من الملاحظ أن بعض مسرحيات يوجين يونسكو تعتمد على هذا التحول الذي نراه في الحلم الذي يبدأ هادئا، ثم يتحول إلى كابوس غريب، ولا يخضع لأي منطق، ويثير الفزع والرعب، كما نرى ذلك في مسرحية الخرتيت التي تبدأ الأحداث فيها هادئة، مع غرابة بعض ما فيها، ولكن يمكن قبوله، ثم نكتشف تحول كثير من الأشخاص فيها لخراتيت؛ بما يثير الفزع والذعر عند بعض الأشخاص في المسرحية من تحقق هذا التحول لهم كبيرنجيه بطل هذه المسرحية.
والأمر كذلك في مسرحية الدرس ليونسكو، فنرى الأحداث تبدأ فيها هادئة حالمة كالأحلام، فالمعلم يدرس لفتاة في الثامنة عشرة من عمرها في بيته، ويرحب بها في البداية، ويثني عليها لإجابتها على بعض الأسئلة السهلة، بل الساذجة، كإجابتها عن عاصمة فرنسا، وإجابتها عن حاصل جمع واحد وواحد.وبعد هذه البداية الهادئة التي تشبه الحلم يدخل بنا المؤلف في أجواء الكابوس، فيتحول المدرس لشخص عصبي، ويقسو على الفتاة في شرحه، ولا يعبأ بآلام أسنانها التي تشكو منها، بل إنه تزداد عصبيته قي تعامله معها، ويسبها، فتشر أن الألم استشرى في كل جسمها، فتنفحر فيها عصبيته، وينتهي الأمر بأن يقتلها، وينتابه بعد ذلك شيء من الشعور بالندم، ثم ما نلبث أن نراه يستعد للتدريس لطالبة جديدة، أو لضحية جديدة بمعنى أصح.وربما قصد يونسكو بهذا الشكل من البناء لهذه المسرحية – ولمسرحيات أخرى له – أن الحياة تجربة مريرة، وهي تشبه الكابوس، فكثيرا ما تتغير الأوضاع الهادئة، وتتحول لمواقف عصيبة، كما يحدث في الكابوس، وهذا المعنى يتفق مع ما يردده يونسكو – وغيره من كتاب مسرح العبث – في عبثية الحياة، وعدم وجود معنى لها. كما أننا نرى في هذه المسرحية أن المعلم فيها يقدم للطالبة معلومات مغلوطة – لا سيما عند حديثه عن اللغات – وهو خلال ذكره لمعلوماته المغلوطة عن اللغات يرى أنها كلها متشابهة، وربما قصد يونسكو بهذا التشابه بين اللغات أنها كلها صارت عاجزة عن تحقيق تواصل حقيقي بين البشر.وقد حاول بعض النقاد أن يجدوا لهذه المسرحية رموزا رمى إليها بونسكو، كرفضه للتعليم عن طريق التلقين، وإظهار استيائه من التسلط الذي يقوم به أي صاحب سلطة، ولكنني أعتقد أن يونسكو لم يعن شيئا من ذلك في هذه المسرحية، بل قصد ما ذكرته من قبل من أن الحياة تشبه الحلم الذي يتحول لكابوس لا منطقية له، وما أخطر نتائجه، وعلينا أن نحتملها على هذا الوضع، ولا شك أن هذا الموقف من يونسكو للحياة قد استخلصه بعدما رآه من الآثار المدمرة والبشعة للحرب العالمية الثانية.


