ترجمة الفنان: داود كوركيس، عن الروسية. قراءة في قصيدة “إمتنان” للشاعر الروسي: ميخائيل ليرمنتوف.

قراءة في قصيدة “امتنان” للشاعر الروسي ميخائيل ليرمنتوف
ترجمة الفنان داود كوركيس عن الروسية
تضعنا هذه القصيدة القصيرة أمام مفارقة إنسانية عميقة؛ فالشاعر لا يقدّم الشكر على النعم والمباهج كما جرت العادة، بل يعلن امتنانه للألم والخسارة والخديعة والانكسار. إنه امتنان يتجاوز المعنى التقليدي للشكر ليصبح تأملاً فلسفياً في التجربة الإنسانية بكل ما فيها من تناقضات.
يبدأ ليرمنتوف بتكرار كلمة “ممتن”، وكأنها لازمة روحية يريد تثبيتها في الوعي، لكنه سرعان ما يفاجئنا بأسباب هذا الامتنان: لواعج النفوس الخفية، غصة الدموع، سم القبل، كيد الأعداء، ووقيعة الأصدقاء. وهنا تتجلى رؤية الشاعر الذي يرى أن الألم ليس نقيض الحكمة، بل أحد منابعها الأساسية.
وتبدو عبارة “وقيعة الأصدقاء” أكثر إيلاماً من “كيد الأعداء”، لأن الأذى القادم من القريب يترك جرحاً أعمق من ذلك الذي يأتي من الخصم المعلن. وكأن الشاعر يريد القول إن الإنسان يتعلم من خيبات الأصدقاء أكثر مما يتعلم من عداوات الآخرين.
أما صورة “لهيب الروح الضائعة في الصحراء” فتمنح النص بعداً وجودياً. الصحراء هنا ليست مكاناً جغرافياً، بل حالة من التيه الروحي والبحث عن المعنى. وفي هذا التيه تتشكل شخصية الإنسان وتُختبر قدرته على الصمود.
ويصل النص إلى ذروته حين يقول:
“على كل وهم زُرع في دربي”
فالأوهام التي يلعنها الناس عادةً تصبح في نظر الشاعر جزءاً من رحلة النضج؛ إذ لولاها لما عرف الإنسان الحقيقة، ولولا الانكسار لما أدرك حدود أحلامه.
أما الخاتمة فهي الأكثر عمقاً وإدهاشاً:
“أكفني مؤنة الشكر،
ولا حاجة لتذكيري بجميلك.”
هنا يتحول الامتنان إلى حالة داخلية صامتة لا تحتاج إلى إعلان أو تذكير. فالشاعر وقد خبر قسوة الحياة وجمالها معاً، بات يدرك أن كل ما مرّ به، من ألم وفرح، قد أسهم في تشكيل روحه وصنع وعيه.
إن قصيدة “امتنان” ليست نشيداً للحزن، بل اعترافاً ناضجاً بأن الزمن، بما يحمله من جراح وخيبات وأحلام مكسورة، هو المعلم الأكبر للإنسان. وهي دعوة إلى النظر للتجارب المؤلمة بوصفها جزءاً من بناء الذات، لا مجرد محطات عابرة من المعاناة. ولذلك تبقى هذه القصيدة واحدة من النصوص التي تختزل حكمة عمر كامل في كلمات قليلة، وتؤكد أن الامتنان الحقيقي لا يكون لما أسعدنا فقط، بل لما علّمنا أيضاً.
شكرا صديقي ايام الدراسة داوود كوركيس على هذه الترجمة..

أخر المقالات

منكم وإليكم