حدائق الضوء السرّي
تأملات في تجربة الدكتور عصام العسيري
أميرة ناجي / فنانة تشكيلية
الألوان هي المفاتيح والعين هي المطرقة والروح هي البيانو ذو الأنغام المتعددة
فاسيلي كاندينسكي. يذهب كاندينسكي إلى أن اللون ليس عنصراً بصرياً فقط بل طاقة تؤثّر في الروح مباشرة فاللون يفتح أبواب الإدراك وكأن لكل لون مفتاحاً خاصاً يدخل به إلى أعماق النفس والعين هي التي تضرب هذه المفاتيح لتصدر أنغامها أما الروح فهي المسرح الذي تتردد فيه تلك النغمات هذه الفكرة تنطبق بعمق على تجربة الدكتور عصام العسيري إذ تتحول ألوانه إلى موسيقى صامتة تصغي لها البصيرة قبل البصر
كل خط هو نقطة خرجت في نزهة
بول كلي
أراد بول كلي أن يقول إن الخط ليس أثراً هندسياً بل حركة لها روحها واستكشافها الخاص والخط عنده كائن يمشي في فضاء اللوحة ليكتشف العالم ويتعرّف إلى ذاته وهذا ما يفعله الخط في أعمال العسيري إذ يتحرك بخفة وذكاء ويتجول فوق المساحات كأنه يكتب سيرة داخلية للوحة دون كلمات.
يظهر الدكتور عصام العسيري في المشهد التشكيلي العربي أحد أولئك الذين استطاعوا أن يمزجوا المعرفة الأكاديمية العميقة بروح البحث الفني الحر فهو فنان درس الزخرفة الإسلامية والخط والرسم وامتلك من هذه العلوم رؤية واسعة جعلته يبني لغة تشكيلية لا تشبه إلا تجربته الخاصة إن أول ما يواجه المتلقي أمام أعماله هو هذا التماهي الرقيق بين الهندسة والروح فاللوحة عنده سطح لوني وفضاء معمور بالضوء والأثر والخطوط والعلاقات الدقيقة إنها أقرب إلى مدينة روحية تتولد من صمت اللون وصبر الهندسة.
خطوطه تبدو كما لو أنها أعمدة غير مرئية تشيد بناءً داخلياً متماسكاً فكل خط لديه يؤدي وظيفة وكل حركة لها سبب وكل انحناءة تعرف مكانها وهذا يجعل اللوحة أقرب إلى بناء هندسي منسجم لكنه ليس بناءً مادياً بل بناء يتنفس ويتحرك ويكشف طبقاته كلما أطال المتلقي النظر إليه أما الأشكال فهي رموز تتحاور فيما بينها المثلثات تتجه نحو الأعلى كأنها إشارات روحية الدوائر تصبح مدارات توقظ الذاكرة والخطوط المستقيمة والمنكسرة تتحول إلى طرق خفية تقود العين نحو قلب اللوحة.
في خلفية كل هذا الحضور الهندسي يقف تراث الزخرفة الإسلامية التي عرفها الفنان دراسة وتذوقاً وعملاً فالزخرفة في جوهرها فلسفة كاملة عن الانسجام والتكرار والاتساع حتى اللانهاية وهذا الإرث نجده ممتداً في أعماله لكنه لا يظهر بنقوش مكررة بل بروح تنتقل إلى اللوحة كما ينتقل النسغ في جذع الشجرة فتغذيه دون أن تتجسد بصورتها التقليدية.
ولأن الفنان بارع في الخط فإن روح الحرف العربي تظهر في لوحاته رغم غياب الكتابة المباشرة فهناك انحناءات تذكّر بانسياب الحروف وهناك نقاط خفية تشبه نبض الحرف وهناك توازنات لونية تقترب من ميزان الخط فالحرف هنا تحوّل إلى فكرة وإلى حركة وإلى نفس داخلي يعلّم اللوحة كيف تتنفس.
أما اللون فيأخذ مكانه الشخصية الأكثر حضوراً في أعماله شريكاً في التكوين الأصفر يصبح شمساً داخلية الأزرق يتحول إلى نهر ساكن الأحمر نبض الحب والحياة الأخضر يشبه ظلال التراث هذه الألوان لا تقف إلى جوار بعضها صدفة بل تنخرط في علاقة دقيقة أشبه بموسيقى خفية تترجم ما سماه كاندينسكي بالأثر الروحي للون وبذلك يصبح اللون في تجربة العسيري لغة أولى والهندسة لغة ثانية والناتج حوار بصري شديد الهدوء شديد العمق.
وتتداخل في هذه التجربة عدة مدارس فنية تعطي العمل ثراءه الخاص فهناك التجريد الهندسي وتظهر ملامحه في التكوين الصارم وهناك الرمزية التي تجعل لكل شكل وظيفة دلالية وهناك البنائية التي تهتم بتوزيع العناصر داخل العمل وفق منطق محكم إضافة إلى حضور روحي قريب من التجربة التعبيرية اللونية ومع ذلك لا يمكن إدراج الفنان في مدرسة واحدة لأنه صنع لنفسه هوية خاصة تقف على تخوم المدارس دون أن تنتمي تماماً لأي منها.
إن ما يثير الإعجاب في هذه التجربة أنها لم تكتفِ بالتراث ولم تركض خلف الحداثة الغربية بل بنت جسراً متزناً بينهما فالفنان لا يستنسخ الماضي بل يعيد اكتشافه ولا يقلّد الحاضر بل يشتبك معه من داخل رؤيته ويحوّله إلى جزء من لغته الخاصة لذلك فإن أعماله تبدو ملائمة لأي زمان ومكان ويمكن عرضها في متحف عالمي أو في فضاء عربي وستبدو دائماً قادرة على تمثيل ذاتها دون الحاجة لأي تفسير خارجي.
وإذا تأملنا تجربة الدكتور عصام العسيري من زاوية العلاقة بين العمل الفني والمتلقي سنكتشف أن لوحته لا تُعطي نفسها دفعة واحدة بل تتكشف على مهل فهي ليست خطاباً مباشراً ولا صورة جاهزة بل مساحة تأملية تتطلب من العين صبراً ومن الذاكرة مشاركة ومن الروح استعداداً للإصغاء إن المتلقي هنا لا يقف أمام اللوحة كمتفرج بل يدخل في حوار صامت معها إذ تقوده الخطوط إلى مناطق غير متوقعة وتدعوه الألوان إلى إعادة ترتيب إحساسه بالفراغ والزمن.
وهذا ما يمنح أعماله قدرة خاصة على الاستمرار في الذاكرة البصرية فبعد مغادرة فضاء العرض تبقى اللوحة عالقة في الذهن لا بصورتها الظاهرة فقط بل بإحساسها الداخلي وكأنها تركت أثراً شبيهاً بالأثر الموسيقي الذي لا يُنسى بسهولة هذه الاستمرارية ثمرة بناء داخلي متماسك يعرف كيف يخاطب الوعي العميق لا الانفعال السريع.
كما أن تجربة العسيري تفتح سؤالاً مهماً حول دور الفنان المثقف في زمن السرعة البصرية فبينما تميل كثير من التجارب المعاصرة إلى الاختزال الحاد أو الصدمة البصرية نجده يختار طريقاً أكثر هدوءاً وأشد عمقاً طريقاً يؤمن بأن المعرفة لا تعيق الإبداع بل تمنحه جذوره وبأن التراكم البصري والفكري هو ما يمنح العمل شرعيته الزمنية.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى لوحاته كنوع من المعمار البصري الذي لا يُشيّد ليُستهلك سريعاً بل ليُسكن طويلاً فكل لوحة أشبه بغرفة داخلية تتغير مع الضوء ومع الحالة النفسية للمتلقي ومع تكرار النظر وهذا ما يمنحها مرونة دلالية عالية وقدرة على التجدّد دون أن تفقد هويتها الأساسية.
ولا يمكن إغفال البعد التأملي الصوفي الذي ينساب في عمق هذه الأعمال دون تصريح مباشر فالتجريد هنا ليس هروباً من المعنى بل طريقاً إليه والهندسة ليست نظاماً صارماً بل وسيلة لضبط الإيقاع الداخلي والبحث عن توازن يشبه توازن الروح في لحظات الصفاء هذه الروح التأملية تمنح اللوحة طابعها الإنساني وتحررها من الانغلاق لتجعلها قادرة على التواصل مع مشاعر إنسانية عامة.
إن تجربة الدكتور عصام العسيري تؤكد أن الفن القادر على البقاء هو ذلك الذي يوازن بين العقل والحدس بين المعرفة والدهشة بين البناء والحرية وهي تجربة تذكّرنا بأن اللوحة ليست سطحاً للعرض بل مجالاً للتفكير وأن اللون فكرة وأن الخط مسار داخلي نحو المعنى.
وبهذا المعنى فإن أعماله لا تمثل تجربة شخصية معزولة بل تشكّل إضافة حقيقية إلى مسار الفن التشكيلي العربي المعاصر إضافة تقوم على الوعي والبحث والصبر وتؤكد أن الحداثة يمكن أن تنبع من الداخل وأن العالمية لا تعني التخلي عن الجذور بل تعميقها وإعادة صياغتها بلغة بصرية قادرة على الحوار مع العالم.
وهكذا يغدو عالم الدكتور عصام العسيري فضاءً مفتوحاً للتأمل والقراءة والتأويل عالماً لا يفرض نفسه بصوت عالٍ بل يتسلل بهدوء إلى الذاكرة ليقيم فيها طويلاً مؤكداً أن الفن الحقيقي لا يصرخ بل يهمس وأن الجمال الأعمق هو ذلك الذي يُكتشف ببطء ويمنح صاحبه إحساساً بالامتلاء والسكينة.
شكرررررررررررا للفنانة والكاتبة الجميلة اميره ناجي والأستاذ رحيم يوسف وصحيفة الحقيقة
🌹💐🌺💐🌹


