اميرة ناجي ومقال ،عن العوالم التشكيلية لعمر المطلبي.

وهج الضوء في الذاكرة العراقية
قراءة في العوالم التشكيلية لعمر المطلبي

أميرة ناجي /بغداد

في التجارب التشكيلية التي تنبع من عمق المكان، لا يكون اللون مجرد أداة للرؤية، بل وسيلة لاستحضار الذاكرة وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته. ومن هذا المنطلق تكتسب أعمال الفنان عمر المطلبي خصوصيتها، إذ تتداخل فيها عناصر الطبيعة مع الضوء والذاكرة لتنتج مشهداً بصرياً يحمل ملامح العراق وروحه، ويمنح المتلقي فرصة للتأمل في جماليات المكان وتحولاته

قال الفنان الفرنسي كلود مونيه:

إنني لا أرسم المنظر بل أرسم الضوء الذي يتشكل فوقه.

هذه العبارة التي تختصر فلسفة الانطباعيين في النظر إلى العالم يمكن أن تكون مدخلاً حقيقياً لقراءة لوحات الفنان عمر المطلبي، حيث يبدو الضوء فيها ليس عنصراً مكملاً، وإنما ركيزة البنية البصرية والجوهر الذي تتخلق حوله المفردات، وتتوزع الكتل، وتتوازن الظلال، ويصبح الفضاء كله مساحة نابضة تتردد فيها حركة الطبيعة وروح المكان.

حين نقف أمام أعمال عمر المطلبي نكتشف أننا لسنا إزاء مشاهد جامدة ولا أمام توثيق بصري مباشر، بقدر ما نحن أمام قراءة روحية للمكان العراقي بكل ما يحمله من تاريخ وجذور وتجدد. فالمطلبي لا يلتقط المشهد من سطحه الظاهر، وإنما يغور في طبقاته العميقة ويعيد صياغته بلغة تقترب من الشعر الهادئ، غير أنها تعتمد على خطاب لوني كثيف ينهض على ضربات فرشاة واسعة ومتحررة، وتسعى إلى الإمساك باللحظة التي يتلامس فيها الحاضر مع أثر الماضي.

تبدو الطبيعة في أعماله كأنها تنبض بهدوء داخلي، فكثافة الأزرق في السماء لا تأتي كلونٍ فقط، بل إحساساً شفيفاً بأن الراهن محمول على أفق مفتوح، فيما تتدرج الخضرة في الأشجار والنخيل لتشير إلى استمرارية الحياة التي لا تنقطع وإلى الحاضنة التي تحتضن الإنسان العراقي في تفاصيل يومه. فنرى القرى والمياه والنواعير والبيوت الطينية والمراكب الصغيرة وقد تحولت إلى علامات ليست محكومة بالذاكرة وحدها، بل بالمعنى الذي تمنحه للفنان كإنسان يعيش المكان ويتشرب روحه ويعيد تقديمه كما لو كان كائناً له نبضه الخاص.

إن تحليل أسلوب عمر المطلبي يكشف انتماءه إلى مقاربة تشكيلية قريبة من التعبيرية الانطباعية، فهو لا يخضع الشكل إلى قواعد صارمة، ولا يقيد اللون بحقول محددة، بل يترك العلاقة بينهما تتولد ذاتياً من حركة الفرشاة وإيقاعها. وهو في ذلك لا يعامل السطح على أنه حامل ثابت، بل مسرح تتداخل فيه الطبقات وتتشابك المساحات ليولد بناء بصري تتقدم فيه الاختزاليات على التفاصيل. فالتكوين عنده يقوم على ومضات سريعة لكنها مدروسة، ويستند إلى فهم واضح لطبيعة الضوء وتحولات الظلال على المسطح المائي وعلى جدران البيوت وعلى جذوع النخيل وامتداد ضفاف الأنهار.

وإذا تأملنا لوحاته التي تمثل مشاهد من ضفاف الفرات أو بساتين القرى أو النواعير العتيقة نجد أن المطلبي يتعامل مع التراث البصري العراقي حضوراً حيّاً لا ينتمي إلى ماضٍ منقطع، بل يتجلى في كل لحظة من لحظات الحاضر. فالمعمار الطيني الذي يظهر في خلفيات أعماله ليس مجرد تذكير ببيئة قديمة، بل استدعاء للروح الأولى التي قامت عليها حياة الإنسان في هذه الجغرافيا. كما أن مركب القصب أو القارب الخشبي ليس مجرد وسيلة نقل، بل رمز لصوت الماء الذي شكّل حياة الناس منذ آلاف السنين. وتتحول هذه العناصر عنده إلى علامات حضارية تستمد قوتها من بساطتها ومن قربها من الإنسان ومن الطبيعة التي تحيط به.

يعتمد المطلبي في تكويناته على بناء مرئي يقوم على توزيع الكتل اللونية بطريقة تجعل الفضاء يبدو متماسكاً وإن جاء نابعا من ضربات حرة. ويستند في ذلك إلى حس مرهف بإيقاع التدرجات اللونية، فالتقابل بين الأصفر الترابي والأخضر النباتي، وبين الأزرق السماوي والدرجات الرمادية، يمنح اللوحة مزاجاً يقترب من مناخات الشرق القديم، وفي الوقت نفسه يعزز انتماء العمل إلى بيئة واضحة المعالم. فالمشاهد التي يرسمها ليست مجرد أماكن، بل بيئة ذات ذاكرة وروائح وأصوات، ولهذا ينجح المطلبي في جعل المتلقي يشعر بملمس الماء، وبحركة الريح، وبنعومة الضوء الذي يتسلل عبر أغصان الأشجار.

تقنية الفنان في التعامل مع اللوحة تمنح العمل قوة خاصة، فهو يشتغل على المساحات الكبيرة بلغة مقتضبة، لكنه يختار ضربات دقيقة في التفاصيل التي يريد إبرازها، مثل حركة الماء حول القارب، أو انكسار الضوء على سطح الجدار الطيني، أو تلك الظلال التي تتسرب من بين سعف النخيل. وكل ذلك يمنح الصورة حيوية تجعلها تبدو وكأنها لحظة بين السكون والحركة، كما لو أن اللوحة على وشك أن تتنفس أو تتحرك قليلاً نحو المتلقي.

ولا يمكن الحديث عن أعمال المطلبي من دون التوقف عند البعد الحضاري الذي ينهض عليه مشروعه الفني. فهو يقدم الرموز الشعبية والتراثية بطريقة تتجاوز الجانب التوثيقي لتصبح هذه الرموز لغة تشكيلية قائمة بذاتها. فالنواعير مثلاً ليست مجرد مفردة معمارية، بل رمز لحوار الإنسان مع النهر ولجهده في تحويل الماء إلى حياة. والقرى الطينية ليست مجرد منظومات سكنية، بل شيفرة عريقة لمعنى الاستقرار الإنساني في أرض الرافدين. وكذلك النخل الذي يظهر في لوحاته علامةً على الثبات والخصب والسمو. وهذه العناصر حين تتجاور داخل العمل التشكيلي تتحول إلى سرد بصري يعيد صياغة علاقة الإنسان بمكانه ويمنح المشهد قيمة تتجاوز الجمال المباشر لتصل إلى معنى الانتماء.

إن قدرة المطلبي على الجمع بين الحس الانطباعي وبين الاشتغال على التراث البصري تمنح أعماله فرادة تضعها في سياق المدرسة التعبيرية الانطباعية ذات الروح الشرقية. فهو يقترب من الانطباعيين في اهتمامه بالضوء وبضربات الفرشاة، لكنه يختلف عنهم في مرجعيته الثقافية وفي ربطه الدائم بين المشهد وطبقاته الحضارية. وهو بذلك يقدم فناً يزاوج بين الحداثة والانتماء، ويجعل من الريف العراقي ومن النهر ومن النواعير مادة فنية لا تكتفي بإظهار الجمال، بل تكشف عن روح المكان وتعطي للمتلقي فرصة ليعيد اكتشاف ذاكرته البصرية.

إن لوحات عمر المطلبي تفتح أمامنا أفقاً واسعاً لفهم علاقة الفنان بموروثه، فالفن الذي يصدر عن جذور حضارية يكون قادراً على إحياء الرموز وتحويلها إلى معادل بصري معاصر. وهذا ما يفعله المطلبي حين يعيد ترتيب المشهد بطريقة تجعله وثيقة جمالية وذات بعد إنساني في آن واحد. فهو يلتقط لحظة ضوئية هاربة، لكنه في الوقت نفسه يربطها بتاريخ طويل ويمنحها معنى يتجاوز حدود الزمن، لتبدو اللوحة كأنها مقطع من ذاكرة ممتدة لا نعرف بدايتها ولا تتوقف عند نهايتها.

وبهذا يصبح المطلبي فناناً يقدم تجربة تقوم على التوازن بين الرؤية الفردية والذاكرة الجماعية، وبين الحس الانطباعي والتراث المرئي، وبين حرية اللون وجاذبية الموضوع. ولهذا فإن أعماله لا تُقرأ على أنها مناظر طبيعية فحسب، بل قصائد لونية تحاول الإمساك بروح المكان العراقي وإعادة صياغته بطريقة تجعل الماضي حاضراً والحاضر ممتداً نحو جذور ما تزال تنبض بالحياة.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم