تاريخ السينما يبنى على وجوه الممثلين المشهورين.

يؤمن إيشتفان سابو بأن المُشاهد يرتاد السينما ليطّلع على الوجوه. وجوه ممثّلين وممثّلات يرتسم على ملامحهم الضحك والبكاء وغيرهما من التفاصيل. يذكر وجوها تركت فيه أثرًا: كاترين دونوف، مونيكا فيتّي، ميريل ستريب… يصر أن تاريخ السينما مبني على هذه الوجوه، وما يدهشه أن كلّ حقبة لها وجوهها الخاصة: وجوه تجسّد عظمتها وانحطاطها. هذه وجوه يتماهى معها المُشاهد أو أقلّه يرغب في ذلك.

ثم بنبرة أكثر جدية، وبأفكار مبعثرة يصعب أحيانًا إيجاد رابط بينها، يتساءل: لماذا، في منتصف الثلاثينات، انجذب العالم إلى سيدة سويدية اسمها غريتا غاربو؟ «كان هذا في زمن صعود هتلر. وهذه كانت أيضًا حقبة ستالين وفرانكو، عصر الديكتاتوريات. راح الناس يختبئون خلف البدلات التي ارتدوها. ومع ذلك، كانت في هوليوود سيدة، تشعّ كرامة لا تتزعزع، امرأة وفية لنفسها، لا تُفسدها الرغبات، دائمًا صادقة في نزاهتها. كانت تذكّرنا بأن هناك بشرًا لا يُمكن المساومة عليهم، ويجب أن ننظر إليهم باحترام. ثم بدأنا نرقص فوق البركان. بعد الحرب، تغيّر العالم. فهم الناس أن قطعة حديد واحدة يمكن أن تنهي حياتهم في أي لحظة. فكان لا بد أن يعيشوا الحياة بكلّ ما فيها: أن يحبّوا، أن يتلذّذوا بكلّ وجبة طعام، أن يشعروا بقوة أجسادهم، أن يلمسوا بعضهم البعض، أن يحتفلوا بالوجود. كان من الضروري تذوّق اللحظة، كما لو كانت يتيمة، كما لو كانت آخر لحظة على الأرض. ثم عادت التوتّرات: كوريا، فيتنام… وفي الوقت نفسه، بدأت النساء يطالبن بحقوقهن. رفعن راية الحرية والسلام، وبمرور الوقت اخترقن ميدان السياسة ووصلن إلى أعلى المناصب. ويمكن تتبّع مسار تاريخي مماثل بالنسبة الى الرجال. خذوا طريق روبرت تايلور، وهو يتسلّق إلى القمم، وصولًا إلى جيمس دين. بعض الوجوه السينمائية أصبحت أيقونية، مثل وجه أنتوني بركينز في مرحلة كان دخل فيها المثقّفون السياسة. وبجانب الشخصيات العامة مثل مارتن لوثر كينغ أو روبرت كينيدي، ظهر رجال عاديون لكنهم عازمون، من أساتذة وعلماء رياضيات يكافحون بطاقة مُلاكم. أطلّ علينا ممثّلون يحملون أسماء مثل داستن هوفمان وآل باتشينو».

في عالم متغير باستمرار، قدّمت السينما في نظر سابو وجوهًا تتبدّل بتبدّل الزمن: وجوه لطيفة، حنونة، تفيض بحرارة الإنسان. ثم جاءت من الجهة الأخرى وجوه باردة، صلبة، كأنها وُلدت من الرخام. فإلى جوار ملامح جيرار فيليب الطيبة، المشبّعة بالرهافة والرومانسية، اندفع إلى الشاشة وجهٌ صلد كالحجر: بلموندو مع ما يحمله من نظرة تمرد وجسد يتحدّى النظام القائم. وبعده تقدّم وجه دولون ببروده الأنيق. ثم بيكولي، ذلك الوجه الذي يحمل في صمته لؤم العالم كلّه.

«ما أريد قوله ببساطة»، أوضح سابو، «أن التحوّلات التي نعيشها معا لا تغيّر حياتنا فحسب، إنما تغيّر أيضًا الوجوه التي نحتاج أن نراها على الشاشة. الوجوه التي نتعلّق بها، أو نتمرد من خلالها، أو نتماهى معها، بحثًا عن معنى لحياتنا. ثم يجب أن نفهم شيئاً أساسياً: ليس المنتجون هم مَن يختارون الممثّلين والممثّلات، ولا حتى المخرجون. دائمًا ما يكون الجمهور هو مَن يقرر، من خلال نظره ومشاعره، أي وجه سيلمسه، وذلك اعتقاداً منه بأن هذا الوجه يعبّر عنه في الحقبة التي يعيشها. يمكن لوجه أن يظهر فجأةً، يسرق الانتباه، ويظلّ محفورًا في الخيال الجمعي. كلّ وجه يمثّل حقبة معينة. والمخرجون الذين لديهم بعض الرؤية يختارون ممثّليهم بناءً على هذه الحقيقة. أما الآخرون، الأقل وعيًا وذكاءً، فيختارون صديقاتهم. هذا كلّه تعلّمته من خلال العمل مع الممثّلين».

#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم