يكتب كفافيس، مخاطبًا العائد الأبديّ:
إيثاكا وهبتْكَ الرحلةَ الجميلة.
لولاها لما كنتَ انطلقتَ في الطريق.
لكن ليس لديها ما تمنحُكَ إيّاه بعد الآن.
وإن وجدتَها فقيرة، فإيثاكا لم تخدعْك.
هكذا حكيمًا كما صرتَ، وبكل هذه التجربة، لا بدّ أنك فهمتَ حينها ماذا تعني الإيثاكات”.
في تخمّر لفكر ملحمي نما كما ينمو عشب الزمان بين شقوق الحكايات، كتب كفافيس عن إيثاكا، عن وطنٍ لا يسكن سوى الذاكرة. إيثاكا الفقيرة حين تُبلَغ، لأن كل ثروتها في ما حُمِل عنها طوال الطريق. والوطن الذي يحيا في الذاكرة وحدها هو، بالضبط، ما يريد المنتصر محوه. لهذا كان كفافيس شاعر المهزومين والمهمَّشين، أولئك الذين لم يبقَ لهم إلا أن يتذكّروا. ومن هذا الباب نقارب أفضل ما في أوديسة نولان: فهي، في جوهرها، فيلمٌ يترنّح بين التذكّر والنسيان.
فالبطل أوديسيوس، لغاية منتصف الفيلم، لا يعلم من يكون. يستخدم نولان، عبر تخبّطه بين الذاكرة والنسيان، تكريسًا لتقنية “وميض الذاكرة” (Flashback)، فأوديسيوس هنا رجلٌ نُزِع منه اسمه وبيته وماضيه، تائهٌ بلا هوية، والسؤال الذي يتركه الفيلم معلّقًا فوق رأسه هو سؤال النجاة نفسه: ما الأفضل كي تنجو، الذاكرة أم النسيان؟ أن تتذكّر من كنت فتُبقي على وجهتك، أم أن تنسى فتُطاق لك الحياة؟ وهنا يرتفع الفيلم إلى فكرةٍ حداثية أصيلة. لأن الجواب الذي ينحو إليه نولان هو انحيازٌ إلى الذاكرة ضدّ المحو، فكرةٌ مضادّة للغزو، مضادّة للامّحاء. المنتصر يريد أن يُنسي، أن يُعيد كتابة الحكاية على مقاسه، أن يمحو من هُزِموا كأنهم لم يكونوا. والذاكرة هي السلاح الأخير للمهزوم.
“الأوديسة” فيلمٌ عن الخسارة إذًا، وبالتالي عن المسؤولية الفردية، وعن القدرية وتعاليم اللوح المحفوظ. قد نقبل، بادئ الأمر، فكرة أن مقولات الفيلم، جمله الكاملة، مبتورة الأخذ والرد كما اعتدنا في السيناريوهات التقليدية، ترزح تحت وطأة الكليشيهات عن ضرورة فعل الصواب والالتزام بتعاليم قوى الغيب. لكن لنُتمّ الفكرة قليلًا، ولنرَ حجم الاختزال “الكليشاوي” في التعاليم: ابتداءً بإكرام ضيفك وموتاك، وصولًا إلى “لا تقتل ولا تشتهِ ولا تحسد”. بين وصايا هوميروس وحداثة النص في “الأوديسة” تقع محنة نولان كلّها.
يبدو نولان اعتباطيًّا في بناء اللقطة، إذ يتعامل معها كأداة لنقل المعلومات وخدمة الحبكة فقط، لا كعنصر بصري قائم بذاته، ما يعكس غياب البعد التشكيليّ في بنية الفيلم
لنُنصِف الرجل قبل أن نشرّح ما فعل، إذ قد حلّق، فعلًا، في مشاهد تأويلاته. هناك حيث اخترع وأعاد القراءة وألبس النصّ منطقه الحديث، لكنه هُزم أمام الملحمة وبهت نصّه عندما عاد إليها ليقتفي أثر الحقائق التي أتت تراكمية، كما هي “الأوديسة” ذاتها نصًّا تراكميًّا، حيث لم ولن تُكتب ملحمة دفعة واحدة، بل عبر كتاب كثر وعبر سنين، وهذا ما جعل نص “الأوديسة” حيًّا حتى الآن. وحياة النص وتماسكه وصلادته هي مأساة فيلم نولان الدقيقة: أن نصّه يحضر كأقوى ما يكون حين يبتعد عن دقة النص “الهوميري”، وأضعف ما يكون حين يقترب منه. ومن هنا يحضر التخبّط الحقيقيّ في الفيلم، بين رؤيةٍ جريئة وعجزٍ عن إكمالها وحده، لأن سببية الأسطورة كانت أقوى من منطق نولان الحديث التأويليّ؛ منطقٌ تسنده الحداثة، حتى تسحب منه الأسطورة ثقلها.
نص كامل أمام مشهدية مبتورة
في صورته السينمائية، يبدو نولان اعتباطيًّا في بناء اللقطة، وربما ما هو الأسوأ أنه لا يهتم ببنائها من الأساس، ويصرّ على الوظيفية السردية للفيلم: اللقطة عنده ناقلٌ للمعلومة الزمنية ومتطلبات الحبكة، فهو ينزع عن الفيلم غطاءه الأشمل، أي السطح البصري القائم بذاته. لهذا ما نسمّيه اعتباطية هنا هو، في الحقيقة، غيابُ المبدأ التشكيليّ المشهدي عن بنيان الفيلم ككل.
هذه البنية خدمتْه طويلًا في أفلامه السابقة، لأن مواضع قوته ومهارته كانت من جنس المنطق الفيلمي ذاته. الفيزياء في “أوبنهايمر”، الحلم في “إنسبشن”، الزمن المُحاجَج عنه في “تينيت”؛ كلّها موادّ لفظية/كلامية بطبعها، تُقال قبل أن تُرى. لكن عندما وصل إلى “الأوديسة”، فضحته، لأنها المادة الفيلمية الوحيدة التي تطلّبت منه نقيض طبيعته. النص “الهوميري” ليس مجرد حبكة تُروى، بل هو عالمٌ يُرى، تابلوهات متتالية: الكهف، الجزيرة، مملكة الموتى. إنه نصّ مشهديّ بامتياز، والمشهدية عند نولان هي، بالضبط، ما لا يملكه. لذلك بقي النصّ سرديًّا لا مشهديًّا، وظلّ ما يُقال أهمّ ما تحصل عليه في الفيلم، لا ما تراه.
إغراءات القراءة الطافية على السطح
عند التعامل مع أوديسة نولان، ثمة إغراءٌ ينبغي الحذر منه. حيث إن رحنا في نقدنا تجاه خياراته للممثلين، قد نفقد الخلل الجوهري ونتمسّك بالقراءة الأسهل، الطافية على السطح: حول لون بشرة هيلين وأختها، أو الجندر للممثل إليوت بيج عندما أُقحم في النص “الهوميري” من كتابة فيرجيل، وكل هذا هنا ما هو إلا أقلّ مشاكل نولان تعقيدًا. فالخلل ليس فيمن يقف أمام الكاميرا لاعبًا الشخصيات، بل في الرؤية المرتبكة التي لا تعلم لم فعلت ذلك، وما هي الدوافع العميقة لهكذا خيار، إذ لا يصطفي إلا لمقام لعبة “الصوابية السياسية” البليدة التي تلبسها هوليود لكل فيلم ذي ميزانية ضخمة.
الأوديسة ومقترحات للإنقاذ المشهديّ
قد يبدو من الإجحاف، أو من العبث، أن نتجرأ ونلعب لعبة التخيل ضمن “الأوديسة النولانية”، لكن كل ما في الفيلم من عناصر حكائية ولامعقولية أسطورية يدفعك نحو الإلحاح لرؤية المزيد. إذ بسبب افتقادك الإبهار والأبهة، ستتساءل حكمًا: من من المخرجين كان بإمكانه مسك “الأوديسة” من عنقها المشهدي؟ سيحضر بيتر غرينواي، الرسّام أولًا والسينمائي ثانيًا، لنتخيّل كيف كان ليبني الكادر ككتلة تشكيلية: تناظر، وإطار حكائي داخل إطار صوري، وإضاءة تنهل من الباروك ومن الهولنديين. تخيّل لكهف “بوليفيموس” أن يبدو، أو وليمة الخطّاب، أو مملكة الموتى، بعين مخرج “الطباخ، اللص، زوجته وعشيقها”.
لكن المفارقة أن الحل الغرينواي هنا كان سينقذ الفيلم بأن يُجهز على النولانية إجهازًا. وبالطبع ليس غرينواي وحده. فلانثيموس كان سيصوغ اللقطة بورتريهًا بعدسته العريضة التي تُحيل الفضاء مسرحًا تشريحيًّا للجسد والسلطة. أما كوروساوا، ففي “راشومون” صنع ما هو أعمق وأمسّ برؤية نولان تحديدًا: لقد وظّف تعدّد الرواية لا ليعقّد الحبكة كما يفعل نولان، بل ليقوّض سلطان السببية من أساسه. وهنا يفتضح كل شيء: كوروساوا حداثيّ في رؤيته، ونولان حداثيّ في أداته وحدها. حداثة زخرفية إذًا، لا حداثة في البنية.
قد يبدو من الإجحاف، أو من العبث، أن نتجرأ ونلعب لعبة التخيل ضمن “الأوديسة النولانية”، لكن كل ما في الفيلم من عناصر حكائية ولامعقولية أسطورية يدفعك نحو الإلحاح لرؤية المزيد
المهزوم الذي يتذكّر
يبقى السؤال الأعمق، وهو الذي يجعل “الأوديسة” اصطدامًا محتوما بالواقع. ففي الفيلم روحية اعتذار عن القوة، عن الانتصار، ودفاع عن فضيلة الهزيمة، حتى ليبدو أن من العار أن تكسب حربًا. وهنا تطابق مع رؤية “أوبنهايمر”: الانبهار بالنجاح، بالانتصار، ثم دفع ثمنه غاليًا، ثم الاعتذار عنه. وهو ثمن المعرفة، حيث لا معرفة تأتي بلا ثمن فادح، لأن المعرفة في جوهرها تحدٍّ للآلهة، وكسر للقاعدة، ومنها اللعنة الإنسانية والسقوط التوراتي من الجنة.
هذه هي البنية النولانية كلها، لا ثيمة في فيلمين. نولان مخرج بروميثيوسي بامتياز. المعادلة واحدة تتكرر: النار تُسرق، ثم يأتي العقاب، ثم الاعتذار الذي هو في جوهره وعي بالثمن. أوديسيوس وأوبنهايمر وبروميثيوس وآدم هم أتون العائلة نفسها. الحقيقة أن نولان يملك رؤية ميتافيزيقية أصيلة، لكنها أدبية مفهومية لا بصرية. هو منظّر كبير حول مفاهيم مثل الذاكرة والثواب والسقوط، لكنه يفكّر نصيًّا، ولهذا كانت “الأوديسة” الفخ الكامل، كونها ليست ثغرة في مشروعه، بل مرآته. فيلم يهزّ النولانية كلها، لأنه أول نص يطلب أن تُرى الفكرة لا أن تُقال.
عن آن هاثاواي.. وجلال الأداء الناجي من ثقل الأسطورة
في هذا الركام من المشهدية المتعثّرة، يبرز أداء آن هاثاواي منفردًا، واعيًا وعيًا استثنائيًا، حاملًا نضجًا قلّما نتوقّعه من ممثلة نأت أدوارها طويلًا عن الدرامية العالية إلا فيما ندر. قد نتذكر لها “الحب وعقاقير أخرى”، أو “راتشيل تتزوج”، لكنها هنا تبدو أكثر وعيًا وأشد تحديًا لهيمنة البعد الأسطوري في الدور. فتمضي في الاتجاه المعاكس تمامًا، تختار البساطة، وتؤثر الواقعي على الملحمي. لا مبالغة في الإلقاء، بل تُطوّع الجملة لصالح أدائها اليومي البسيط، الآتي من زمننا نحن، وتترك الخيار المباشر السهل جانبًا.
هكذا نتلمّس الجلال في ملامحها، في انكسارها وشهواتها وضعفها، ونلمس عناصر الحكاية وهي تتشكل مفاتيح لقراءة الشخصية بين يديها. قراءة ناضجة، جريئة، تأتي من عصرنا لا مما نتخيله عن القدم والجزالة، ولا من تلك المسرحة الأدائية التي طغت على معظم الممثلات، حتى الأكثر خبرة منهن، شارليز ثيرون. ولعل في اختيار هاثاواي هذا مفتاحًا لما كان يمكن أن يكون. فحين آثرت الواقعي على الملحمي، والوجه الحي على القناع المهيب، فعلت في أدائها ما عجز نولان عن فعله في صورته: أنزلت الأسطورة من علٍ إلى زمننا، فجعلتها تُرى إنسانًا لا تُتلى نصًا. هناك، في تجاعيد انكسارها، لا في ضخامة الإنتاج، أقام الفيلم لحظته الصادقة الوحيدة.
#سينما مودي#مجلة ايليت فوتو ارت.


