بروميثيوس بين عظمة العطاء وقسوة العقاب في مسرحية بروميثيوس مقيدا لأيسخولوس

بالنظر لكل المسرحيات التي وصلتنا عن الإغريق فإننا نرى في مسرحية بروميثيوس مقيدا أشد معارضة لزيوس رب الأرباب؛ مما جعل بعض النقاد يتشككون في صحة نسبة هذه المسرحية لأيسخولوس المعروف بحبه للآلهة الإغريقية وتمجيده لهم، كما يظهر ذلك بوضوح في مسرحياته الأخرى التي وصلتنا.ونفهم من أحداث هذه المسرحية وحواراتها أن زيوس إله ظالم مغتصب – فقد اغتصب ملك أبيه كرونوس – وهو أيضا معتز بملكه الجديد، ولا يقبل مناقشة أحد في أوامره.

ونعرف أيضا من أحداث هذه المسرحية وحواراتها أن زيوس قد غضب على بروميثيوس – رغم كونه إلها – لأنه خالفه في حبه للبشر ومساعدته لهم، وكان زيوس قد أهمل البشر بعد خلقه لهم – حسب الأساطير والمعتقدات الإغريقية القديمة – فأمر بعيشهم في الكهوف، وأن يحرموا من الذاكرة، كما منع عنهم أي معرفة.

ولم يعجب بروميثيوس موقف زيوس من البشر، فعرفهم كثيرا من المعارف، كالقراءة والحساب، وبناء السفن، كما أنه عرفهم النار التي تعد معرفتها مدخلا مهما لاكتساب معارف عديدة.

وتبدأ مسرحية بروميثيوس مقيدا برؤية ثلاثة من الآلهة من أبناء زيوس يقيدون بروميثيوس في صخرة مطلة على محيط في أقصى الأرض، ويتوعدونه باستمرار عذابه؛ جزاء له لمعارضته زيوس، ووقوفه مع البشر.وتأتي امرأة بشرية لبروميثيوس – وهي آيو – في هذا المكان، وتشكو له ما فعلته هيرا زوجة زيوس بها – لهيام زيوس بها – بأن جعلت لها قرنين في رأسها، وكذلك أمرت ذبابة القطيع أن تستمر في إيلامها، ويخبر بروميثيوس آيو بنبوءة ستحدث في المستقبل – وقد كان بروميثيوس معروفا بنبوآته من بين آلهة الإغريق – فيقول لها: إن عذابها سيطول حتى تأتي مصر، ويذكر لها أن خلاصه هو سيكون عن طريق حفيد من نسل إله تنجبه من زيوس، ويخبرها أن هذا الحفيد الذي سيكون سببا في تخلصه من هذا العذاب سيكون أيضا سببا في إيقاف جبروت زيوس، ويقول لها: إن اسم هذا الشخص الذي سينقذه من عذابه هو هرقل.ويعرف زيوس بأمر هذا الحديث بين بروميثيوس وآيو ونبوءاته التي أخبرها بها بخصوص خلاصه من عذاب زيوس، فيرسل إليه هيرميس رسول الآلهة عند الإغريق؛ ليعرف منه تفاصيل هذا الأمر، فيصر بروميثيوس على عدم الكلام والتوضيح رغم ما أنذره به هيرميس من أن زيوس سيزيد في عقابه بأن يرسل له الرعد يزلزل الأرض عليه، ويرسل له أيضا نسرا يأكل كبده في النهار حتى إذا جاء الليل رجع سليما من جديد.

وبهذا نرى في هذه المسرحية عظيم العطاء الذي قدمه بروميثيوس للبشر في المعرفة، لا سيما في تعريفهم بالنار التي هي أصل كل المعارف كما جاء على لسان بروميثيوس في هذه المسرحية. ولأن بروميثيوس كان بما قدمه للبشر مخالفا أوامر زيوس رب الأرباب عند الإغريق فإنه أنزل به أشد العقاب، ورغم ذلك فإن بروميثيوس أصر على موقفه في مخالفة زيوس ومعارضته، لا سيما في مساعدته للبشر، وكذلك لم يتراجع عن موقفه المتعاطف مع البشر رغم إنكار الأقيونيسيات”حوريات البحر” – اللائي مثلن في هذه المسرحية الكورس – عليه هذا الموقف له مع البشر خلال حوارهن معه وهو مقيد على تلك الصخرة.

أخر المقالات

منكم وإليكم