قراءة نقدية في مقال ((معانقة النص وجدلية التأويل)) للكاتب الاستاذ بن الدين بخولة السيد عبد الكريم
لم يعد التأويل في النقد الحديث مجرّد أداة لشرح النص أو كشف غموضه، بل تحوّل إلى مفهوم مركزي يعاد من خلاله تعريف العلاقة بين النص والقارئ والمعنى. وفي هذا السياق يأتي مقال «معانقة النص وجدلية التأويل» بوصفه محاولة واعية لتأصيل فعل القراءة داخل أفق الهيرمينوطيقا ونظرية التلقي، حيث يُقدَّم المعنى على أنه حدثٌ يتشكّل في لحظة التفاعل بين النص والقارئ، لا حقيقة جاهزة كامنة في النص ولا إنشاءً حرًّا من القارئ.ينطلق المقال من فكرة أساسية مفادها أن القراءة فعل تواصلي وجدلي، وأن النص لا يكتمل إلا بالقارئ، كما أن القارئ لا ينتج معنى من فراغ، بل يتحاور مع بنية لغوية وسياق دلالي يوجّهان فعل الفهم. وهذا التصور ينسجم مع التحولات الكبرى في النقد الأدبي الحديث، ويُحرّر النص من القراءة السطحية، ويمنح القارئ دورًا فاعلًا في تحقيق الدلالة.
غير أن الإشكال لا يكمن في الاعتراف بدور القارئ، بل في حدود هذا الدور. فالمقال، رغم تحذيره من التأويل المطلق، يترك مسألة الفصل بين التأويل المنتج والتأويل المتعسّف مفتوحة دون آلية حاسمة. إذ يكتفي بالتأكيد على أهمية البنية والمنهج، من دون أن يحدّد بدقة كيف يُضبط التأويل حين تتعارض القراءات، أو متى يتحوّل التفاعل التأويلي إلى إسقاط ذاتي يُفرغ النص من مرجعيته.ويبرز هذا التوتر في مفهوم «القارئ الواعي» الذي يتكرر في المقال. فالقارئ يُقدَّم بوصفه قارئًا مؤهّلًا يمتلك وعيًا تأويليًا، غير أن هذا الوعي نفسه لا يخضع لتعريف إجرائي واضح. من يحدّد وعي القارئ؟ وبأي معيار؟ وهل يكفي الوعي الثقافي أو المعرفي لمنح القارئ سلطة المشاركة في إنتاج المعنى؟ إن ترك هذه الأسئلة معلّقة يفتح الباب أمام توسّع غير منضبط لدور القارئ، وهو ما يتناقض مع رفض التأويل المنفلت.كما يتوقف المقال عند الفراغات والبياضات ومناطق اللاتحديد في النص، بوصفها استراتيجيات جمالية مقصودة تهدف إلى إشراك القارئ في بناء الدلالة. وهذا طرح دقيق في حد ذاته، غير أن الفراغ لا يعني غياب الضابط، بل يفترض قارئًا يملؤه بما تسمح به البنية والسياق، لا بما تمليه الرغبة أو الذائقة الفردية. فالفراغ مساحة موجّهة، لا فضاءً مفتوحًا على كل الاحتمالات.ويزداد الإشكال وضوحًا حين يتجنّب المقال التمييز الصريح بين التأويل في النص الأدبي والتأويل في النصوص المرجعية أو المقدسة.
فبينما يحتمل النص الأدبي تعددية واسعة في المعنى دون تبعات عملية مباشرة، فإن تأويل النصوص المرجعية يرتّب أفعالًا وسلوكيات وتشريعات، ما يجعل ضبط الدلالة فيها ضرورة معرفية وأخلاقية في آن واحد. تجاهل هذا الفارق يجعل مفهوم التأويل يبدو وكأنه صالح لكل الخطابات بالدرجة نفسها، وهو تعميم إشكالي.من هنا، يمكن القول إن المقال يميل إلى تصور يجعل التأويل فعلًا توليديًا بقدر ما هو كاشف، في حين أن المقاربة الأكثر انضباطًا ترى أن التأويل وظيفة تصحيحية أساسًا، غايتها إعادة اللفظ إلى دلالته الممكنة داخل بنيته وسياقه. فالمعنى لا يُنتَج من أفق القارئ، بل يُحقَّق عبر فحص العلامة اللغوية واختبار إحالتها وضبطها بمقام القول ونوع الخطاب.ولا يعني ذلك العودة إلى وهم المعنى الواحد المغلق، بل الإقرار بأن تعدد المعاني لا يكون مشروعًا إلا داخل ما تسمح به اللغة والسياق معًا. فالقارئ، مهما بلغ وعيه، لا يمتلك سلطة إنتاج المعنى، بل يتحمّل مسؤولية تحقيقه.
وكل تأويل يتجاوز هذا الحد يتحوّل من فعل فهم إلى إسقاط ذاتي، ومن قراءة واعية إلى فوضى دلالية.وخلاصة القول إن «معانقة النص وجدلية التأويل» مقال مهم في دفاعه عن تاريخية الفهم وتفاعلية القراءة، لكنه يظل محتاجًا إلى حسمٍ أوضح في مسألة الضبط الدلالي، وتحديد المرجع الأخير عند اختلاف التأويلات. فبين انفتاح المعنى وانفلاته، تبقى البنية اللغوية والسياق التداولي هما الحارس الأخير للدلالة، وبدونهما يفقد التأويل وظيفته المعرفية، ويتحوّل من أداة فهم إلى ذريعة تأويل بلا حدود.


