كتب محمد حسن أبو حيش
– في كثير من البيوت العربية تتكرر عبارات من قبيل “أنا التي تحملت البيت وحدي” أو “لولا تعبي مع الأولاد ما استقرت هذه الأسرة”.
– وقد تُقال هذه الكلمات في لحظة غضب أو إرهاق لكنها تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول طبيعة العلاقة الزوجية وحدود الحقوق والواجبات داخل الأسرة.
– فالأسرة في حقيقتها ليست ساحةً لتبادل المنّ والأذى وإنما هي ميثاق قائم على الرحمة والتعاون والتقدير المتبادل.
– وقد جعلت الشريعة الإسلامية العلاقة بين الزوجين قائمة على السكن والمودة، فقال الله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال أيضًا:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
– ومن هنا يثور التساؤل: هل يجوز للمرأة أن تمنّ على زوجها بما تقوم به من أعمال منزلية ورعاية الأطفال؟
– لا خلاف على أن الزوجة تبذل جهدًا عظيمًا داخل بيتها فإدارة المنزل وتربية الأبناء مسؤولية شاقة تحتاج إلى صبر ووقت وعطاء نفسي وجسدي.
– بل إن كثيرًا من الدراسات الاجتماعية الحديثة تؤكد أن المرأة داخل المنزل تؤدي أدوارًا متعددة تفوق في أحيان كثيرة الوظائف الرسمية من حيث الجهد والضغط النفسي.
– لكن تحويل هذا العطاء إلى وسيلة للمعايرة أو التقليل من الطرف الآخر قد يهدم المعنى الحقيقي للأسرة فالمنّ المستمر يترك أثرًا نفسيًا سيئًا ويُشعر الزوج بأنه موضع اتهام دائم بدلًا من أن يكون شريكًا محل تقدير واحترام.
– فالإسلام لم يمنع الإعتراف بالجهد أو طلب التقدير لكنه نهى عن المنّ الذي يتحول إلى أذى نفسي أو تعالٍ أخلاقي.
– فالمنّ في اللغة هو تعداد النعمة على سبيل التفاخر أو الإيذاء وقد ذمّه القرآن الكريم في أكثر من موضع لأن المعروف يفقد قيمته حين يتحول إلى أداة ضغط أو ابتزاز معنوي.
-والحياة الزوجية لا تستقيم بمنطق: “من قدم أكثر؟” بل بمنطق “كيف نحافظ على البيت؟”.
– وفي المقابل.. على الزوج ألا يجحد تعب زوجته
فإذا كان المنّ مذمومًا فإن الجحود أيضًا مرفوض فمن الخطأ أن يتعامل بعض الأزواج مع ما تبذله الزوجة وكأنه أمر تلقائي لا يستحق الشكر أو التقدير.
– فالرسول ﷺ كان يقدّر أهل بيته، ويُعرف عنه حسن المعاملة ولين الجانب.
– والكلمة الطيبة داخل المنزل قد تصنع استقرارًا نفسيًا عظيمًا فالتقدير المتبادل بين الزوجين ليس رفاهية بل ضرورة لحماية الأسرة من التوتر والتفكك.
(الأسرة ليست ساحة محاسبة)
– الزواج الناجح لا يقوم على تسجيل النقاط ولا على استدعاء التضحيات عند كل خلاف فحين تتحول الحياة الزوجية إلى دفتر حسابات تضيع المودة ويصبح كل طرف مترقبًا لأخطاء الآخر.
والأصل أن يتعاون الزوجان في مواجهة أعباء الحياة وأن يدرك كل منهما قيمة ما يقدمه الآخر دون منّ أو استعلاء أو إنكار للجميل.
ختامًا
– إن رعاية الأبناء وخدمة الأسرة عمل عظيم له قيمته الإنسانية والدينية لكنه يفقد جزءًا من جماله عندما يتحول إلى وسيلة للمعايرة أو التقليل من الشريك.
– كما أن تجاهل هذا الجهد أو التقليل منه يُعد ظلمًا وجحودًا لا يليق بالعلاقة الزوجية.
– فالحياة الزوجية الناجحة لا تُبنى على المنّ بل على الاحترام والتقدير والتراحم والإحساس بأن كلا الطرفين شريك في بناء بيت واحد لا خصم في معركة يومية.
******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت


