الطرق الأثرية الرومانية في سورية بين “إنطاكية” و”قنسرين”
كان الرومان من أكثر الشعوب القديمة تقدماً في مجال إنشاء الطرق البرية وتقنية بناء الجسور والعبّارات عليها وقد وصلت شبكات الطرق البرية لديهم أكبر اتساع لها في القرن الثاني الميلادي حيث غطت معظم مدن الإمبراطورية الرومانية حتى قيل بأنّ الحضارة الرومانية تنتقل من خلال طرقها بسبب كثرتها وطولها.
ويعتبر الرومان أول من بنوا الطرق المرصوفة السريعة والجيدة ..
.
وفي “سورية” بنوا شبكة واسعة من هذه الطرق وذلك للأغراض التجارية والعسكرية منها الطرق الرئيسية المعبّدة والترابية المحسّنة ..وقد مكنتهم طبيعة الهضاب الداخلية في سورية وسهولة الحصول على الحجارة فيها، وسطحها المنبسط، من تعبيد تلك الطرق،
.
وكان لهم من موقع سورية الجغرافي والاستراتيجي، بين البحار الخمسة، وعلى تخوم الإمبراطورية الفارسية المنافسة ما يشجعهم أو يدفعهم إلى القيام بذلك، لاسيما بعد أن قضوا على دولة الأنباط العربية، منافستهم التجارية في الجنوب، وبلوغهم البحر الأحمر، منافذ شبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي.
.
فقد كانت في سورية 22 طريقاً رومانية تصلها بالاناضول وارمينيا شمالا” وبلاد الرافدين والجزيرة العربية ومصر في الشرق والجنوب والجنوب الغربي.
.
وكانت تلك الطرق تتلاقى في مراكز المدن الهامة مثل: أنطاكية، وكلس، وقنسرين، ومنبج، وأورفة وسورى، ودورا أوروبوس (الصالحية) على الفرات، والرصافة، وتدمر، وأفاميا، ودمشق، وبصرى.
.
وفي هذه الأخيرة وحدها كانت تلتقي خمس طرق معبدة، تصلها بكافة الجهات. ومن أشهر تلك الطرق طريق ديوقليسيان، المُحاذي للبادية السورية بين دمشق وسورى على الفرات عبر تدمر، في مواجهة الطريق الملكية الفارسية، التي كانت تنطلق من سوزا وتحاذي في بعض مراحلها الضفة اليسرى للفرات حتى الرقة وحران.
.
وكان بعض تلك الطرق الشمالية يصل حتى ديار بكر على الدجلة في الجزيرة العليا، كما نذكر الطريق الساحلية التي تبدأ من اللاذقية وتنتهي إلى الإسكندرية بمصر.
.
وكان أجمل تلك الطرق، تلك التي كانت تنطلق من أنطاكية (عاصمة سورية في ذلك العصر).
فعلى تلك الطرق كانت تُنقل التوابل والبخور والذهب من شبه الجزيرة العربية، والمنسوجات من إيران، واللآلئ من الخليج، والحرير من الصين، والطيوب والجواهر والعاج من الهند، والمعادن من آسيا الصغرى، والخشب والملح والحبوب من سورية.
.
وقد أقام الرومان أبراجاً للحراسة بجانب تلك الطرق وفي أماكن مرتفعة لمراقبتها وحماية القوافل التجارية المارة عليها وبالقرب من مصادره المياه والإمدادات التموينية العسكرية حيث كانت المياه تُوفَّر لتلك الأبراج من الأنهر القريبة والآبار والأحواض والصهاريج أو تُجَّر بواسطة قساطل من أماكن بعيدة
ومنطقة “عفرين” مليئة بمثل هذه الآبار والأحواض والصهاريج في تقاطعات الطرق القديمة.
.
وكانت “إنطاكية” عاصمة الولاية الرومانية الشرقية وكانت صلاتها مع الشرق تتم عبر طريقين رئيسيين أحدهما عبر منطقة “حارم” /”باب الهوى”/ متجهاً شرقاً نحو “حلب” والثاني عبر “سهل جومة” ويُستخدم للاتصال بين “إنطاكية” ومدن أواسط “الأناضول” و”الجزيرة”.
.
وكان لجبل “ليلون” /جبل “سمعان” في الفترة الرومانية ثلاثة طرق رئيسية لتأمين الاتصال بين التجمعات السكانية آنذاك وتلك الطرق هي:
- الطريق الرئيسي “إنطاكية” -“حلب” وكان يمر جنوب جبل “ليلون” وكان يتفرع منه عدة طرق فرعية لربط قرى جبل “ليلون” بمدينة “إنطاكية” حيث كانت منطقة جبل “ليلون” تابعة إدارياً لمدينة “إنطاكية” عاصمة العواصم آنذاك،
- والثاني كان يربط “سيروس” /”قلعة النبي هوري حالياً/ بمدينة “أفاميا”
- والثالث كان يبدأ من الطرف الشمالي لجبل “ليلون” مروراً بقراه الأثرية وصولاً إلى طريق “إنطاكية” -“حلب” الرئيسي .
.
وحول الطريق الرئيسي الذي كان يصل مدينة “إنطاكية” بمدينة “قنسرين” الواقعة إلى الجنوب من مدينة “حلب” فقد وصلت شبكة الطرق الرومانية البرية في أكبر اتساع لها في أيام الإمبراطور “تراجان” وذلك في بداية القرن الثاني الميلادي حيث وصل طولها إلى حوالي 85 ألف كيلو متر وامتدت من عند جدار الإمبراطور “أدريان” في “اسكتنلنده” وهو الجدار الذي يفصل اليوم بين “اسكتلنده” و”انكلترة” في الغرب وحتى “نهر دجلة” في الجهة الشرقية.
.
اما في “سورية” فقد كان طول شبكة الطرق أيام الرومان أضعاف طول شبكة الطرق الحالية فيها فمثلاً كانت هناك ثمانية طرق تصل إلى مدينة “تدمر” ومثلها من الطرق كانت تصل إلى مدينة “بصرى”.
.
وكان الطريق الروماني يمر من “حلب” إلى “قنسرين” ثم “كفركمين” إلى “باب الهوى” فـ”أنطاكيا”، هذا هو مسار الطريق الروماني القديم، الذي كان يربط محافظة “حلب” مع “إدلب” مع “أنطاكيا”، والذي يعتبر أقدم طرق للمواصلات في محافظة “إدلب”، حيث يمرّ ضمن أراضي المحافظة من ناحية “الدانا”، شمال مدينة إدلب بحوالي 45 كم.
.
عرض الطريق 5,5 متر وطوله حوالي 100 كم ولا يزال قسم منه موجوداً حتى اليوم قرب قرية “تل عقبرين” -“تل الكرامة” حالياً التابعة لمحافظة “ادلب” ويبلغ طول القطعة المتبقية 1100 متر،
.
والطريق بشكل عام كان مرصوفاً بواسطة طبقة من بلاطات حجرية كلسية جيدة سماكتها 70 سم وتحتها توجد طبقة سماكتها 30 سم مؤلفة من الحجر الصغير والبلوكاج الخشن بمعنى أنّ سماكة الطريق الكلي كان يبلغ حوالي المتر في المناطق الصخرية مثل المنطقة الواقعة قرب قرية “تل عقبرين”، أما في المناطق المستنقعية ذات التربة الرخوة فكانت سماكة الطريق تصل إلى مترين مؤلفة من أربعة طبقات تنتهي في الأعلى بالحجر ليكون هناك إمكانية لإنشاء عبّارة تمر من خلالها المياه وذلك بين طرفي الطريق ..فالرومان كانوا مشهورين ببناء الجسور والعبّارات ومن الأمثلة على ذلك الجسرين الرومانيين في منطقة “عفرين”.
.
لقد كان هذا الطريق بسبب أهميته الإستراتيجية وباعتباره من طرق الدرجة الأولى يُرمّم من العاصمة “روما” /”الرومان” كان لديهم تصنيفات ودرجات للطرق/ وذلك كي يكون جاهزاً بشكل دائم عند الحاجة إليه سواء حين الدفاع عن أراضي الإمبراطورية أو الهجوم على مناطق مجاورة وقد كان لدى “الرومان” خرائط جميع طرقهم اعتباراً من القرن الثاني الميلادي، وبين الفترة والأخرى كان المتخصصون يحملون الخرائط ويجوبون الطرق الهامة بهدف الصيانة والترميم إذا لزم الأمر.
.
وكانت توجد على أطراف الطريق مهما كان طويلاً نقاط تحديد المسافات وهي عبارة عن أعمدة قصيرة تُسمى الحجارة الميلية /نسبة إلى الميل وهو مقياس طول المسافات/ وكانوا يكتبون عليها إضافةً إلى المسافات بين المدن الرومانية تذكاراً لمرور الأباطرة على الطريق أو الذين أنشؤوه أو رمموه،
.
كانت أحجار المسافات الميلية تتضمن قياس المسافات بين المدن والمناطق الرومانية بالميل والميل الروماني القديم كان يساوي ألف خطوة مزدوجة لجندي المشاة في الجيش الروماني والخطوة بحسب القياسات الحالية تساوي 74 سم، وهذا يعني أنّ الخطوة 74 سم x 2 /لأن الخطوة مزدوجة/ تساوي 1,48 متر x1000 /خطوة/ يساوي 1,48 كم وهو قياس الميل الروماني،
وفي “سورية” توجد عدد من هذه الحجارة الميلية وذلك في متحف “اللاذقية” ومتحف “أفامية” وعند مدخل قلعة “بصرى”.
.
لقد تم البدء بإنشاء هذا الطريق منذ دخول الرومانيين إلى “سورية” وذلك في العام 64 قبل الميلاد ولكنه رُمّم أكثر من مرة وهناك كتابة موجودة على لوحة حجر ميلي بالقرب من “قصر البنات” الواقع بين “باب الهوى” و”عين دلفة” -محافظة “ادلب” تعود إلى أيام الإمبراطور “مارك أوريل” بين 160 -180 م ربما تشير إلى ترميم حدث في عصره، وبالتأكيد جرت ترميمات لاحقة في العصور البيزنطية .
.
تمّ رصف هذا الطريق بالحجارة في عام 362 للميلاد، في عهد الامبراطور الروماني “يوليان”، وذلك بحسب ما ذكر الرّحالة “بوكوك” الذي مرّ بمحافظة “إدلب” في عام 1737، حيث قرأ هذا التاريخ منحوتاً على أحد أحجار الطريق، وإنّ بقايا هذا الطريق القديم ماتزال موجودة حتى اليوم بطول حتى 1200 متر، عند قرية “كفركمين” في محافظة “حلب” شرق بلدة “الدانا”،
. - وقد كان للطريق أهمية إستراتيجية للدولة الرومانية ومدينة “إنطاكية” عاصمة “سورية” من العام 312 قبل الميلاد وحتى الفتح العربي الإسلامي،
فالطريق كما هو معروف كان يصل “إنطاكية” بمدينة “قنسرين” -“حلب”، و”حلب” كانت واقعة على طريق الحرير الذي كان يعود إلى فترة أقدم من العصر الروماني،
. - وهناك أيضاً أهمية دينية للطريق لأنّ هناك اعتقاد بأنّ القديس “بولس” سار عليه في إحدى سفراته البرية إلى البرين التركي واليوناني،
كما كان الطريق يتقاطع مع الطريق الروماني الآخر “قورش” -“افامية” القريب من المكان الذي كان يقيم ويتعبد فيه القديس “سمعان العمودي” حيث كانت تسلكه قوافل الحجاج والزوّار.
.
والقوس الذي يعلو هذا الطريق بالقرب من “باب الهوى” يرتبط بحادثة تاريخية، مفادها أنّ ملك بيزنطة “قسطنطين” قام باعطاء “هارميسداس” شقيق ملك فارس “سابور الثاني” عام 323 للميلاد، قطعة أرض وذلك عندما هرب “هارميسداس” من “فارس” ولجأ إلى “بيزنطة”، فكان هذا القوس هو الحدّ الفاصل للأرض التي أعطاها “قسطنطين” لـ”هارميسداس”، وفي مكان هذا القوس الباقي حتى اليوم كانت تقوم بنية خدماتية متكاملة للمسافرين على الطريق، تضم فندقا ونبع ماء وكنيسة للمصلّين .


