغياب والبحث والمنفى.
من أعماله المهمة: “خالتي صفية والدير” (1985) التي تستكشف الصراع بين التقاليد والحداثة في صعيد مصر، و”الحب في المنفى” (1995) التي تحمل تجربة الغربة في عروقها.
عام 2011 ردّ جائزة مبارك احتجاجاً على قمع الثورة. حياته تكشف شخصاً يُلازم مواقفه بتكلفة شخصية حقيقية، وهذا الالتزام يُقرأ في كل صفحة من روايته عن ضابط ينفى لأنه وقف في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ.
توفي بهاء طاهر في الثامن والعشرين من مارس 2022 في القاهرة، تاركاً عدداً قليلاً من الأعمال نوعية العمق، وصوتاً أدبياً لن يُنسى.


