شخصية المَثَّال بين إبسن وبيرانديللو
وتوفيق الحكيم
د.علي خليفة
سأعرض في هذه المقالة لعرض كل من هنريك إبسن وبيرانديللو وتوفيق الحكيم لشخصية المثال، كما عرضوها في خمس مسرحيات لهم،وهي: مسرحية “عندما نُبْعَثُ نحن الموتى” لهنريك إبسن، ومسرحية “ديانا والمثال”، ومسرحية “كل شيخ وله طريقة” لبيرانديللو، ومسرحية “بين الحلم والحقيقة” ومسرحية “بجماليون” لتوفيق الحكيم.
ونلاحظ أن هؤلاء الكتاب الكبار في هذه المسرحيات قد جعلوا من المثَّال الشخص الذي يعبرون من خلاله عن موقف الفنان من الحياة والفن، وإلى أي منهما يميل، وهل يمكن أن يحسم الصراع في داخله باختيار طرف دون آخر من طرفي هذا الصراع بداخله؟
كما أن هؤلاء الكتاب الثلاثة قد عبروا في مسرحياتهم التي بها شخصية المثال عن رؤيتهم للإبداع، وعلاقة المبدع بما يبدعه، ومن ألهمه هذا الإبداع.
ويتفق هؤلاء الكتاب الثلاثة على أن المبدع يبحث عمن تلهمه إبداعه، ولا يعنيه منها إلا أن تكون واسطة له؛ ليقدم إبداعه الفريد، وغالبًا ما يتجاهل وجودها الإنساني خلال استلهامه إبداعه منها في هيئة تمثال يكون مبهرًا في تكوينه، وأيضًا هو يهمل هذه الملهمة بعد أن تلهمه فنه، ولكنه – في الغالب – يكتشف أنه قد أفلس بعد أن هجرته تلك الملهمة، وكذلك يدرك بعد ذلك أنه صار بَعْدَ بُعْدِها عنه عاجزًا عن أن يبدع أعمالًا أخرى خالدة.
وأوضح ذلك فأقول: إن أرنولد المثَّال الكبير في مسرحية “عندما نبعث نحن الموتى” لهنريك إبسن كان قد وجد ملهمته في عمل تمثال عن يوم البعث في الفتاة آيرن، ورأى أنها تمثل الطهر والنقاء كحال تمثال الفتاة التي ينحتها، ولم يهتم أرنولد بآيرن الإنسانة، ولم يتجاوب مع مشاعرها نحوه، فقد كان يعدها وسيطًا لعمله الفني فقط، وانقطع عنها بعد أن أتم تمثاله عن يوم البعث.
ولكن ذلك الفنان يدرك بعد ذلك أن هذه الفتاة هي ملهمته التي لم يعرف أهميتها في حياته الخاصة وفي إبداعه إلا بعد أن هجرته، فشعر أنه صار مفلسًا لا يمكنه أن ينحت تماثيل أخرى تظهر نبوغه، وصار ينحت تماثيل عادية، وحين رأى هذه الفتاة وقد صارت امرأة ناضجة بعد عدة سنوات حاول أن يتمسك بها، ويستعيد موهبته من خلالها، ولكنه لم يستطع، فلم تعد هذه المرأة هي نفس الفتاة الطاهرة البريئة التي كانت في الماضي، وكذلك هو أدرك أنه بعد أن قدم تمثاله الذي فيه كل جوانب عبقريته – صار غير قادر على إعادة تلك التجربة من جديد، فلا يمكن لمبدع بعد أن يصل للكمال أن يستطيع الوصول إليه مرة أخرى، وإن حياته بعد أن وصل للكمال في إبداعه تصبح حياة عادية، وبعض المبدعين يرون أن خلاصهم عند ذلك يكون في انتظار الموت أو في السعي له، كحال الرسام الشاب سريو في مسرحية “ديانا والمثال” لبيرانديللو، فقد رأى سريو في الفتاة تودا الموديل الذي يمكنه من خلاله أن ينحت تمثالًا يخرج فيه عبقريته، ويدرك أنه بعد ذلك لن تكون لحياته قيمة، فلن يستطيع أن يبدع تمثالًا في مستوى روعته؛ ولهذا اتخذ قرارًا بأن ينتحر بعد أن ينحت ذلك التمثال.
وسريو هو أيضًا لم يهتم بتودا الإنسانة التي تحبه، فقد كان كل ما يهمه منها ما ستلهمه إياه في التمثال الذي سينحته مستوحيًا صورتها فيه، وبسبب إهماله لها كإنسانة حاولت أن تعوقه عن استكمال ذلك التمثال، وحاولت أيضًا خلال غضب منها على سريو أن تحطم ذلك التمثال، ودافع سريو عن تمثاله، وهاجم تودا، وتدخل جوناكانو مربي سريو، ودافع عن تودا في ذلك الموقف، وقتل سريو من أجل أن يستبقي تودا التي يحبها هو أيضًا، وكان يرى أنه أخطا حين كان يقدم الفن على الحياة في الماضي.
ونرى في مسرحية “كل شيخ وله طريقة” مَثَّالًا آخر هو سالفي الذي كان يعمل تمثالًا لديليا، ولم يشغله منها غير أن تكون وسيطًا له في عمل تمثاله الذي يستوحيه منها، وعاقبته على ذلك، فأغرته بنفسها، ووقع في الشرك، فصار عاشقًا لها ولجسدها، ولم تكتفِ بذلك، فإنها سعت لتشككه في إخلاصها له؛ مما جعله يقدم على الانتحار بعد ذلك.
وتوفيق الحكيم في مسرحية “بين الحلم والحقيقة” يرى أن الفنان
لا يمكنه أن يجمع بين فنه والحياة ممثلة في المرأة، وأنه لا بد له أن يتخلص من أحدهما ليَتفرَّغ للطرف الآخر، وقد رأينا في هذه المسرحية القصيرة الفنان النحات يتغنى بجمال تمثاله نفريت، ويهمل شأن زوجته، حتى إنه كان يسبغ على هذا التمثال عبارات الثناء والإعجاب التي كان يقولها لزوجته من قبل، وتحطم زوجته ذلك التمثال، فيفيق الفنان المَثَّال من الخيال، ويعود للواقع، وينسى تمثاله الذي تحطم، ويعيش في الواقع مع زوجته، ويعود للتغزل فيها من جديد.
ونرى تلك الثنائية في عدم القدرة على الجمع بين الفن والحياة
في مسرحية “بجماليون” لتوفيق الحكيم، فبجماليون في هذه المسرحية بعد أن صنع تمثالًا فريدًا لامرأة كان يكتفي بتأمله على أن يعيش الحياة مع امرأة، وكان يرى أن فنه يكفيه ممثلًا في هذا التمثال، ولكنه حن للحياة، وتمنى أن تبعث الحياة في تمثاله، وتستجيب فينوس ربة الجمال عند الرومان لتوسلاته، فتنفخ الروح في تمثاله، فيصبح امرأة من لحم ودم، ولكن بجماليون يتمرد على الوضع الذي صار له تمثاله، فهو قد صار امرأة فيها نقص البشر، وصارت معرضة للكبر والشيخوخة بخلاف تمثاله الذي كان دائم الشباب والجمال.
ويطلب بجماليون إلى فينوس أن تعيد له تمثاله من جديد، وتنفذ له طلبه، ولكنه بعد حين يحن للمرأة التي كان تمثاله قد تحول لها من قبل، ويظل في ذلك الصراع بين الفن والحياة، ولا يعرف من يختار منهما، وأيهما يستبقي في حياته؟!
ومن الواضح أن بجماليون بعد أن أبدع تمثاله كان غير قادر على إبداع غيره، وقد ظن أنه بعد أن يحطمه سيبدع ما هو أفضل منه، ولكنه يموت بعد أن حطمه؛ لأنه بعد أن أبدعه ووصل به للكمال كان عاجزًا عن الوصول للكمال الفني مرة أخرى، كما رأينا حال أرنولد المَثَّال في مسرحية “عندما نبعث نحن الموتى” لإبسن، وحال سريو في مسرحية “ديانا والمثال” لبيرانديللو.
#ملتقى المسرح#مجلة ايليت فوتو ارت..


