في عام 1490م، وُلد طفل في قرية “آغرس” التابعة لولاية قيصري بالأناضول. ولم يكن أحد يعلم آنذاك أن هذا الصبي سيعيد صياغة المدن الإسلامية، ويغدو المهندس الأبرز الذي تتحدث عن عبقريته الأجيال لقرون لاحقة.
بدأت رحلته الفعلية بانضمامه إلى مدرسة الإنكشارية في عهد السلطان سليم الأول؛ حيث تعلّم النجارة والعمارة العسكرية، وشارك في حملات الخلافة العثمانية العظمى عبر بلاد فارس ومصر، والفتح الإسلامي لرودس وبلغراد زمن السلطان سليمان القانوني.
وخلال هذه الحملات، أذهل قادة الجيش بقدرته الفائقة على حل المعضلات الهندسيّة المعقدة؛ فبنى ثلاث سفن حربية في بحيرة “فان” لنقل الجنود، وشيّد جسراً خشبياً متيناً فوق نهر “بروت” في أيام قليلة خلال حملة كرا بوغدان (مولدوفيا) عام 1538م، وهو الإنجاز الذي لفت إليه أنظار السلطان سليمان القانوني مباشرة.
تألق سنان كـ “رئيس للمعماريين” (Mimarbaşı) وتربع على عرش العمارة العثمانية لأكثر من خمسين عاماً، خادماً لثلاثة من سلاطين بني عثمان: سليمان القانوني، وسليم الثاني، ومراد الثالث. ولم يكن مجرد باني مساجد، بل كان مهندساً ميكانيكياً، خبيراً في الجيولوجيا، وعالماً في الرياضيات والصوتيات، دمج الجمالية البصرية بالقواعد الهندسية الصارمة لحماية المباني من الزلازل والظروف الطبيعية القاسية.
وحسب موسوعة الديانة الإسلامية (TDV)، تمثل حقبته العصر الذهبي للعمارة الإسلامية؛ إذ صمم وشيّد ما بين 375 إلى 477 عملاً معمارياً فريداً، شملت:
81 جامعاً و51 مسجداً صغيراً.
55 مدرسة و26 داراً للقراء و17 تكية.
8 جسور و5 قنوات مائية ضخمة، بالإضافة إلى المستشفيات والقصور والحمامات العامة.
وبهذا الإنتاج، تفوّق سنان بشكل ساحق على أعظم مهندس بريطاني في التاريخ، السير كريستوفر رين (1632-1723م) باني كاتدرائية القديس بولس؛ فبينما يبلغ إجمالي إنتاج “رين” حوالي 60 إلى 82 مبنى تركزت معظمها داخل لندن، فإن المعمار سنان شيّد نحو 477 منشأة، ولهذا فهو يستحق لقب أعظم مهندس معماري في تاريخ العالم.
وثّق سنان مسيرته المهنية في مذكراته “تذكرة البنيان” عبر ثلاث مراحل رئيسية:
1. مرحلة التدريب (الوجود التدريبي): جامع الشاهزاده في إسطنبول (1543-1548م)
شُيّد تخليداً لذكرى الأمير محمد. طبّق فيه سنان لأول مرة فكرة القبة المركزية المدعومة بأربعة تيجان من أنصاف القباب، مما منح الفضاء الداخلي رحابة غير مسبوقة، واُعتبر خطوته الأولى لإثبات جدارته كمعماري القصر الإمبراطوري.
2. مرحلة المهارة والتفوق (Kalfalık): مجمع وجامع السليمانية في إسطنبول (1550-1557م)
لم تكن السليمانية مجرد مسجد، بل مدينة تعليمية واجتماعية متكاملة (Külliye) تضم المدارس والمطاعم الخيرية. ابتكر سنان فيها نظام تهوية طبيعياً يسحب دخان القناديل الزيتية إلى غرفة خاصة (İs Odası) لحماية الجدران، واستغلاله في صناعة الحبر الفاخر للخطاطين. كما وضع أساسات تمتص الهزات الأرضية عبر حشو التربة، ليبقى الصرح شامخاً ضد الزلازل منذ خمسة فرون.
3. مرحلة الأستاذية المطلقة (Ustalık): جامع السليمية في أدرنة (1569-1575م)
بناه في الثمانين من عمره، وأدرجته منظمة اليونسكو ضمن التراث العالمي. حقق سنان في السليمية الحلم المعماري الذي عجز عنه المهندسون البيزنطيون؛ فنجح في بناء قبة عظيمة بقطر يتجاوز 31 متراً على ثمانية أعمدة ضخمة دون أنصاف قباب ساندة، ليكون الفضاء مكشوفاً بالكامل. كما صمم مآذنه الأربع بأدراج داخلية منفصلة هندسياً، يصعد فيها ثلاثة مؤذنين معاً دون أن يرى أحدهم الآخر.
برز سنان كخبير تخطيط مدني عظيم؛ فنظّم شبكات المياه في إسطنبول بإنشاء “قنوات مياه كيركتشيشمي” (Kırkçeşme) لتأمين المياه العذبة للعاصمة، وبنى جسوراً استراتيجية مثل جسر “بويوك تشكمجة” وجسر “فيشغراد” في البوسنة.
وامتدت عبقرية المعمار سنان لتترك بصماتها على جغرافيا الأقطار العربية، مشكّلة نقلة نوعية في المشهد العمراني لبلاد الشام ومصر والعراق:
في بلاد الشام: صمم مجمع السليمانية بدمشق (1554-1559م)، مازجاً الأسلوب العثماني بالروح الشامية، وشيّد “جامع الخسروية” في حلب المتميز بقبته الضخمة ومئذنته الرشيقة.
في مصر: تجلت لمساته عبر تلاميذه وإشرافه المباشر في تشييد “جامع سنان باشا” ببولاق في القاهرة عام 1571م، مدخلاً الطراز العثماني برداء محلي مميز.
في العراق: أشرف على إعادة إعمار الصروح الدينية الهامة وتدعيمها هندسياً، كضريح الإمام عبد القادر الجيلاني في بغداد، لتظل تلك المنشآت شاهداً على توحيد الهوية البصرية للعالم الإسلامي تحت مظلة الخلافة العثمانية.
حظيت البقاع المقدسة بمشاركة استثنائية من المعمار سنان بإيعاز مباشر من السلطان سليمان القانوني وزوجته هُرَّم سلطان (Haseki Hürrem Sultan):
ففي القدس والمسجد الأقصى: أنشأ “تكية خاصكي سلطان” الخيرية عام 1552م لتكون مجمعاً يضم مسجداً ومخبزاً ومطعماً للفقراء وطلبة العلم بجوار المسجد الأقصى. كما رمم أسوار القدس التاريخية، وأعاد صيانة قبة الصخرة المشرفة بإضافة بلاطات الخزف القاشاني البديعة وبناء طبقة الزخارف التي لاتزال تغطي واجهاتها الخارجية الباقية حتى الآن.
في مكة المكرمة والمدينة المنورة: وضع التصاميم الهندسية للتكايا الخيرية والحمامات لخدمة الحجاج، وصمم “المدارس السليمانية الأربع” حول الحرم المكي الشريف لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة، بجانب دوره الكبير في تجديد أروقة وقباب صحن الطواف بالمسجد الحرام لحمايتها وتوسعتها هندسياً.
إسطنبول (إنقاذ آيا صوفيا): بذل جهوداً جبارة لإنقاذ هذا الصرح التاريخي؛ حيث دعم قبتها التاريخية بأكتاف بنائية متينة حمتها من الانهيار الكامل إثر الهزات الأرضية.
وبعد أن امتدت بصماته الفردية من المجر والبوسنة وشرق أوروبا إلى الشام والعراق ومكة، رحل هذا العقل العظيم في إسطنبول في 17 يوليو 1588م، تاركاً مدرسة فكرية تخرج منها أعظم معماريي المسلمين كالمعلم صدفكار محمد آغا باني الجامع الأزرق “السطان أحمد”، ليبقى اسم معمار سنان رمزاً خالداً للعبقرية الهندسية الإسلامية التي لاتزال تدهش العالم بإنجازاتها الرائعة.


