في معرض آمنة العزاوي..
الشظايا تستعيد حياتها
جمال العتّابي
تبدأ تجربة آمنة العزاوي*: من الانتباه إلى مادة مهملة، ومن الصبر على جمعها، ثم البحث عن العلاقات التي تستطيع أن تمنحها هيئة جديدة وقيمة جمالية جديدة.
في معرضها “زهور”، الذي أقامته في قاعة سلام عمر ببغداد في 10 من تشرين الأول ـ أكتوبر 2026، تقدم الفنانة العزاوي، تكوينات تجميعية من الصحون والأواني الخزفية المنزلية المهشمة. تأخذ هذه المواد، تعيد بناءها على هيئة أزهار متفاوتة الأحجام والألوان.
تمنح كلمة الناقد عليّ البزاز، “أنطولوجيا المهشّم”، مدخلاً فكرياً إلى المعرض، عبر تأمل حق الأشياء المهمشة، والروح الإنسانية المنكسرة، في الحضور والاعتبار. وتجد هذه الفكرة سندها في طبيعة الاشتغال نفسه.
يبدو الصبر عنصراً داخلاً في بنية هذه الأعمال. نستدلّ عليه من تتابع القطع، وتفاوت ميلها، وتدرج أحجامها، ومن القدرة على جمع هذا العدد من الأجزاء في حركة متماسكة. لكل شظية انحناؤها وحافاتها ولونها، ولكل موضع أثره في اتجاه التكوين، تمنح العمل اتساعاً، وتشدّه نحو المركز، فيما يتيح الفراغ بينهما ظهور طبقة أعمق. وتحتاج هذه العلاقات إلى حساسية تدرك متى تضيف، ومتى تترك للمسافة أن تؤدي وظيفتها.
تظهر هذه التكوينات: أن التجميع فعل بناء. فالقطع لا تكتسب قيمتها الفنية بمجرد إنقاذها من الإهمال، إذ تتولد القيمة من العلاقات التي تقيمها الفنانة بينها، ومن قدرتها على تحويل الاختلاف إلى وحدة تحتفظ بتنوعها. وهذا هو موضع الاختبار التشكيلي في التجربة: مدى ضرورة كل جزء في مكانه، وما يضيفه لونه وانحناؤه وحجمه إلى الهيئة الكلية.
ولعل اختيار الوردة يستمد معناه الأعمق من صلتها بالنمو. فالزهرة تتكون في زمن، وتتجمع عناصر حياتها تدريجياً حتى تبلغ لحظة التفتح. وفي أعمال العزاوي، تقابل هذا الزمن عناية إنسانية تبني الشكل قطعة بعد أخرى. في اكتمال التكوين ثمرة صبر، وفي انفتاحه على العين ما تبعثه الزهرة حين تولد من إحساس بالحياة وإمكان استمرارها.
المعنى الإنساني ينهض من احترام المادة، ومن الجهد الذي يُبذل كي تجد الأجزاء المتناثرة صلتها ببعضها. الكسر لا تُمحى آثاره، تبقى حاضرة في الهيئة الجديدة، لكنها تتغير حين تدخل في علاقات تجعلها قادرة على الإسهام في الجمال. إذ تمنحنا التجربة صورة محسوسة لما تستطيع العناية أن تفعله: أن ترى في الجزء الناقص قابلية للبناء، وأن تصبر حتى تظهر هذه القابلية.
في معرض “زهور” نرى جمالاً تكون ببطء. خلف كل زهرة عدد من القرارات الصغيرة، وخلف تماسكها جهد في الجمع والاختيار والتركيب. وحين تستقر الشظايا في هيئتها الجديدة، تمنح العين أكثر من متعة اللون والشكل، توقظ فيها الانتباه إلى ما يمكن أن يولد من الأشياء التي حسبناها انتهت. كأن وردة خرجت من الكسر، تحمل أثره، وتبعث على الحياة.
الخزف المكسور، الذي انتهت وظيفته اليومية، يزهر من جديد، يجد في التكوين الفني مجالاً لاستئناف حضوره. وما يستوقفنا هنا هو الكيفية التي تتحول بها بقايا الأواني إلى لغة بصرية، تحتفظ بذاكرة استعمالها، فيما تكتسب هيئة لم تكن متوقعة لها. ولعل خصوصية هذا العمل الفني تنبع من جدارة الفنانة آمنة على التأليف والمجانسة، وقدرتها على إحلال التواتر والتماثل في صلب عملها الفني، وهذا يحمل في حد ذاته سر اكتشافها لذلك المهمل الذي بدأت تنسج عليه تصميماتها المبتكرة، وتؤالف بالسهد، والحب، والمؤانسة الصافية، ما بين مفرداته ومتضاداته، ولولا أنها انفردت بهذا اللون الجديد من التأليف التشكيلي المضمخ بالعاطفة، لما أصبحت قريبة جداً من تلك النقطة التي يتحول فيها الهشيم إلى أثر فني جميل.
بهذا تتجاوز التجربة الاستجابة لمصادفة العثور على البقايا، إلى اختيار واعٍ يعيد النظر في الشكل الموجود. يصبح الكسر إجراءً بنائياً، تتبعه عمليات انتقاء وتوجيه وموازنة. وتكمن مسؤولية الفنانة في أن تجعل هذه التحولات مقنعة بصرياً، بحيث نرى ضرورة القطعة في مكانها، لا مجرد غرابة استخدامها.
ومع ذلك، فإن اتخاذ الوردة هيئة متكررة يضع التجربة أمام اختبارها الأهم. فالزهرة قادرة على استمالة النظر سريعاً، وقد يطغى جمالها المألوف على أسئلة المادة.
يكتسب المعرض معنى إنسانياً، في قراءة جديدة للعناية بالمكسور والمهشم، من دون اختزال الأعمال إلى استعارة جاهزة للروح المجروحة. فالخزف لا يقدم وعداً بمحو الانكسار، إنه يظهر إمكان البناء مع بقاء أثره. وتلك مسألة أشد عمقاً من ترميم الهيئة الأولى: أن تتغير صورة الشيء، وأن يواصل حضوره حاملاً ما حدث له.
عند هذه الحركة المزدوجة تنجح التجربة في إثارة السؤال: كم من الأشكال الممكنة أضعناها حين حسبنا أن الكسر هو نهاية الأشياء؟
آمنة العزاوي في معرضها الشخصي الأول، تقدّم قراءة جديدة في استعادة المهمل والمتشظي في حياتنا، تستعيد تشكيله في منظورات وتكوينات مثيرة ومقلقة، غير أنها متجانسة. كل شيء مفروش بذكاء وعناية، كي تجد الفنانة المسوغات في اقناع المتلقي بفرحة الخلق.
……………………..
*الفنانة آمنة العزاوي، من مواليد بغداد.
طالبة دكتوراه في فن الخزف.
شاركت في معارض عراقية عديدة للخزف.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


