رصد علماء فلك ومضة قوية وغامضة من الموجات الراديوية انطلقت من مجرة بعيدة قبل أكثر من 10 مليارات عام، فيما يُعتقد أنه أبعد انفجار راديوي سريع يُكتشف حتى الآن، وفق دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة “ساينس”.
وبحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية، نشأت الإشارة عندما كان عمر الكون نحو 3 مليارات سنة فقط، ما يعني أن موجاتها قطعت ما يقارب 80% من تاريخ الكون قبل وصولها إلى الأرض.
ويُعرف هذا النوع من الظواهر باسم “الانفجارات الراديوية السريعة”، وهي ومضات شديدة الكثافة من الموجات الراديوية، تستطيع إطلاق طاقة خلال أجزاء من الألف من الثانية تعادل ما تنتجه الشمس خلال أشهر أو سنوات.
وأُطلق على الانفجار المكتشف اسم “إف آر بي 20240304 بي”، ويعتقد الباحثون أنه تجاوز الرقم القياسي السابق لأبعد انفجار راديوي سريع بأكثر من الضعف.
واستخدم العلماء التلسكوب الراديوي “ميركات” في جنوب أفريقيا لرصد الإشارة، قبل الاستعانة بتلسكوب “جيمس ويب” الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأميركية “ناسا” لتحديد المجرة التي انطلقت منها.
وأوضح الباحث المشارك في قيادة الدراسة، تيميا ناناياكارا، من “جامعة سيدني” الأسترالية، أن الانفجار وقع في مرحلة مبكرة للغاية من تاريخ الكون، عندما لم تكن الأرض أو الشمس قد تشكلتا بعد.
وأظهرت بيانات “جيمس ويب” أن مصدر الإشارة مجرة صغيرة وحديثة التكوين، تشهد معدلات مرتفعة جدًا من تشكل النجوم، وتحتوي على كميات قليلة من العناصر الثقيلة التي يطلق عليها علماء الفلك اسم “المعادن”.
لغز علمي مستمر منذ عام 2007
ولا يزال المصدر الحقيقي للانفجارات الراديوية السريعة غير محسوم، رغم مرور نحو عقدين على اكتشاف هذه الظاهرة للمرة الأولى عام 2007.
وتشير إحدى الفرضيات العلمية إلى احتمال صدور هذه الإشارات عن النجوم المغناطيسية، وهي نوع من النجوم النيوترونية يتميز بامتلاكه حقولًا مغناطيسية شديدة القوة.
وقال ناناياكارا إن أي تفسير للآلية المسؤولة عن توليد هذه الانفجارات يجب أن يأخذ في الحسبان إمكان حدوثها داخل مجرات فتية تحتوي على كميات منخفضة جدًا من المعادن.
ورصد العلماء أكثر من 10 آلاف انفجار راديوي سريع منذ اكتشاف الظاهرة، لكن طبيعة هذه الإشارات تختلف من حالة إلى أخرى.
فبعضها يتكرر باستمرار، وبعضها يصدر إشارات متتابعة لفترة قبل أن يتوقف، فيما تظهر انفجارات أخرى مرة واحدة فقط من دون رصد أي تكرار لها.
ولم يتمكن الباحثون حتى الآن من تحديد ما إذا كان الانفجار الجديد حدثًا منفردًا، أم أن مصدره سيصدر إشارات أخرى في المستقبل.
أداة لدراسة المادة غير المرئية
ولا تقتصر أهمية الاكتشاف على المسافة الهائلة التي قطعتها الموجات الراديوية، إذ يرى العلماء أن هذه الإشارات قد تساعد على دراسة توزيع المادة في الكون، بما في ذلك المواد التي يصعب رصدها باستخدام التلسكوبات البصرية.
وأوضح ناناياكارا أن العلماء يستطيعون الاستفادة من الانفجارات الراديوية السريعة في أبحاثهم حتى من دون معرفة السبب الدقيق وراء نشوئها.
وأضاف أن اكتشاف المزيد من الإشارات القادمة من مسافات بعيدة قد يتيح رسم خرائط للمادة غير المرئية في مناطق نائية من الكون.
من جانبه، وصف أستاذ الفيزياء الفلكية في “جامعة سوينبرن” الأسترالية، ماثيو بايلز، وهو أحد العلماء الذين شاركوا في الاكتشاف الأول لهذه الظاهرة، نتائج الدراسة بأنها تؤكد الإمكانات الكبيرة للانفجارات الراديوية السريعة في استكشاف الكون.
وأوضح أن هذه الموجات توفر وسيلة أساسية لتقدير عدد الذرات الموجودة في الكون، نظرًا إلى تأثرها بالجسيمات التي تمر عبرها خلال رحلتها في الفضاء.
ويسمح تحليل هذه التأثيرات للعلماء بتقدير كميات من المادة التي لا يمكن مشاهدتها مباشرة باستخدام التلسكوبات البصرية.
بدورها، قالت عالمة الفيزياء الفلكية سارة ويب، من “جامعة سوينبرن”، التي لم تشارك في الدراسة، إن هذه الإشارات تتيح تقدير كمية المادة التي عبرتها الموجات الراديوية في طريقها إلى الأرض.
وأضافت أن الاكتشاف الجديد يشير إلى احتمال أن تكون الانفجارات الراديوية السريعة ظاهرة شائعة في المراحل الأولى من عمر الكون.
ويأمل الباحثون أن يساعد رصد المزيد من هذه الإشارات البعيدة على توسيع فهمهم لتوزيع المادة وتطور المجرات عبر مليارات السنين.
******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت


