بقلم ماسيمو فينيولي Massimo Vignoli
يُعدّ تصوير الحياة البرية بالأبيض والأسود خيارًا جريئًا لتجريد الموضوع من مظهره الظاهري والكشف عن جوهره. في هذه المقالة، سأستكشف كيف يُمكننا التخلص من الألوان من تجاوز مجرد توثيق اللحظة الراهنة، والتوجه بدلًا من ذلك نحو ما أسميه “النموذج الأصلي”.
محتويات المقال
الأبيض والأسود كبحث عن النموذج الأصلي
الإدراك، والشكل، والملمس
بعض الأمثلة
التصوير بالأبيض والأسود (مع تنبيه)
الخاتمة
الأبيض والأسود كبحث عن النموذج الأصلي

لطالما فتنتني التصوير بالأبيض والأسود، وخاصةً تصوير البورتريه. في الماضي، أجريتُ عشرات جلسات التصوير في الاستوديو، حيث استخدمتُ الأبيض والأسود بكثرة. يبدو الأمر وكأنه حياة أخرى، لكنني استمتعتُ بها للغاية، وأتمنى العودة إليها يومًا ما.
من يدري…بالعودة إلى الحاضر، فرغم تاريخي مع تصوير البورتريه بالأبيض والأسود، وتقديري العميق للمصورين البارعين مثل نيك براندت وسيباستياو سالغادو، لم أستخدم الأبيض والأسود قط في تصوير الطبيعة. باستثناء ربما بعض المحاولات الفاشلة لإنقاذ صورة رديئة، والتي كانت نتائجها مخيبة للآمال في الغالب!
لكنني مؤخرًا صادفتُ اقتباسًا لفيديريكو فيرونيسي دفعني للتأمل في هذا الموضوع ومشاركته هنا: “الأبيض والأسود يجعلان الصور خالدة، وهو ما أسعى لتحقيقه”.
عند التفكير مليًا، يتضح المنطق: فاللون بمثابة مرجع للواقع المادي، إذ يوفر بيانات شاملة، ليس فقط عن مظهر الموضوع نفسه، بل أيضًا عن أمور أخرى كدرجة الحرارة، ووقت اليوم، والفصل. ويمكن للأبيض والأسود أن يؤدي هذا الدور أيضًا، لكن مع دلالات أقل لتوفير السياق. وبإزالة اللون، نجبر دماغ المشاهد على تغيير نمط القراءة، مما يدفعه إلى إدراك الأشكال والدرجات اللونية بشكل أقوى.
وبهذا الشكل، يتوقف الموضوع عن كونه حيوانًا فرديًا محددًا في لحظة زمنية معينة، ليصبح نموذجًا أصليًا. فعلى سبيل المثال، لم تعد صورة بالأبيض والأسود لفيل تُظهر ذلك الفيل تحديدًا الذي صادفته يوم الثلاثاء في ظروف معينة، بل تُظهر الآن شيئًا أقرب إلى النموذج الأصلي للفيل، أي المثال الأفلاطوني لهذا المخلوق، لأنها تفتقر إلى السياق الذي توفره الألوان.

الإدراك والشكل والملمس
لكي تنجح صور الحياة البرية بالأبيض والأسود، يجب ألا نعتمد على برامج ما بعد الإنتاج، بل على مبادئ التصميم الجرافيكي بالدرجة الأولى. يزدهر التصوير بالأبيض والأسود بفضل تباين الإضاءة أكثر من تباين الألوان. بالنسبة للأشياء التي يُستخدم فيها اللون لفصلها عن محيطها (على سبيل المثال، اللون البني للشيء مقابل اللون الأخضر للنباتات)، فإن كل شيء معرض للتشويش في تدرجات الرمادي.
في الميدان، يجب أن نتعلم ألا نرى “ما” نصوره، بل كيف يُشكّل الضوء الأحجام والأسطح. وينطبق الأمر نفسه عندما نجلس براحة أمام الشاشة، نختار صورة للمعالجة اللاحقة.
بدون تشتيت اللون، تصبح العين البشرية شديدة الحساسية للملمس والأشكال. تتفاعل الأشياء ذات الجلد المجعد، أو الأنماط المعقدة، أو الفراء البارز – كالعرف – بشكل أفضل لأن بنيتها تصبح هي السرد الأساسي للصورة. وبالمثل، تصبح أي خطوط وأشكال قوية بمثابة هيكل التكوين. كل هذا صحيح في التصوير الملون أيضًا، ولكنه أكثر أهمية في التصوير بالأبيض والأسود.

بعض الأمثلة
دعونا نحلل بعض الصور لنفهم بشكل أفضل متى يكون اللون الأحادي أفضل من اللون الملون، أو العكس، متى يبقى اللون هو الخيار الأمثل.
الأسد: اللون مقابل التباينإذا صورنا أسدًا في ضوء الصباح الذهبي، فإن اللون يُعدّ عنصرًا أساسيًا في قصة الصورة. فاللون الدافئ يُحدد التأثير العاطفي وقوة اللحظة. ولذلك، أفضل الصورة الملونة.


لكن إذا كان الضوء ساطعًا (في أواخر الصباح) والألوان باهتة، فإنّ تحويل الصورة إلى الأبيض والأسود يُنقذها ويُبرز أفضل ما في الضوء. تُؤكّد النسخة أحادية اللون على قوة عضلات الأسد ونظراته الثاقبة، مُحوّلةً الصورة إلى لوحة فنية تُجسّد شخصيته.


الزرافة: أفضل مثال
تُعدّ الزرافات موضوعًا مثاليًا لاختبار القيم اللونية! ففي الصور بالأبيض والأسود، يتحوّل فراء الزرافة إلى عنصر تصميمي. يخلق التباين بين البقع الداكنة والخطوط الفاتحة تجريدًا يعزل الزرافة عن السماء والأرض، ويرفعها إلى رمز هندسي بالغ الأهمية. هنا، أُفضّل الصورة بالأبيض والأسود.


وإليكم نصيحة لصوركم: كونوا جريئين! لا بأس من استخدام أقصى درجات الأبيض والأسود. في الأسفل، ترون الزرافة نفسها بدون أي تعديلات على التباين أو السطوع… لا شيء مميز، أليس كذلك؟

طائر الزقزاق: تدرج الألوان
لا يقتصر استخدام الأبيض والأسود على تصوير الحيوانات الأفريقية الكبيرة فحسب، بل أجد أنه يتألق أيضًا في المواقف البسيطة، كالمشاهد ذات الألوان الباهتة والمساحات الفارغة الواسعة. هنا، يُزيل استخدام الأبيض والأسود تباينات الألوان المختلفة، مما يجعل الصورة أكثر بساطة. وهذا يُبرز عزلة الطائر الصغير، ويجعل الصورة رقيقة وشفافة.


التصوير بالأبيض والأسود (مع تنبيه)
أثناء التصوير الميداني، إذا راودتك الشكوك حول كيفية ظهور المشهد بعد التحويل، يمكنك الاستفادة من تقنية الكاميرا. بضبط نمط الصورة (أو محاكاة الفيلم) على الأبيض والأسود، ستتمكن من رؤية المشهد مباشرةً بتدرجات الرمادي عبر محدد المنظر الإلكتروني أو شاشة LCD الخلفية للكاميرا. طالما أنك تلتقط صورًا بصيغة RAW، ستتمكن دائمًا من تحويلها إلى الألوان عند الرغبة.
تساعد هذه التقنية بشكل كبير في تجاهل التشتت اللوني والتركيز فقط على التكوين والإضاءة. مع ذلك، كن حذرًا عند ضبط التعريض، فقد يكون من السهل الإفراط في التعريض عن طريق الخطأ عند التصوير بالأبيض والأسود. ففي النهاية، لن تتمكن من رؤية التفاصيل المعتادة (المناطق الساطعة الباهتة وغير المشبعة) بسهولة.
الخاتمة
التصوير الفوتوغرافي للحياة البرية بالأبيض والأسود هو فن إبداعي يعتمد على التجريد. فبإزالة اللون، وما يتبعه من فقدان لبعض سياق الصورة، نتيح لصورنا استكشاف معنى أعمق وأكثر شمولية للأشكال والنماذج الأصلية.
يعتمد اختيارك بين الأبيض والأسود أو الألوان على فهمك لما يمنح الصورة قوتها. فإذا كانت الألوان الزاهية، أو السرد القصصي، أو تباين الألوان هي العناصر الأساسية، فإن التصوير الملون هو الخيار الأمثل. أما إذا كان الشكل والبنية هما العنصران الأبرز، فإن الأبيض والأسود قادر على إعادة صياغة القصة بشكل جذري، بل ومنحها إحساسًا بالخلود.
آمل أن أكون قد أثرت فضولك بما يكفي لتشجيعك على تجربة التصوير الفوتوغرافي للحياة البرية بالأبيض والأسود.


