




تصاميم معمارية فنية للمهندسة الراحلة زها حديد أوصلتها للعالمية
حمص – سهيلة إسماعيل :
ثمة مقولة منسوبة للمهندسة العراقية البريطانية زها حديد :” ظلمني الغرب لأنني عربية و ظلمني العرب لأنني امرأة ” وسواء كانت المقولة صحيحة أم لا فإنها تعبر عن معاناة زها حديد والصعوبات التي واجهتها في بلدها وفي الدول الأجنبية.
فقد تغلبت زها على جميع المصاعب التي واجهتها في حياتها فابدعت في مجال تصميم الأبنية المميزة من أبراج سكنية و مطارات وجسور مميزة ومشاريع كثيرة، وضعت فيها لمسة جمال فنية فكانت سبيلها للشهرة والنجاح في مجال الهندسة المعمارية
وقد كانت حديد مهندسة رائدة في مجال العمارة. فأحدثت تغييرًا جذريًا في عالم الهندسة المعمارية. ولدت في مدينة الموصل بالعراق عام 1950، والدها محمد حسين حديد كان أحد قادة الحزب الديمقراطي العراقي، حصلت على الثانوية العامة في بغداد، ثم درست الرياضيات في الجامعة الأمريكية في بيروت وتخرجت عام ١٩٧١.
وسرعان ما أصبحت واحدة من أشهر وأكثر المهندسين المعماريين تأثيرًا في عصرها.
وكانت أول امرأة تفوز بجائزة بريتزكر للهندسة المعمارية، التي تُعتبر بمثابة جائزة نوبل في الهندسة المعمارية عام 2004.
كان أسلوب حديد المعماري فريدًا ومبتكرًا. اشتهرت باستخدامها للمنحنيات الانسيابية والأشكال الجريئة الديناميكية وقد أطلق عليها لقب ” ملكة المنعطفات” . غالبًا ما تميزت تصاميمها بإحساسها بالحركة والانسيابية. تأثر عملها باهتمامها بالهندسة، وكثيرًا ما استخدمت المعادلات الرياضية المعقدة لتوجيه تصاميمها.
يُعدّ مركز حيدر علييف في باكو، أذربيجان، أحد أشهر مباني زها حديد. وقد جعلته منحنياته الانسيابية وأسطحه المتموجة معلماً بارزاً في المدينة. حاز المبنى على جوائز عديدة، من بينها جائزة تصميم العام من متحف التصميم عام 2014. كما حازت على وسام التقدير من المملكة البريطانية. وعدة جوائز أخرى.
لم يكن نجاح حديد كمهندسة معمارية خالياً من التحديات. فقد واجهت تمييزاً وتشكيكاً من بعض العاملين في هذا المجال الذين لم يؤمنوا بقدرة المرأة على أن تكون مهندسة معمارية ناجحة. ومع ذلك، ثابرت وأصبحت رائدة للنساء في هذا المجال.
لا يزال إرث حديد حيًا من خلال أعمالها وتأثيرها على عالم الهندسة المعمارية.
كما ألهمت عددًا لا يُحصى من النساء لخوض غمار مهنة الهندسة المعمارية، وأثبتت أن المرأة قادرة على تحقيق النجاح والابتكار وعلى منافسة الرجل في هذا المجال. وستبقى إسهاماتها في عالم الهندسة المعمارية خالدة في الذاكرة لسنوات طويلة قادمة.
توفيت زها حديد عام ٢٠١٦ في مستشفى ميامي في الولايات المتحدة الأمريكية. بعد أن تركت أعمالا شاهدة على عبقريتها و لمستها الجمالية الفائقة . و كان آخر أعمالها تصميم مشروع مركز التراث العمراني في مدينة الدرعية بالمملكة العربية السعودية.
وهكذا يرحل المبدعون جسدا لكن أرواحهم وفكرهم يبقيان في أعمال تخلدهم لتكون مثالا يحتذى في مجال الريادة والإبداع.
***&*** للمزيد عن زها حديد***&***
معرض الصور:








زها حديد… حين تحوّل الخيال إلى عمارة
امرأة غيّرت صورة العمارة في العالم
المبدعة العراقية: زها حديد.. ليست مجرد مهندسة معمارية ناجحة، بل تُعدّ واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في العمارة العالمية خلال أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. ويمكن النظر إلى تجربتها بوصفها انتقالًا بالعمارة من هندسة المبنى إلى فن تشكيل الفضاء والحركة.
وُلدت زها حديد في بغداد عام 1950، وتوفيت في ميامي في 31 مارس/آذار 2016. درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم انتقلت إلى لندن عام 1972 لدراسة العمارة في Architectural Association، إحدى أهم مدارس العمارة في العالم. وبعد تخرجها عملت مع مكتب OMA الذي ارتبط اسمه بالمعماري الهولندي ريم كولهاس، قبل أن تؤسس مكتبها الخاص في لندن عام 1979.
لكن طريقها إلى العالمية لم يكن سهلًا. ففي بداياتها اشتهرت برسومات ومشروعات مستقبلية جريئة بدت، بالنسبة إلى كثيرين، صعبة التنفيذ أو أقرب إلى الفن التشكيلي منها إلى العمارة القابلة للبناء. ولهذا التصق بها لفترة لقب «المعمارية التي تصمم مباني لا تُبنى».
غير أن زها لم تتراجع أمام هذا الحكم؛ بل جعلت من الرسم والتجريب مختبرًا دائمًا لتطوير لغة معمارية جديدة. ومع مرور الوقت تحولت الأفكار التي بدت مستحيلة إلى مبانٍ حقيقية غيّرت صورة المدن التي احتضنتها.
من الرسم إلى العمارة:
من أهم مفاتيح فهم تجربة زها حديد أن الرسم عندها لم يكن مجرد وسيلة لعرض المشروع، بل كان وسيلة للتفكير المعماري نفسه.
تأثرت في بداياتها بالفن الطليعي الروسي، ولا سيما التفوقية Suprematism، وظهر ذلك في لوحاتها ورسوماتها الهندسية التي كانت تفكك المبنى إلى كتل وخطوط واتجاهات متحركة.
كانت اللوحة عند زها أشبه بمسرح تتقاطع فيه:
الخطوط.
المستويات.
الكتل.
الفراغات.
الضوء والظل.
الحركة.
المنظور.
العلاقات بين الإنسان والمدينة.
ومن هنا نشأت فلسفتها التي ستصبح لاحقًا علامتها المميزة: المبنى ليس جسمًا ثابتًا، وإنما حركة متجمدة في الفراغ.
العمارة بوصفها فنًا بصريًا
ما ميّز زها حديد عن كثير من المعماريين هو أنها لم تتعامل مع العمارة باعتبارها مجرد وظيفة هندسية.
كان المبنى عندها يمكن أن يكون:
منحوتة ضخمة، ولوحة تجريدية، ومشهدًا سينمائيًا، ومسارًا للحركة في الوقت نفسه.
ولهذا تبدو مبانيها وكأنها خارجة من عالم الخيال العلمي.
فالخط المستقيم التقليدي يتراجع أمام:
المنحنى، والانسياب، والتواء الكتلة، والتداخل، والامتداد، والانقطاع، والتدفق.
وتصف مؤسسة زها حديد هذا الاتجاه بأنه بحث عن لغة عضوية للعمارة تستطيع من خلال أدوات التصميم الجديدة دمج الأشكال المعقدة في كل متصل وانسيابي.
وهنا تكمن عبقرية تجربتها: لم تكن تحاول تزيين المبنى، بل كانت تحاول إعادة اختراع شكل المبنى نفسه.
جائزة بريتزكر… لحظة الاعتراف العالمي:
في عام 2004 حصلت زها حديد على جائزة بريتزكر للعمارة، وهي من أرفع الجوائز العالمية في هذا المجال، وأصبحت أول امرأة تحصل على الجائزة منذ تأسيسها.
وكان هذا التكريم نقطة تحول تاريخية، ليس في مسيرتها الشخصية فحسب، وإنما في تاريخ العمارة النسائية والعالمية.
وقد أشادت لجنة الجائزة بقدرتها على تجاوز القوالب التقليدية للعمارة، وبإبداعها في التعامل مع الجدران والأسطح والأسقف والفراغات بطريقة شفافة ومتداخلة وانسيابية.
والأهم أن الجائزة جاءت في وقت بدأت فيه مشروعاتها التي كانت تبدو ذات يوم خيالية تتحول إلى أبنية حقيقية.
أبرز أعمال زها حديد:
- محطة إطفاء فيترا – ألمانيا:
يُعد Vitra Fire Station في مدينة فايل أم راين بألمانيا، الذي اكتمل عام 1993، من أهم الأعمال المبكرة التي أثبتت قدرة زها على تحويل لغتها التجريدية إلى عمارة مبنية.
المبنى يبدو وكأنه مجموعة من الصفائح الخرسانية الحادة التي توقفت فجأة في لحظة من الحركة.
هنا لا يشعر المتلقي بأنه أمام «صندوق معماري»، بل أمام تكوين نحتـي ديناميكي. - مركز روزنتال للفن المعاصر – سينسيناتي:
كان مركز ريتشارد وروزنتال للفن المعاصر في سينسيناتي من الأعمال التي ساهمت في تثبيت اسم زها على الخريطة العالمية.
وفيه تظهر فكرتها عن العمارة باعتبارها سلسلة من الكتل والمسارات المتداخلة، بحيث يصبح الزائر جزءًا من التجربة وليس مجرد شخص يقف أمام المبنى. - متحف MAXXI – روما:
يُعد MAXXI – المتحف الوطني للفنون والعمارة المعاصرة في روما من أشهر أعمالها.
فازت زها بمسابقة المشروع عام 1998 من بين 273 مرشحًا من أنحاء العالم.
واللافت أن المتحف لا يعتمد على محور تقليدي واضح، وإنما على مجموعة من المسارات والخطوط التي تتقاطع وتتدفق داخل المبنى.
وكأن الزائر لا يدخل متحفًا فحسب، بل يدخل لوحة تجريدية يمكن السير داخلها. - مركز لندن للألعاب المائية:
من أكثر أعمال زها شهرة لدى الجمهور العالمي London Aquatics Centre الذي صُمم لدورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012.
استلهمت زها شكل السقف من حركة الماء والموجة؛ إذ ينحني السقف وينساب فوق المسابح كما لو كان موجة ضخمة متجمدة في لحظة حركة.
وهذا مثال ممتاز على طريقتها في تحويل الوظيفة إلى صورة فنية.
فالمبنى مخصص للسباحة، ولذلك لم يكن الماء مجرد نشاط يحدث داخله؛ بل أصبح مصدرًا لتكوين المبنى نفسه. - مركز حيدر علييف – باكو:
ربما كان مركز حيدر علييف في باكو من أكثر أعمالها شهرة بصريًا.
يبدو المبنى وكأنه كتلة بيضاء هائلة انسكبت على الأرض ثم ارتفعت في موجات وانحناءات ناعمة.
وهنا تختفي تقريبًا الحدود التقليدية بين:
الأرض والجدار والسقف.
فالسطح يتحول من أرض إلى جدار، ومن جدار إلى سقف، ومن سقف إلى موجة معمارية.
إنه نموذج واضح لما يمكن تسميته العمارة السائلة؛ أي العمارة التي تبدو وكأنها تتحرك بدل أن تكون ثابتة. - مركز العلوم Phaeno – ألمانيا:
في Phaeno Science Center في فولفسبورغ، استمرت زها في تفكيك العلاقة التقليدية بين الأرض والمبنى.
الكتلة تبدو وكأنها معلقة فوق مجموعة من الدعامات والأشكال الهندسية، الأمر الذي يمنح المبنى إحساسًا بالحركة وعدم الاستقرار.
وهنا تتحول الهندسة إلى لغة بصرية. - مركز دونديمون للتصميم – سيؤول:
في كوريا الجنوبية قدمت زها أحد أكثر مبانيها إثارة للدهشة: Dongdaemun Design Plaza – DDP في سيؤول.
المبنى يبدو وكأنه جسم مستقبلي ضخم، بلا زوايا تقليدية تقريبًا، يمتد بانسيابية داخل المدينة.
ويجسد بصورة واضحة انتقال زها من العمارة ذات الأشكال الهندسية الحادة في بداياتها إلى عمارة أكثر سيولة وانحناءً في مراحلها اللاحقة.
لماذا أصبحت زها حديد عالمية؟
يمكن تلخيص سر عالميتها في عدة عناصر: - كسرت القالب التقليدي:
لم تكن تريد أن يكون المبنى مجرد مستطيل أو مكعب أو برج تقليدي.
كانت تسأل:
لماذا يجب أن يكون المبنى على هذا الشكل أصلًا؟
ومن هذا السؤال بدأت مغامرتها. - حولت العمارة إلى صورة:
زها كانت تدرك قوة الصورة.
ولهذا كانت مشاريعها تبدو مدهشة في الرسومات والمناظير قبل أن تُبنى.
وهنا لعبت خبرتها في الرسم والتكوين دورًا حاسمًا. - استفادت من التكنولوجيا الرقمية:
الأشكال المعقدة التي تبدو في بعض مشاريعها مستحيلة التنفيذ أصبحت أكثر قابلية للبناء مع تطور برامج التصميم والحسابات الرقمية.
ويظهر ذلك بوضوح في مركز لندن للألعاب المائية، حيث ساعد التصميم بالحاسوب في تحقيق الشكل المنحني المعقد للمبنى. - جمعت الفن والهندسة:
زها لم تكن رسامة تعمل في العمارة، ولا مهندسة تحاول تجميل المباني.
كانت تعمل في المنطقة الواقعة بين:
الفن + الرياضيات + الهندسة + التصميم + المدينة.
وهذا ما أعطى أعمالها شخصيتها الفريدة.
زها حديد والتصوير الفوتوغرافي
وهنا تكمن نقطة مهمة جدًا بالنسبة إلى فن التصوير المعماري.
مباني زها حديد تكاد تكون مصممة لكي تُصوَّر.
فالمنحنيات والظلال والخطوط المتقاطعة والفراغات الواسعة والواجهات البيضاء تمنح المصور إمكانات هائلة لصناعة الصورة.
يمكن تصوير مبانيها من:
مستوى الأرض لإظهار ضخامة الكتلة.
الزاوية الواسعة لإظهار الانحناءات.
منظور علوي لإبراز التكوين الهندسي.
التصوير التجريدي لعزل التفاصيل.
التصوير الليلي لإظهار الضوء داخل المبنى.
الأبيض والأسود لإبراز الخطوط والظلال.
اللقطات البشرية لإظهار مقياس المبنى.
وبذلك يصبح المصور أمام سؤال شبيه بالسؤال الذي طرحته زها نفسها:
هل نصور المبنى كما هو، أم نعيد اكتشافه من خلال الصورة؟
زها حديد… من العمارة إلى التصميم
لم تقتصر تجربتها على المباني.
امتد عملها إلى:
الأثاث، والتصميم الداخلي، وتصميم المعارض، والمناظر المسرحية، والأزياء، والمنتجات، والتخطيط الحضري.
وهذا يعكس رؤيتها الشاملة التي لا تفصل بين العمارة وبقية الفنون والتصميم. وقد أشارت جائزة بريتزكر إلى اتساع أعمالها ليشمل المعارض، والمسرح، والأثاث، والرسم والتصميم.
الجوائز والتكريمات:
لم تكن شهرتها إعلامية فقط، وإنما رافقها اعتراف مؤسساتي كبير.
ومن أبرز محطات التكريم:
جائزة بريتزكر للعمارة – 2004، وكانت أول امرأة تحصل عليها.
جائزة RIBA Stirling Prize عامي 2010 و2011.
حصولها عام 2012 على لقب Dame Commander of the Order of the British Empire.
جائزة Praemium Imperiale في العمارة، ضمن مسيرة التكريمات الدولية التي رسخت مكانتها.
الإرث الذي تركته زها حديد:
رحلت زها حديد عام 2016، لكن رحيلها لم ينهِ مشروعها.
فمكتب Zaha Hadid Architects استمر في العمل وتطوير الإرث الذي أسسته، وتحول من استوديو صغير إلى ممارسة معمارية عالمية متعددة التخصصات.
والأهم من المباني التي تركتها هو الأثر الفكري:
لقد منحت أجيالًا جديدة من المعماريين والمصممين الإذن بأن يحلموا بأشكال لم تكن مألوفة.
ولهذا يمكن القول إن أهم إنجاز لزها حديد لم يكن مبنى بعينه، بل أنها وسّعت حدود ما يمكن أن نتخيله مبنىً.
الخلاصة
زها حديد كانت عراقية المولد، بريطانية المسيرة المهنية، وعالمية التأثير. لكنها قبل كل شيء كانت فنانة في قلب العمارة.
بدأت من الورقة واللون والخط والمنظور، ثم انتقلت إلى الخرسانة والفولاذ والزجاج والتكنولوجيا الرقمية، لتحول الرسم التجريدي إلى فضاءات يمكن للإنسان أن يدخلها ويمشي فيها ويعيش تجربتها.
لقد جعلت من العمارة شيئًا يشبه الموسيقى المجمدة في المكان: خطوط تتحرك، وكتل تنساب، وضوء يتغير، وفراغات تتداخل.
ولهذا لم تعد زها حديد مجرد اسم في تاريخ العمارة الحديثة؛ بل أصبحت مدرسة بصرية وفكرية كاملة، وأحد أبرز الذين جعلوا العمارة المعاصرة أقرب إلى الفن التشكيلي والنحت والتصوير السينمائي.
ومن أجمل ما يمكن أن يُقال عنها:
زها حديد لم تبنِ مباني تشبه المستقبل؛ بل جعلت المستقبل يبدو وكأنه كان موجودًا أمام أعيننا منذ البداية.
وهذه الرؤية هي التي جعلت تصاميمها المعمارية تتجاوز حدود الهندسة لتدخل عالم الفن العالمي.


