تعود السينما الغربية إلى ملف الاستعباد بشكل دوري، بمحاولة للخلاص من أزمة الشعور بالذنب.عبر ثورات سينمائية.. ضمن 5 أفلام وثقت وحشية العبودية.

ثورات سينمائية.. 5 أفلام وثقت وحشية العبودية

مورغان فريمان في فيلم “أميستاد” (آي ام دي بي)
أسامة صفار
تعود السينما الغربية إلى ملف الاستعباد بشكل دوري، وكأنها محاولة للخلاص من أزمة الشعور بالذنب الذي رافق تحرير العبيد في الولايات المتحدة الأميركية. وتقوم تجربة العبودية على تجريد الإنسان من إنسانيته عبر بنية قائمة على العمل القسري، والتسلسل العنصري، والقمع القانوني وإنكار الحرية.
ولا يقتصر تصوير هذه المرحلة عند صانعي الأفلام على إعادة بناء الماضي، فالأهم هو الاشتباك مع الأسس الأخلاقية للمجتمعات الحديثة، التي تشكل الكثير منها بفعل اقتصادات وأيديولوجيات الاستعباد.
وقدمت السينما روايات مؤثرة عن الاختطاف، والمقاومة، والوحشية، والبقاء. وسعت بعض الأفلام إلى الواقعية المباشرة، بينما سعت أخرى إلى نطاق تاريخ ملحمي، واستخدمت أفلام أخرى أساليب فنية لإعادة تصور النضال من أجل التحرر.
من خلال الواقعية في “12 عاما من العبودية” (12 Years a Slave)، والدراما القانونية في “أميستاد” (Amistad)، والملحمية في “جذور” (Roots)، والانتقام الأنيق في “جانغو الحر” (Django Unchained)، والنضال التاريخي في “المجد” (Glory)، تظهر هذه الأعمال أن العبودية لا يمكن اختزالها إلى قصة واحدة، لأنها نظام، وصدمة، ومسألة أخلاقية مستمرة.
ما يجمع كل هذه الأفلام هو الأثر الثقافي، إذ ساهمت في تشكيل الذاكرة الجماعية، وصورت للأجيال الجديدة واقع العبودية، وحولت الصدمة التاريخية إلى سرد بصري لا يمكن تجاهله بسهولة. وقد ساهمت الأعمال الخمسة التالية في هذا السرد أكثر من غيرها.
1- شهادة شخصية ضد نظام
يقف فيلم “12 عاما من العبودية” 2013 (12 Years a Slave) للمخرج ستيف ماكوين على ذروة خاصة به من حيث الواقعية والقدرة على شحن المشاهد إلى أقصى حد. ويستند إلى مذكرات سولومون نورثروب الحقيقية، وهو رجل أسود حر اختطف وبيع عبدا في القرن التاسع عشر، ويقدم صورة صادمة لنظام المزارع في الولايات المتحدة.
لا يصور الفيلم العبودية كمؤسسة تاريخية مجردة، ولكن كواقع يومي مليء بالعنف والإذلال والرعب النفسي. ولا يقدم رحلة نورثروب باعتبارها مغامرة بطولية، ولكن كصمود طويل في وجه نظام مصمم لطمس الهوية.
• مشهد من فيلم “12 عاما من العبودية” (آي اد دي بي)
ترك الفيلم أثرا ثقافيا تمثل في رفضه تخفيف وحشية العبودية من أجل راحة سينمائية. فهو يجبر المشاهد على مواجهة الاستعباد الذي كان عبارة عن معاناة معاشة، ويكشف الآليات الاقتصادية والاجتماعية الكامنة وراءه. وبذلك، أصبح فيلم “12 عاما من العبودية” أحد أهم الروايات السينمائية عن العبودية في القرن الحادي والعشرين.
2- معركة قانونية وأخلاقية
يتناول فيلم “أميستاد” 1997 (Amistad)، للمخرج ستيفن سبيلبرغ، قضية العبودية من منظور القانون والعدالة والتناقض السياسي. ويجسد الفيلم قصة تاريخية حقيقية لأفارقة مستعبدين ثاروا على متن السفينة الإسبانية “لا أميستاد” عام 1839، ثم أُسروا أمام السواحل الأمريكية.
يسلط “أميستاد” الضوء على ممارسات الاستعباد في قاعات المحاكم، ويتحول نضال الأفارقة إلى صراع حول التعريفات القانونية للملكية والإنسان، وإمكانية تحقيق العدالة ضمن نظام بني لحماية الظلم.
يرصد الفيلم البنية العبودية باعتبارها بنية مؤسسية تدافع عنها التشريعات والدبلوماسية والمصالح الاقتصادية، وتنبع القوة العاطفية للفيلم من التوتر بين الحقيقة الأخلاقية والبيروقراطية القانونية.
يكشف الفيلم عن رسالته في النهاية والتي تشير إلى أن الحرية تنتزع عبر المحاكم ولا تمنح وفقا للضمير. يعد فيلم أميستاد مرجعا سينمائيا رئيسيا، لأنه يصور العبودية على أنها صراع بين القانون والإنسانية.
3- ملحمة الجذور
رغم أن مسلسل “جذور” 1977 (Roots) يصنف كمسلسل تلفزيوني قصير وليس فيلما روائيا طويلا، إلا أنه لا يمكن إغفاله في أي نقاش حول العبودية على الشاشة. عرض لأول مرة عام 1977، وسرعان ما أصبح ظاهرة ثقافية، شاهده عشرات الملايين، ولا يزال يعد من أكثر الأعمال الدرامية تأثيرا في تصوير العبودية في الإعلام الشعبي.
يستند مسلسل “جذور” إلى رواية أليكس هيلي، ويتتبع أجيالا من عائلة أفريقية، بدءا من أسر “كونتا كينتي” في غرب أفريقيا، مرورا بعقود من الاستعباد في أمريكا، ويصور العبودية كصدمة متوارثة عبر الأجيال.
تكمن قوة “جذور” في منظوره الجيلي، إذ يرى نظاما تاريخيا أعاد تشكيل الهويات والعائلات واللغات والثقافات عبر القرون. بالنسبة للعديد من المشاهدين، كان “جذور” أول تجربة حقيقية لهم مع العبودية كتجربة معيشية، وليست مشاهدة فقط.
لا يزال تأثير مسلسل “الجذور” قائماً لأنه حول العبودية إلى ذاكرة بصرية مشتركة، مما رسخ القصة في الوعي الثقافي لأمريكا الحديثة وما وراءها.
4- العبودية والانتقام
يمثل فيلم “جانغو غير المقيد” 2012 (Django Unchained)، للمخرج كوينتين تارانتينو، منهجا مختلفا، إذ يتجاوز الواقعية التاريخية، مستخدما العنف بأناقة، والكوميديا السوداء، ليروي قصة رجل مستعبد يتحول إلى صائد جوائز.
• جيمي فوكس في “جانغو الحر” (آي ام دي بي)
لا يحاول الفيلم إعادة تصوير العبودية بدقة وثائقية، بل يعيد تخيل نظام الرق من خلال عدسة خيال الانتقام، مما يسمح للشخصية المضطهدة بالرد بعنف على من يجسدون هذه المؤسسة.
يعد فيلم “جانغو غير المقيد” ذا أهمية بالغة لأنه يظهر كيف يمكن للسينما أن تعيد تفسير العبودية كمواجهة أسطورية لتحول القمع التاريخي إلى معركة رمزية بين الهيمنة والمقاومة.
5- الاعتراف عبر الحرب
يركز فيلم “المجد” 1989 (Glory)، للمخرج إدوارد زويك، على لحظة تاريخية مختلفة، وهي الحرب الأهلية الأمريكية وتشكيل أحد أوائل الأفواج السوداء الرسمية في جيش الاتحاد، وهو فوج المشاة الرابع والخمسون من ماساتشوستس.
ويربط العمل بين العبودية والمراحل الأولى للاعتراف السياسي. يصور جنودا سودا يقاتلون ضد العنصرية داخل جيشهم، ليلخص نضالهم ملحمة تطمح إلى الكرامة والمساواة والاعتراف بإنسانيتهم.
• ملصف فيلم “المجد” (الجزيرة)
يتميز فيلم “المجد” بتقديمه التحرر باعتباره جزءا من صراع طويل، ويكرر مقولة أن الحرية لا تمنح بل تنتزع بالتضحية والمواجهة.
تختلف هذه الأفلام في نبرتها وأسلوبها ومحورها التاريخي، لكنها تشترك في هدف جوهري هو تحويل العبودية إلى تجربة سردية بدلا من كونها مجرد فكرة. تعود السينما إلى العبودية لأنها لا تزال من أبرز مظالم التاريخ الحديث، إذ تشكل التسلسلات الهرمية العرقية والبنى الاقتصادية والذاكرة الثقافية.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم