تحليل وتلخيص مسرحية أغنية البجعة

مسرحية أغنية البجعة لأنطون تشيكوف

بقلم د.علي خليفه

كتب أنطون تشيكوف هذه المسرحية القصيرة سنة 1887، وذكر أنه كتَبها في نحو ساعة، وتنبأ لها بأنها ستحظى بترحيب من النقاد والمشاهدين، وقد حدث بالفعل ما توقعه تشيكوف بخصوص هذه المسرحية، فقد احتفى بها النقاد في كثير من بلاد العالم التي ترجمت للغاتها، ومثلت في مسارحها.

وعنوانُ هذه المسرحية مأخوذٌ من أسطورة يونانية قديمة، ومحتواها أن البجعةَ تغني أفضل غناء لها قبل موتها.

ويمكن أن يُفهم من هذا العنوان لهذه المسرحية أن بطلها الممثل العجوز فاسيلي فاسيلتش الذي يبلغ من العمر ثماني وستين سنة – قد توهج خلال اندماجه في تمثيل بعض الأدوار التي مثلها خلال تاريخه الحافل في المسرح، وآن له بعد هذا الأداء الرائع أن يغادرَ المسرح والحياة، ولكنني أرى أن هذه المسرحية قد توحي بعكس ذلك تمامًا، فهي قد توحي بأن الممثل الموهوب لا يمكن أن يصبح كهذه البجعة التي تصدر أفضل غنائها قبل أن تموت، فهذا الممثل الموهوب يحطم هذه الأسطورة بموهبته الفذة التي تخترق الزمن، وتقهر الشيخوخة.

وأنا أميل لهذا الرأي الأخير، وسيتضح ذلك من خلال تلخيصي لهذه المسرحية، وتحليلي لها.

وتدور أحداث هذه المسرحية في مسرح ريفي فقير في روسيا خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ويخرج للمسرح فاسيلي الممثل العجوز في ملابس الكاهن كالخاس – وهي شخصية إغريقية، وكان فاسيلي يقوم بتمثيلها في إحدى المسرحيات – من غرفة الملابس، وينتبه إلى أن الوقت قد صار ليلاً، وأن الجمهور قد غادر المسرح، وكذلك غادره رفاقه الممثلون، ويدرك أن الخمر التي شربها خلال احتفال زملائه به تكريمًا لمسيرته المسرحية – قد جعلته ينام نومًا طويلاً في غرفة الملابس بالمسرح، حتى ذهب الجميع من المسرح.

ويدخل على فاسيلي المسرح نيكيوتشكا الملقن به، ويعرف فاسيلي منه أنه لم يغادر المسرح كغيره من العاملين به والممثلين؛ لأنه لا يوجد له بيت ينام فيه، وهو اعتاد أن يغافل المسئول عن هذا المسرح، ويبيت فيه كل ليلة.

ويستغل فاسيلي وجود نيكيوتشكا أمامه، ويحدثه عن تاريخ حياته في المسرح، وغالبًا كان الاحتفال الذي أقامه زملاؤه له في المسرح للاحتفاء به السبب المباشر لرغبته في أن يستعيد سيرته في المسرحِ، واستغل وجود ذلك الملقن فصار يحدثه، ولكنه في الحقيقة يحدث نفسه، وهو يبدو أحيانًا كالمتشكك فيما قام به في مجال التمثيل، فهو – من خلال حديثه – لم يكسب شيئًا سوى أنه أحرق أنفاس حياته في قدس أقداس المسرح، ويقول: إنه من أصول نبيلة، وعمل في الجيش، وكان وسيمًا في شبابه، وقد بدأ رحلته مع التمثيل منذ خمس وأربعين سنة، وأُعجبت فتاة باهرة الجمال بتمثيله لدور معين، وأحبها، وصارحها بحبه لها ورغبته في الزواج منها، فكاشفته هي أيضًا بأنها تحبه، ولكنها لا يمكنها أن تتزوج من ممثل، فقد كان في عرف المجتمع الروسي آنذاك أن الممثلين يمثلون طبقة دنيا فيه، والبعض كان يراهم كالمهرجين.

ويصدم فاسيلي بموقف هذه الفتاة منه، ولم ينتصر حبه لها على عشقه للمسرح، فعاش بعد ذلك في جنبات المسرح، ومثل أدوارًا عديدة، وأكثرها أدوار تراجيدية لمسرحيات عالمية وروسية.

وهو يرى أن ذلك الجمهور الذي يبدي إعجابه به وهو على خشبة المسرح، ويشتري صوره – هو في الوقت نفسه ينظر إليه نظرة متدنية في مجال العلاقات الإنسانية؛ وكذلك هو يراه سريع النسيان له – ولأمثاله – بعد أن يشيخ، ويصبح عاجزًا عن الوقوف في المسرح.

ويصف فاسيلي نفسه كثيرًا في هذا الموقف بالمهرج، وينتابه شعور أن الثماني والستين سنة التي يحملها قد حطّمته، وأنه لم يعد يصلح لشيء.

ولكنه في وثبة منه فوق ذلك الواقع الذي يهاجمه إذا به يندمج في تمثيل مشاهد قصيرة من مسرحيات عالمية مَثَّلَ فيها أدوار البطولة من قبل، مثل مسرحية “هاملت”، ومسرحية “الملك لير”، ومسرحية “عطيل”، ويعجب الملقن نيكيوتشكا بأدائه الرائع الذي يمثل به أمامه في ذلك الموقف.

وتنتهي المسرحية، وفاسيلي مندمج في تمثيل بعض الأدوار التي مثلها خلال تاريخ حياته.

وهذه النهاية للمسرحية تؤكد ما وصلت إليه، وذكرته من أن المسرحية تشير إلى أن فاسيلي لم ينهزم، ولم تكسره السنون، على خلاف ما يوحي كلامه، فهو بأدائِه المبدع الذي لا زال قادرًا عليه في التمثيل قد حطم هذه الأسطورة الإغريقية في أن البجعة تغني أفضل غنائها قبيل موتها، فهو لا زال يمثل ويبدع، وسيظل هكذا، حتى يدركه الموت، وأن المسرح يستحق منه كل هذه التضحيات التي قام بها من أجله.

المصدر: صفحة المسرح العالمي

أخر المقالات

منكم وإليكم