“من سيرة ذئب عابر” للكاتبة بسمة ناجى، واحدة من الروايات الممتعة الصادرة مؤخرا عن الكتب خان للنشر القاهرة ٢٠٢٦. نرشحها للقارئ الباحث عن المتعة والجمال وتذوق للغة العربية. “دائما ما أغوته الكتابة، كومات متناثرة من الحزن والفرح، حتى ظن أحيانا أن نجوم الأمسيات الصافية لم يكن لها هذا الحضور اللامع في السماء قبل أن يصف نورها في نحو سطرين. وما إن دخل في لعبة حقيقية، حتى بدأت الكلمات تراوغه، وتتركه تحت سقف خرساني، عار وجاف، يهبط ويهبط حتى يُطبق على صدره ويعتصره بالأسئلة، فيتجاهل الأمر ويعود لطريقته الأكاديمية ويملاً الأوراق البيضاء تحليلات وخططا. تجاهل التفكير في حقيقة اليد التي خرجت من أوراق إيفان وقبضت على رأسه وأقحمته في ظلمته الخاصة، لينفخ فيها من روحه ليواجه الورقة البيضاء بأصل الصورة التي صارت عليها نفسه والقالب الذي تشكلت فيه.ربما تبدأ معرفة المرء بذاته في سن الثلاثين، وإن لم يعرفها، قد ينسى الفكرة تماما ويرضى بما يراه منها في الأربعين، لكن أن يقدم على هذا اللقاء المرعب مع ذاته الحقيقية، بفعل كاشف، وهو يدنو من الخمسين، بعدما تصور أنه اعتاد ذاته ويعرفها، وأن أغلب الأشياء قد فقدت معناها، أو ربما لها معنى لكنه متعب لا يمكنه السعي وراءه، فهذا مش من سحر، أو رغبة شيخ في أن يعود إلى صباه. وحدها مي يمكنها إحداث هذا الأثر الأخير، لا الكتابة، لكنها صورة أعجبت نادر وبينما يتجادل هو وحسن أمام القهوجي الشاب من سيدفع ومن دفع آخر مرة، رن هاتفه، وظهرت صورة يارا على الشاشة.”ها عدي على يارا النهارده آخر أيام المعرض، انت مارو حتش.””يعني انت اللي روحت ؟”اكتفى نادر بزيارة خاطفة للمعرض في يوم الافتتاح، ثم تاه بین تلاميذه ومحاضراته وبيت مي، فلم تنتظره يارا في اليوم الختامي. وفي اليوم الأخير، سقط أحد الأسباب المحتملة لغيابه حين ظهرت مي عند باب القاعة ترتدي فستانا أزرق، يُبرز الحمرة في سمرتها الخفيفة تسبقها رائحة عطرها من الياسمين والقرنفل، تفتح ذراعيها العناق يارا، التي لم تعرف حتى تلك اللحظة من أين تأتي مي بهذا التبسط في التعامل معها. لم تتواصلا كثيرًا بعدما عرفهما نادر ببعضهما في زيارتها السابقة رسائل عابرة على فترات متباعدة؛ قلوب حمراء متبادلة للصور المنشورة عبر انستجرام وفيسبوك أو تعليقات بملصقات أو وجوه صفراء نادرا ما تحتوي على كلمة، ملاطفات أرجعتها يارا جميعا إلى نادر تحب مي أباها وتحبها معه تمازحه يارا، حين يردد تأكيداته لسعادة مي بزيارتها أو لقائها، بتصرفها في مقطع لمحمود درويش الذي لا تغيب مجموعته الكاملة عن مكتب نادر؛ “هي لا تحبك أنت .. يعجبها أبوك”.لم تقاوم رغبة استعراضية الحت عليها باصطحاب ضيفتها في جولة، شرحت لها اللوحات وساعدتها في تشغيل الشاشات، مع تأكيد أنها من صممت هذا وفكرت في ذاك باعتزاز طفولي قابلته مي بتطويقات متكررة لكامل جسد يارا وتعليقات بين المرح والإعجاب. توقفت جولتهما عند صور إيفان الفوتوغرافية، وغرابته اللافتة عن محيطه، أغرت مي بالعودة إلى الشاشة، والبحث عن النسخ المعدلة والملونة من الصور كانت تميل بكتفيها ورأسها للأمام ببطء وتلامس الشاشة لتحريك الصور وتكبيرها وتمرر سبابتها على النقوش البارزة للأغصان الممتدة من حافة غمد خنجره نحو المقبض كشجرة مقلوبة.”غریب عکس اتجاه النقوش النباتية العادية، الكتابة دي هندي؟”وضغطت على موضع من الشاشة فعادت الصورة لوضعها الطبيعي.”سنسكريتي، معناها ظل واحد ونوري ألف شمس، وهنامنقوش “كن، فيكون” وفي الطرف اسم إيفان العربي، عبد الهادي.” ثم أضافت يارا وهي تعيد تكبير الصورة وتضبط إضاءة الشاشة؛ “الصورة دي في برشلونة، قبل موته بأيام الخنجر مكانش بيفارقه، وبيظهر في كل وصف له في الكتب وأغلب صوره. لكنه اختفى مکانش موجود جنب جثته مع أوراقه ولبسه مع إنه مش دهب ولا فيه أحجار كريمة ممكن يتسرق عشانها مثلاً.”تابعت يارا انتقال أنظار الحضور القليل نحو مي التي تخرج جمالها للعالم بهدوء، كما تخرج منديلا من حقيبتها أو علبة لبان. مر دفء طازج تحت جلد يارا ، ومن أسفله تسلل ارتباك القلق. لم ينقذها ما وضعت عليه يدها من أسباب ذلك القلق مع معالجتها التي داومت على زيارتها بعدما أتمت عامها الحادي والعشرين، دون علم والديها، في محاولاتها المبكرة للنزول من على الحبل المعلق في الهواء بينها وبينهما فوق خليج وبحرين وثلاث مدن. أخذت تراقب تضييق مي المضحك لعينيها أمام “عبد الهادي” المحفورة بخط عربي سيئ يناقض جمال النقوش.قاطع لحظتها الدافئة تلك وصول حسن ونادر الذي حياها سريعا ثم توجه نحو مي، قابضًا على كتفها البارزة. انفلتت من أسفل ذراعه بانفعال لكنها ظلت ملتصقة به. لم تظهر على وجه أي منهما دهشة لرؤية الآخر، فعرفت يارا أنهما اتفقا على هذا اللقاء. انشغلت عنهما بالحديث مع حسن والتجول معه في المعرض والمزاح الذي يتقنه وتفنيد أصناف الطعام التي تنتظر يارا إن استجابت لدعوة زوجته على الغداء للمرة الثالثة خلال أقل من أسبوعين. بانتهاء الختام الرسمي للمعرض، توجهوا جميعا لمطعم على النيل في العجوزة سألت مي عن عمل يارا وعودتها إلى السويد في ظل التخوفات المنتشرة عبر الإنترنت من انتشار الفيروس المستجد.”مقتطع من رواية، “من سبرة ذئب عابر” الرواية الأولى للكاتبة والمترجمة بسمة ناجى ومن إصدارات الكتب خان للنشر القاهرة.. جمهورية مصر العربية. #القراءة_أسلوب_حياة #الكتب_خان_للنشر #مكتبة_الكتب_خان#مجلة ايليت فوتو ارت..


