حين يُرَوَّض القدر بالريشة:
يقدم الفنان التشكيلي بسام جبيلي في لوحة “ربّات القدر” ثلاث شخصيات جالسة على الأرض، متربّعة، متجاورة، وكأنها منحوتة واحدة اقتُطعت إلى ثلاثة أجساد. هذا هو الانطباع الأول الذي تتركه لوحة “ربّات القدر” للفنان السوري بسام جبيلي، عمل من “أوهام المسرح” نفّذه بخامات مختلفة عام 2018، يستدعي أسطورة “المصائر الثلاث” الإغريقية، لكنه لا يكتفي بترجمتها، بل يعيد صياغتها بلغة تشكيلية محلية تحمل بصمة جبيلي المعروفة: تلك القدرة على “ترويض الأسطورة” بريشة تمزج بين الحكاية القديمة والحس المعاصر. ويوجز الفنان فكرة عمله بنفسه: ثلاث آلهات يتحكمن في حياة البشر، بنات زيوس؛ لاخيس تغزل، كلوتو تنسج، أتروبوس تقطع.
في الميثولوجيا اليونانية، تتقاسم بنات زيوس الثلاث، “الموراي”، مصير كل إنسان عبر ثلاثة أفعال متعاقبة: غزل خيط الحياة، ثم نسجه وتحديد مقداره، ثم قطعه في اللحظة المحتومة. جبيلي ينقل هذا الثالوث إلى فضاء بصري مختلف تماماً، متجرد من الزمان والمكان، حيث تختفي الخلفية في ضباب لوني رمادي مزرقّ لا يشي بمشهد محدد، وكأن المصير لا ينتمي إلى جغرافيا بعينها بل إلى كل مكان وزمان في آن.
الجسد في هذه اللوحة ليس جسداً واقعياً بقدر ما هو كتلة معمارية مكتنزة، أقرب إلى النحت منه إلى الرسم التشريحي الدقيق، وهي سمة أصيلة في أسلوب جبيلي الذي عُرف عنه ولعه المزدوج بالرسم والنحت معاً، حتى بدت شخصياته دوماً وكأنها أحجام مجسّمة وُضعت بعناية فوق أرضية اللوحة. الألوان الترابية المطفأة — الأخضر الزيتوني، البني المحروق، الرمادي الحجري — تمنح المشهد نفَساً أثرياً، وكأنه جدارية قديمة نجت من التلف، فيما تنفرد الشخصية الوسطى بلون حار واحد، البرتقالي المحروق، يكسر برودة الجوار ويشد عين المشاهد إليها فوراً، مانحاً إياها موقع المركز الدلالي في العمل.
هذه المرأة الوسطى، عارية الجذع، معصوبة العينين بشريط وردي، هي “أتروبوس” بحسب توصيف الفنان، تلك التي تقطع خيط الحياة. عصابة العين هنا ليست تفصيلاً عابراً، بل إحالة مباشرة إلى عمى القدر: القدر لا يرى، لا يميّز، يهبط على البشر من غير معايير ولا عدالة. بين يديها مقصّ صغير يلامس خيطاً أبيض يشبه المسبحة، في استعادة بصرية للحظة الحسم التي لا رجعة عنها في كل الأساطير التي تناولت المصير.
على طرفها الأيسر، شخصية خضراء اللون تُمسك بعودين يشبهان الناي أو أداتي غزل، وهي “لاخيس” الغازلة، بداية الخيط وأول أطوار المصير. وعلى الطرف الآخر شخصية رمادية تُمسك بيدها اليمنى جسماً صغيراً معلقاً بخيط، يشبه صدفة أو سمكة مجففة من تلك التمائم الشعبية التي يُعتقد أنها تجلب الحظ والبركة في الموروث الشرقي، وهي “كلوتو” التي تنسج الخيط وتمنحه شكله النهائي. وهنا بالتحديد يظهر توقيع جبيلي الخاص: فبدل أن يكتفي بنقل الأسطورة الإغريقية كما هي، يُقحم على فعل النسج عنصراً فولكلورياً محلياً هو تميمة الحظ المعلّقة، فيهجّن المرجعية الكلاسيكية بذاكرة شعبية عربية، ويحوّل ربّات القدر اليونانيات إلى شخصيات أقرب إلى المخيلة الشرقية، من غير أن تفقد الأسطورة كثافتها الأصلية.
ما يشد الانتباه في بنية اللوحة أن الخيط الأبيض الممتد بين الأيدي الثلاث يوحّد الشخصيات بصرياً في فعل واحد متصل: غزل، فنسج، فقطع. لكن رغم هذا الرابط المادي، لا تلتقي أعين الشخصيات الثلاث في أي نقطة؛ فكلها إما مغمضة أو معصوبة أو منكسة نحو الأسفل. هذا الغياب المتعمد للتواصل البصري بين “الفاعلات الثلاث” يجسّد فكرة عميقة: أن القدر آلية لا واعية، تُدار عبر أطراف منفصلة لا يرى أي منها الصورة الكاملة، ولا يعرف أثر فعله في الطرف الآخر. المشاهد وحده، من موقعه الخارجي، هو من يستطيع أن يرى الخيط كاملاً من بدايته إلى نهايته.
في النهاية، تقدّم “ربّات القدر” دراما وجودية هادئة السطح، عاصفة الجوهر: قصة الإنسان الذي يُنسَج مصيره بأيدٍ لا يراها، ويُحسم أمره بمقصّ لا يستشيره أحد، ويُعلَّق حظه بخيط رفيع قد ينقطع في أية لحظة. وهي في جوهرها استمرار لمشروع جبيلي الفني الذي راكمه على مدى عقود: أن يأخذ الأسطورة القديمة من عليائها الإغريقية أو الشعبية، ويُجلسها على الأرض، متربّعة، بشرية، قريبة من قلق الإنسان المعاصر ويومياته، من غير أن يخلع عنها غموضها الأصلي أو سطوتها الرمزية..
بيانات العمل
الفنان بسام جبيلي (مواليد حمص1946- 2020)
العنوان : ربات الحظ (ربات القدر )
التقنية: مواد مختلفة
العام : 2018
ملاحظة: مجموعةأوهام المسرح
ثلاث آلهة يتحكمن في حياة البشر، بنات زيوس:
لاخيس = تغزل
كلوتو = تنسج
اتروبوس = تقطع
.
ّ#مجيد كارا#مجلة ايليت فوتو ارت.


