النقد المسرحي العربي من إصدار الأحكام إلى تحليل العلامات

بقلم الباحث والناقد المغربي د.أحمد بلخيري

المصطلحات المسرحية أدوات أساسية لتحليل المسرح نصا وعرضا. ذلك أن المصطلحات عموما “هي مفاتيح العلوم، إذ بها تحيى هذه الأخيرة. وعليه، فإن المصطلحات المسرحية هي مفتاح علم المسرح”1. والمصطلح النقدي يعقب الإبداع عموما، إذ يوضع الأول ويُنحت بعد وجود الثاني أي الإبداع، التي تدل على الخلق والابتكار. ويكون الإبداع موضوعا للدراسة والتحليل. بناء على هذه الدراسة وهذا التحليل، يكون إنتاج ووضع المصطلحات النقدية. وفق هذا المنظور، حدد وقارن أرسطو مثلا بين فنين مختلفين هما الملحمة والتراجيديا 2. ولم يتأت له هذا إلا بعد وجود هذين الفنين في الثقافة اليونانية. بين الفيلسوف أرسطو والشاعر الملحمي هوميروس قرون من الزمن. عاش هوميروس3 في القرن التاسع قبل الميلاد، وعاش أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد (384 ق.م -322 ق.م). وقد تمكَّن أرسطو، بفضل عقله التحليلي، من تحديد الأسس الفنية للتراجيديا بعد قراءة نصوص تراجيدية يونانية، وعلى رأسها “أوديب ملكا” لسوفوكليس 4 . علاقة أرسطو إذن بالمسرح عموما والتراجيديا خصوصا، تتمثل في التحليل ووضع المصطلحات الدرامية والمسرحية المناسبة. لهذا، يتعلق تعبير “المسرح الأرسطي” بوضع المصطلحات وليس بالإبداع الدرامي والمسرحي. إن أرسطو ليس شاعرا أو مبدعا مسرحيا بل هو فيلسوف. وقد اعتبر محمد عابد الجابري كتاب “فن الشعر” جزء من المنطق عند أرسطو. يتكوَّن المنطق عند هذا الأخير، حسب الجابري، من ثمانية كتب هي: “المقولات، العبارة، التحليلات الأولى (أو القياس)، التحليلات الثانية (أو البرهان)، الجدل، الأغاليط أو السفسطة، ويضاف إليها كتابان: كتاب الخطابة وكتاب الشعر”5 .

في الثقافة اليونانية إذن سبق الإبداع الدرامي والمسرحي وضع المصطلحات المرتبطة بهذا الإبداع، أما في الثقافة العربية فقد كان العكس تماما. ذلك أن هذه الثقافة عرفت هذا النوع من المصطلحات أول مرة عن طريق ترجمة وتلخيص وشرح “فن الشعر” لأرسطو. يتعلق مفهوم الترجمة بما قام به متى بن يونس القنائي (توفي في بغداد سنة 940 م) الذي يبدو أنه ترجم كتاب “فن الشعر” عن اللغة السريانية. أما مفهوما التلخيص والشرح فينطبقان على ما قام به، كل على حدة، الفارابي وابن سينا وابن رشد. في ترجمة متى بن يونس، على سبيل المثال، توجد مصطلحات درامية ومسرحية مثل الدراماطا، والطراغوذيا، والقوموذيا إلخ6. وخلافا للمصطلح الشعري، فإن المصطلحات الدرامية والمسرحية لم تعرف طريقها إلى التداول والاستعمال النقدي في الثقافة العربية القديمة. قد يُعزى هذا إلى هيمنة المحافظة على الثقافة العربية القديمة في العصر العباسي وغياب الإبداع الدرامي والمسرحي. وقد عرفت هذه الثقافة في العصر المذكور المصطلح الدرامي والمسرحي عن طريق اللغة السريانية، وقد تكون عرفته أول مرة، قبل السريانية، عن طريق اللغة اليونانية. فقد افترض عبد الرحمن بدوي أن يكون الكندي، الذي توفي في أواخر سنة 252 هـ، قد لخص كتاب “فن الشعر” “عن اليونانية مباشرة”7.

عرفت الثقافة العربية القديمة في العصر العباسي المصطلح الدرامي والمسرحي الأرسطي، لكن لا يوجد فيها أي أثر للنقد المسرحي والخطاب المسرحي. أما قبل هذا العصر فلا يوجد فيها، حسب المعطيات الموجودة إلى حد الآن، الخطاب المسرحي والمصطلح المسرحي و النقد المسرحي. لم يظهر فيها الخطاب والمصطلح والنقد المسرحيون إلا في العصر الحديث. تزامن ظهور المصطلح المسرحي مع ظهور الخطاب المسرحي. هذا ما تبينه خطبة مارون النقاش التي حدد فيها الهدف من المسرح حين تقديمه لمسرحية “البخيل” في نهاية سنة 1847 م. المصطلح المسرحي مأخوذ هذه المرة عن اللغات الأوروبية وليس عن السريانية كما كان الأمر في السابق أي في العصر العباسي. وفضلا عن ورود مصطلحات مسرحية مثل “مرسح أدبي” و”المراسح”، فقد ذُكرت في هذه الخطبة مصطلحات: “تراجيديا”، و”كوميديا”، و”دراما”، وهذه أنواع مسرحية، و”المشخصون”8. وفي محاضرة ألقاها يعقوب صنوع في فرنسا سنة 1903م، ذُكرت الهزليات (Les Farces)، والملاهي (Les Comédies)، والغنائيات (Les Opérettes)، والمسرحيات العصرية (Les Drames)9. هكذا “ظهرت المصطلحات المسرحية بالتدريج وترسخت في الوسط العلمي العربي”10. استُعملت مصطلحات مسرحية في البداية من لدن ممارسين مسرحيين وفي طليعتهم مارون النقاش. واستُعملت لاحقا في النقد المسرحي الصحفي، ثم في النقد المسرحي المنهجي. لهذا الترسيخ شقان، شق أول يتعلق بالتعريف بمصطلحات ومفاهيم مسرحية على الصعيد النظري. في هذا الإطار يندرج إعداد معاجم مسرحية11 . وشق ثان يتعلق بالممارسة النقدية التي اتخذت موضوعا لها الخطاب المسرحي. ذلك أن هناك كتبا نقدية عديدة اشتغل فيها أصحابها على الخطاب الدرامي انطلاقا من مصطلح مسرحي محدد. في هذا السياق يمكن ذكر، على سبيل المثال، “حياة التراجيديا”12 لعبد الواحد ابن ياسر، و”المتاتياترو المسرح داخل المسرح”13 لرضا غالب، و”العجيب السحري في المسرح المغربي”14 لعبد الفتاح الشادلي، و”اللغات الدرامية وظائفها وآليات اشتغالها”15 لمحمد أبو العلا، و”الديكور المسرحي”16 للويز مليكة، و”الفضاء المسرحي دراسة سيميائية”17 لأكرم اليوسف. هذا الكتاب الأخير دليل على مواكبة النقد المسرحي العربي المعاصر لجديد المناهج النقدية ومنها السيميائيات. هذا إضافة إلى الكتب النقدية التي تضمنت مقالات تندرج في إطار النقد المسرحي، ومنها كتابان ينتميان إلى زمنين مختلفين هما: “في النقد المسرحي”18 لمحمد غنيمي هلال، و “الخطاب المسرحي في العالم العربي 1990-2006″19 لوطفاء حمادي. لا يرتبط وضع المصطلح المسرحي بالنص الدرامي والعرض المسرحي فقط، بل إن هذا الوضع منفتح على علوم عديدة، نظرا للتداخل المعرفي بين شتى أصناف وحقول المعرفة، منها علم النفس:”الدراما النفسية”، وعلم الاجتماع: “السوسيو دراما”، والإثنوسينولوجيا L’ethnoscénologie20 ، والانثربولوجيا: “أنثربولوجيا المسرح”، والسيميائيات: “سيميائيات المسرح” إلخ….نتيجة لذلك، يبدو واضحا أن إبداع ووضع المصطلحات المسرحية قد يكون من المبدعين المسرحيين والنقاد والباحثين. في إطار سيميائيات المسرح، يندرج كتاب “الفضاء المسرحي دراسة سيميائية ” السابق الذكر. العنوان الفرعي لطبعة 1994 ، ومتنه أيضا، يدلان على ذلك. أشار الباحث في البداية إلى منهج البحث المرتكز على السيميائيات، ودراسة العلامات هي موضوع هذه الأخيرة. من هنا كان الاهتمام في بداية الكتاب بالجانب التاريخي، باقتضاب، بمفهوم العلامة . هذا الاهتمام ليس جديدا، إذ”ليست نظرية الدلالة، أو العلامة أو السيمياء Semiotics بالنظرية الجديدة، إن وراءها جذورا فلسفية عميقة، فقد ظهرت عند أفلاطون وخاصة في الحوار الذي يحمل عنوان Cratyle، وكذلك عند أرسطو الذي اهتم بغائية اللغة في كتاب “البلاغة” وحاول التقريب بين العلاقة والرمز”21. اهتم بالعلامة بعد أرسطو-حسب الباحث- أوغسطين S.Augustin ، وتشارلز ساندرس بورس Ch.S.Pierce، وسوسور F.D.Saussure ، ومدرسة براغ، ورولان بارت R. Barthes.

رغم هذا الاهتمام فإن الأمر “لم يصل إلى حد الوصول إلى “علم دلالة المسرح” كما حصل مع اللغة والأدب، وبقي محصورا بما يسمى “علم الدلالة في المسرح” بمعنى تطبيق السمياء الألسنية لتحليل وتفسير النص والتمثيل المسرحيين بحيث تعنى هذه الطريقة بالانتظام الشكلي أو الشكلاني-الظاهري للنص المسرحي والمشهد المسرحي- وبالانتظام الباطني الداخلي للأنساق الدالة التي يتألف منها ويتكون كل من النص المسرحي والمشهد المسرحي، وتعنى أيضا بدينامية تطور سياق المعنى ومدلول اللفظ والتعبير”22.

يُفصح هذا الاستشهاد الأخير عن طموح، يتمثل في تأسيس “علم دلالة المسرح”. هذا العلم لايقتصر على الدراسة الشكلانية للنص المسرحي، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة باطن الأنساق الدالة، وليس نسقا دالا واحدا، و”دينامية تطور سياق المعنى ومدلول اللفظ والتعبير”. وغني عن البيان أن أساس العلم ليس هو إصدار الأحكام، والتعبير عن الانطباعات الشخصية، والتأويل غير المرتكز على معطيات نصية من موضوع التحليل؛ ولكنَّ أساسَه هو الوصفُ والتصنيفُ والتحليلُ. وقبل التركيز على موضوع الكتاب، وهو دراسة الفضاء المسرحي من منظور سيميائي، تجدر الإشارة إلى أنه تم التنصيص في الكتاب على ازدواجية الخطاب المسرحي. سبب هذه الازدواجية هو وجود نصين: نص المؤلف الدرامي: النص الدرامي المكتوب؛ ونص المخرج المسرحي: نص العرض المسرحي. في هذا الإطار، كان التساؤل التالي:”هل للنص المسرحي صلة منطقية فعلا بسيمياء العرض المسرحي، وفيما لو كان من الممكن اعتبار سيمياء المسرح والدراما مشروعا واحدا متكاملا أو هما فرعان منفصلان23 تماما؟”24. تساؤل يوحي بأن العلامات المستعمَلة في العرض المسرحي ليست هي ذات العلامات المستعمَلة في النص الدرامي.

هذا الإيحاء تم تأكيده انطلاقا من المخاطَب الموجهة إليه الرسالة Le message من جهة، وتعدد قنوات التواصل من جهة أخرى. ذلك أن “النص المسرحي25 يختلف عن النص الدرامي جذريا في كون رسالته موجهة لا إلى “ذوات” Subjects منفردة ومستقلة في المكان والزمان، بل إلى “ذوات” جمعية، ترتبط مع بعضها البعض في علاقة (نحن/الآن/هنا). كما أن هذه الرسالة تنتج عموما بواسطة تعدد-قنوات إعلامية من موسيقى وحركة وديكور وإضاءة..الخ. إضافة إلى الأنساق اللغوية التي تميز خطاب النص الدرامي”26. بناء على التمييز، واعتمادا على كير إيلام، تم تحديد عدد من المفاهيم المسرحية ومنها التمييز بين الفضاء الدرامي والفضاء المسرحي، اللذين تشارك في صياغتهما مكونات صغرى “هي الفضاء والزمان والفواعل “الشخصيات” وطرق تمكن البنيات Structures السردية والمادية من تنزيلهما في إطار زماني-مكاني Cronotop Frame ، وتمكن الفواعل Subjects من شحنها دلاليا”27.

وفق هذا المنظور، كان التأكيد على أن “أي دراسة سيميائية لمكونات النص المسرحي تعتمد أولا، وبشكل خاص على الوحدة الأساسية للنص، وهي العلامة المسرحية، أو الطريقة التي تشتغل بها أنساق العلامات من أجل إنتاج معنى،لأن النص المسرحي لايدرك إلا بحدوده الفضائية”28. وعلى هذا الأساس، كانت دراسة “سيمياء الفضاء المسرحي” وتقطيعه.ولأن موضوع الدراسة هو الفضاء المسرحي وليس الفضاء الدرامي، فقد كان تقطيع الفضاء المسرحي اعتمادا على تصنيف طاديوز كاوزن Tadeusz Kowzan (كوفزان) المقَسَّم “إلى خمسة أقسام رئيسية تمت دراستها في الكتاب وهي:1-أنساق التعبير الجسدي، إيماء، حركة، تحرك.2-أنساق المكان الحركي: أغراض، ديكور، إضاءة.3-أنساق المظهر الخارجي للممثل: ماكياج-تسريحة-لباس.4-أنساق النص المنطوق: الكلام، النبرة.5-أنساق المؤثرات السمعية غير المنطوقة: موسيقى، مؤثرات صوتية أخرى”29. انطلاقا من هذا التقسيم كانت دراسة كل نسق من هذه الأنساق في الكتاب. وبصفة عامة، يمكن القول إن كتاب “الفضاء المسرحي دراسة سيميائية” كتاب رائد في مجاله على صعيد الثقافة العربية، فقد طبع أول مرة سنة 1994. وهو كتاب يهتم بالوصف والتحليل، اعتمادا على دراسات غربية، وليس على إصدار الأحكام واللغة الإنشائية والانطباعية. لكن هذا الكتاب بقي محصورا في الإطار النظري رغم تقديم بعض الأمثلة التوضيحية أحيانا.

الاعتماد على دراسات غربية تتعلق بالسيميائيات كان سببا في ذكر مصطلحات تتصل بهذه الأخيرة، ومنها على الخصوص مصطلح العلامة، والتحليل العلاماتي، ودستور Code، وأيقون Icone . كما كان سببا في ذكر اجتهادات بعض سيميائي المسرح الغربيين، ومنهم طاديوز كاوزن Tadeusz Kowzan ، وكير إيلام Keir Elam ، وأوتاكار زيش Otakar Zich . وبالمقابل، تبدو هيمنة إصدار الأحكام، على حساب الوصف والتحليل، في بعض الممارسات النقدية المسرحية العربية. يتجلى هذا من خلال تحليل اللغة النقدية المستعملة فيها. في هذا الإطار، يمكن تقديم مثالين ينتميان إلى حقبتين زمنيتين مختلفتين. المثال الأول هو “في النقد المسرحي” لمحمد غنيمي هلال؛ أما المثال الثاني فهو” الخطاب المسرحي في العالم العربي 1990-2006″ لوطفاء حمادي. نُشر كتاب “في النقد المسرحي” سنة 1975. وهو يتضمن مقالات تتبع من خلالها الناقد النشاط المسرحي المصري من سنة 1961 حتى آخر سنة 1963 “بمناسبة عرض بعض المسرحيات أو ظهورها”30. كلمة “ظهورها”، في السياق الذي وردت فيه، تدل ليس على العرض المسرحي بل على النص الدرامي.

وكانت عناوين هذه المقالات حسب ورودها في الكتاب على النحو التالي:1-مصادر شوقي في مصرع كيليوباترة،2-أزمة الضمير العالمي في مسرحية سارتر”،3- “نهاية اللعبة” ومسرح العبث31،4 -المسرحية بين الشعر القديم والجديد، 5-البناء الدرامي لمسرحية “لعبة الحب” أو أدب الجنس، 6-لغة المسرحية: بين الفصحى والعامية،7-وطنية شوقي في مسرحياته،8-مسرحية: جبهة الغيب لبشر فارس، 9-مسرحية إفيجينيا لاسماعيل البنهاوي، 10 –بريشت32. المقالة الأخيرة عرض وتلخيص ونقد لكتاب عن بريشت حسب قول الناقد نفسه. ومصادر شوقي في مصرع كيليوباترة، وأزمة الضمير العالمي، والمسرحية بين الشعر القديم والجديد، ولغة المسرحية بين الفصحى والعامية، ووطنية شوقي في مسرحياته هي قضايا ناقشها الناقد في الكتاب من وجهة نظره.

وكانت “نهاية اللعبة” لصمويل بيكيت، الفرنسي والإرلندي الأصل، فرصة للناقد للتعريف بمسرح العبث أو اللامعقول فنيا وفكريا، تعريف تجاوز ثلث المقالة، وهي تتكون من نحو أربع عشرة صفحة. والثلثان المتبقيان تخللتهما أفكار عن “في انتظار غودو”، وأفكار عن مسرح سارتر ومنه مسرحية “الذباب”. اللافت للانتباه هنا هو أنه بدل تحليل عرض مسرحي شاهده، فقد بدأت المقالة ب”عرض مسرح الجيب-منذ قليل-مسرحية تمثل اتجاها جديدا في المسرح العالمي المعاصر، هي مسرحية “نهاية اللعبة”…”33 ، تحدث عن النص الدرامي فكان الانتقال من العرض إلى النص. بقيت مقالة “البناء الدرامي لمسرحية “لعبة الحب” أو أدب الجنس”. يتضمن العنوان رغبة وتصنيفا، التصنيف في حد ذاته حكم. تتمثل الرغبة في سعيه نحو تحليل البناء الدرامي للمسرحية المذكورة، وتعني المسرحية هنا النص الدرامي. أما التصنيف فيتمثل في اعتبار المسرحية تنتمي إلى أدب الجنس. وحسب العنوان، فالحب مجرد لعبة لبلوغ غاية هي ممارسة الجنس.

يبدو أن هذا هو السبب الذي حدا بالناقد إلى تصنيفها في ذلك الإطار. بعد الحديث بشكل عام عن الجمال الفني والأعمال الفنية التي وصفها بالجادة، ظهرت مجموعة من الأحكام منها على سبيل المثال:1-“وهذا العالم-موضوع التصوير-كان يمكن أن يكون صالحا لخلق مسرحية عميقة لو أجيد إحكام البناء الفني”34 .2-“وتبدو هذه السذاجة-في تصوير شخصية نبيلة-حيلة مسرحية يتيح بها المؤلف خلوة عصام مع تلك السيدة كي نرى جانبا من جوانب عبث عصام وخداعه، ولكن على حساب سطحية التصوير وسذاجته. فالشخصيات تتحرك كأنها شدت بخيوط يحركها بها المؤلف لا على حسب سير الواقع المحتمل.

ولهذا يبدو حدث القمة-في رؤية الزوجة لزوجها يعانق غريمتها- مفتعلا، لا يكشف جديدا، بالنسبة للمشاهد، وكان يجب كذلك ألا يثير جديدا بالنسبة للزوجة نفسها، إذا راعينا مجرى الأحداث من قبل”35. 3- وعن شخصية الأم، أم عصام، قال:”كان يمكن أن تكون شخصية حية، لأنها صورة حب خصب منجب، ولأنها جمعت-إلى ذلك- إحساس الأمومة الطاهر، فلو كان المؤلف نماها لكان قد تعمق في معنى الأنوثة وعلاقات الجنس في صورة جديدة تتنوع بالشخصيات، فلا تظل كما كانت في المسرحية متوازية رتيبة”36. هذا إضافة إلى “حوار طيب”37، و”شخصيات رتيبة لا عمق نفسي فيها”38، “ولكن أحداث هذه الملهاة رتيبة”39، و”على الرغم من أن هذا التعليل مبتذل مطروق”40. يدعو الناقد إلى ما كان يجب أن يكون لأن منطق الأحداث الدرامية، حسب رأيه، لم يكن يسير وفق “الاحتمال” و”الإمكان”41. والاحتمال والإمكان مصطلحان أرسطيان. ذلك أن “مهمة الشاعر الحقيقية ليست في رواية الأمور كما وقعت فعلا، بل رواية ما يمكن أن يقع. والأشياء ممكنة، إما بحسب الاحتمال، أو بحسب الضرورة”42. إن أداة “لو” إضافة إلى عبارتي “كان يجب” و”ماكان يجب”، هكذا بلغة الوجوب، تدل كلها على عدم التقيد بما هو موجود، يتعين تحليله، لاسيما وأنه أشار إلى تبنيه للمنهج الوصفي.

هناك إذن طغيان للأحكام النقدية، هذا رغم إشارة الناقد في مقدمة الكتاب إلى أنه رأى أن يدرس المسرحيات “دراسة وصفية أولا”43. دراسة وصفية أو منهج وصفي44 ،يتم دعمه بالوعي التاريخي الجمالي والقيام بالمقارنة نظرا وعملا45. المراد بالوعي التاريخي الجمالي هو تاريخ علم جمال المسرح. هذه هي الخلاصة التي تم التوصل إليها في هذا الإطار. المثال الأول عن طغيان الأحكام النقدية على حساب التحليل يتعلق ب”تحليل” نص درامي. أما المثال الثاني فيتعلق ب”تحليل”عرض مسرحي. تجدر الإشارة، بداية، إلى أن عنوان كتاب وطفاء حمادي هو”الخطاب المسرحي في العالم العربي (1990-2006)”. إذا تم حصر مفهوم الخطاب المسرحي في خطاب العرض المسرحي، وليس في خطاب النص الدرامي، فالمُلاحَظ أنه توجد في الكتاب مقالات لاتتعلق مباشرة بذلك الخطاب. ذلك أنه تجميع لمقالات تتعلق بالنقد المسرحي، وتاريخ المسرح، والتكوين المسرحي، والتنظير المسرحي، والنص الدرامي، و العرض المسرحي. وحتى إذا تم دمج مفهوم خطاب النص الدرامي في إطار مفهوم الخطاب المسرحي، فإن معظم صفحات الكتاب مخصصة لغير هذا الخطاب.

انسجاما مع الموضوع هنا، وقع الاختيار على مقالة “عرض “الميسان” لروجيه عساف يعيد إنتاج الحكواتي في سياقه المتطور”. بدأت هذه المقالة بتحديد مصدر فكرة مسرحية “الميسان”. وهو مسرحية “فوينتي اوفيجنيا” (1600م) للكاتب الإسباني لوبي دي فيغا (1562-1635 م) التي تم ربطها بالمسرح الشعبي. بعد هذا قُسمت المقالة إلى ثلاثة عناوين فرعية هي:”آلية إعداد النص”، و”البنية التمثيلية”، و”السينوغرافيا والعناصر الأخرى”. تحت عنوان “إعداد النص” استشهدت الناقدة بكلام غير موثق موضوع بين مزدوجتين، يتعلق بحدث لبناني وقع سنة 1930 في قرية بليدا بجنوب لبنان. موضوع هذا الحدث هو تمرد أهل القرية على سيدهم الإقطاعي. بعد هذا، كانت المقارنة بين النص الدرامي المشار إليه سابقا والنص الدرامي الذي أعده روجيه عساف، حيث كان استبدال فكرة الإقطاع بمقاومة العدو الإسرائيلي. يُستفاد من هذا الاستبدال تغيير مضمون الصراع الدرامي في النص الذي أعده روجيه عساف بالمقارنة مع النص الأصلي. هذا التغيير أدى إلى تغيير على مستويات الشخصيات والزمان والفضاء. بعد هذا كان التساؤل التالي: “كيف تمت صياغة وتجسيد هذا النص على خشبة المسرح”؟46. جوابا عن هذا السؤال، لاحظت الناقدة أن روجيه عساف سعى إلى الإبقاء على “الصياغة التي تتلاءم مع أسلوب عمله بشكل عام”47. الجمل القليلة، وهي استشهاد من المسرحية، التي أعقبت هذه العبارة المتعلقة بالأسلوب تحدد هذا الأخير. إنه “التشابك التمثيلي الوهمي المركب مع الواقع، حيث يغدو هذا الواقع برمته موضع الشك…” وهو استشهاد يبدو أنه مأخوذ من تقديم للنص الدرامي، إذ بعد المزدوجتين وردت كلمة المسرحية موضوعة بين قوسين.

وحكمت على الكتابة، من خلال العرض المسرحي، بأن النص “تأثر بأسلوب الباروك48 في المسرح حيث لايلتزم بأي قواعد كتابية”49. كانت نتيجة هذه الكتابة، انتقال “الممثل/الشخصية من مفاجأة إلى أخرى”50. ولاحظت الناقدة أن الأحداث “كانت تتلاحق ثم تتقطع، ثم تتواصل وتستمر”51. أدى هذا “إلى خلق حالة صعبة على الفهم”52 بالنسبة للمُشاهد. واستُعملت في العرض “لعبة المسرح داخل المسرح، الأمر الذي خلط الأمور على المشاهد وحمل إليه الإرباك، ولسنا ندري إذا كان المطلوب إرباك هذا المشاهد ووضعه في وضع تساؤلي، استفهامي يسعى بنفسه إلى إعادة ترتيب المشاهد”53 . لكن رغم ذلك “فقد جاءت الأفكار مكثفة ومتعددة”54 . ورأت الناقدة أن “عرس الضيعة، والكومندار، والضابط والجيش الإسرائيلي، وسهى بشارة كلها أفكار غنية تصب في رؤية عساف الفنية/الإخراجية وتنشد إلى التشديد على فكرة المقاومة…”55 . كما أقرت بأن عساف اعترضته “صعوبة التماثل مع أسلوب الباروك الذي يقتضي بأن يصل المشاهد إلى حالة من الشك بالحقيقة لأن عملية إدراك أبعاد كل جزء من قبل المشاهد عملية صعبة”56 .

ولاحظت الناقدة أن عساف جمع في ذلك العرض “بين فنون متعددة سمعية كالغناء وبصرية (الرقص والدبكة) واعتمد على الحركة المميزة البهلوانية (عصام أبو خالد) والإضاءة بالألوان. وهو بذلك يريد أن يتوجه إلى كل حواس الجمهور، وهمه في ذلك توظيف كل هذه العناصر مجتمعة لإضفاء الطابع الاحتفالي الذي وظفه، كما وظف السينوغرافيا والديكور بطريقة جعلتهما جزءا من مكونات العرض وليست إطارا له، فضلا عن القدرات التمثيلية التي تميز بها العرض”57 .

في هذه المقالة توجد مجموعة من الأحكام تتعلق بما سمته “البنية التمثيلية”. منها “الطرافة والجدة”، و”تعبيرية جميلة”، و”وقع مميز وقدرة لافتة”، و”اتسم أداؤه بنضج في التجربة”، و”تمتاز بالصدق”. وهي أحكام تخص أداء الممثلين حيث “اختار روجيه عساف مجموعة من الممثلين استطاعوا تأدية الحالة الاحتفالية بواسطة أداء مميز وفي إطار مشهدية جمالية تنم عن وعي عميق وإحساس كبير برزت من خلال تصميم السينوغرافيا وآلية توظيفها في هذا العرض”58. ذكرت الناقدة أسماء هؤلاء الممثلين الشخصية مقرونة أحيانا بالشخصيات التي قاموا بأدائها. كما تم الحكم على الرقصات والحركات بكونها “وظفت في إطار مشهدية جمالية أضفت على مناخ العرض بعضا من الحيوية وساهمت في إضفاء الطابع الاحتفالي المعبر عن دنيا الفلاحين”59 .

وبعد الإقرار بكون العرض تميز “بقدرة التعبير مشهديا وبصريا عبر سينوغرافيا واستخدام أدوات مسرحية ملأت فراغات الخشبة وقسمتها إلى عدة مستويات”60 ،أشارت إلى العربات الحديدية المتنقلة “التي وظف كل منها لأكثر من حالة ومن دور”61 . في هذا السياق، ذُكرت بعض الأدوار التي قامت بها تلك العربات. ورغم الوظيفة المباشرة للملالة/العربة الإسرائيلية فإنها ” لم تخترق جمالية العرض أو تتحداه بل جاءت منسجمة مع إيقاعه”62. أما الموسيقى فقد ساهمت في “خلق جو احتفالي جميل”63 . وإذا كان النص “يحتاج إلى بعض الترابط”64، فإن العرض امتاز “بجماليته البصرية وقدراته التمثيلية اللافتة”65 . بناء على ما سبق، يتضح أن مقالة الناقدة، موضوع الدراسة، تكاد تخلو من التحليل الدراماتورجي. وبالمقابل، تزخر بمجموعة من الأحكام الانطباعية، وقد تمت الإشارة إلى بعضها سابقا.

وبسبب عدم تحديد موضوع التحليل، وهو العرض المسرحي، فقد وضعت الناقدة نفسها مكان المُشاهد الذي افترضت أن إدراك أبعاد كل جزء من العرض عملية صعبة بالنسبة له، دون الاستناد إلى أي معطيات تتعلق بهذا المشاهد. هذا علما بأن المُشاهد مستويات ودرجات لاسيما من حيث الثقافة والإدراك. والمحلل عليه أن يحلل العلامات المسرحية بغض النظر عن سهولة أو صعوبة فهمها من لدن المُشاهد. ثم إن هذا الأخير يقع خارج العرض المسرحي،منهجيا، لاداخله. كما تحدثت الناقدة عن توظيف وجمع عدد من الفنون في العرض، لكنها لم تحلل هذه الفنون: أنواعها ومكوناتها وعلاقتها بالرسالة المسرحية والسياق الفني الذي وردت فيه ودلالاتها. كما لم تحلل دلالة اختلاف ألوان الإضاءة واكتفت بذكر اختلافها.

ووصفت حركة بكونها بهلوانية بعد الحكم عليها بكونها مميزة. واكتفت بذكر اسم الممثل الذي قام بها دون تحليلها في السياق الذي استُعملت فيه، ودون ربطها بباقي العلامات المسرحية التي تشترك وإياها في تكوين الرسالة المسرحية. ويبدو أنه تم النظر إلى الكتابة بمعناها اللفظي الدرامي وليس بمعناها المسرحي، لهذا ذُكرت كلمة “النص” الذي يقابل معناه هنا “العرض”. نتيجة لذلك، كانت الإشارة إلى انتقال الممثل/الشخصية من مفاجأة إلى أخرى دون تحديد ودون تحليل للعلامات المسرحية المائٍزة الخاص

أخر المقالات

منكم وإليكم