تشومسكي: أفرام نعوم تشومسكي:(Avram Noam Chomsky) مولود في فيلادلفيا بنسلفانيا الولايات المتحدة الأمريكية: (1928م _ ….)، عالم لغة وفيلسوف ومؤرخ وناقد وناشط سياسي وعالم إدراكي وعالم منطق أمريكي، أستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وألف أكثر من 100 كتاب، تم الاستشهاد بتشومسكي كمرجع أكثر من أي عالم حي خلال الفترة من 1980م حتى 1992م، كما صُنف بالمرتبة الثامنة لأكثر المراجع التي يتم الاستشهاد بها على الإطلاق، وصُوت له كـأبرز مثقفي العالم في استطلاع للرأي عام 2005م، ويوصف تشومسكي بأنه أبو علم اللسانيات المعاصر، حيث أسس نظرية النحو التوليدي، التي تعتبر أهم إسهام في مجال اللسانيات النظرية في القرن العشرين، ويُعد شخصية رئيسة في الفلسفة التحليلية.مُنح تشومسكي درجة الدكتوراه في اللغويات من جامعة بنسلفانيا عام 1955م، وأدار جزءا من أبحاثه في جامعة هارفارد كزميل في الجامعة لمدة أربع سنوات، وفي أطروحته بالدكتوراه طوّر تشومسكي بعضا من أفكاره اللغوية، وتوسع بها في كتابه “التراكيب النحوية 1957م”، وهو من أشهر كتبه في مجال اللغويات.انضم تشومسكي لهيئة تدريس معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) في عام 1955م، وعُيِّن في عام 1961م أستاذا في قسم اللغات الحديثة واللسانيات، ويسمى اليوم بقسم اللسانيات والفلسفة، ومن عام 1966م حتى 1976م حصل على الأستاذية الفخرية للغات الحديثة واللسانيات، وفي عام 1976م عُيّن بروفسورا للمعهد، وفي عام 2010م كان قد درس تشومسكي في المعهد لـمدة 55 عاما متواصلة.
تأثير تشومسكي العلمي:لم تُشغل الأوساط العلمية في العصر الحديث والمعاصر بعالم ونظريته كما شُغلت بتشومسكي ونظريته اللغوية، فقد أحدثت نظريته تحولات عظيمة في الفكر اللغوي العالمي وآلياته وأدوات تحليله، وتجاوز تأثير نظريته اللغوية حدود علم اللغة إلى آفاق العلوم الإنسانية والتطبيقية، كعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الأسلوب، وعلم أمراض الكلام، وعلوم الحاسوب، والترجمة الآلية، وعلوم الاتصال، وعلم الأعصاب، والبيولوجيا، والرياضيات، والطب، وعلم وظائف الأعضاء، والمناعة.أثر التسلسل الهرمي لتشومسكي:استُخدمت نماذج تشومسكي كأساس نظري في مجالات دراسية متنوعة، فيُدَرَّس تسلسل تشومسكي الهرمي غالباً في المقررات الرسمية لعلوم الحاسب؛ لأنها تعطي نظرة ثاقبة على مختلف أنواع اللغات الصورية، أما تصنيف تسلسل تشومسكي الهرمي قواعد النحو الشكلي إلى فئات إضافة إلى كونه متصل باللسانيات، فإنه أصبح مهما في علوم الحاسوب وخصوصا في البناء البرمجي ونظرية التشغيل الذاتي، ويوجد تكافؤ بين هذا التسلسل للغة وبين الأنواع المختلفة لأنظمة التشغيل الذاتي، كما اعترف عالم الكومبيوتر دونالد كانوث بقراءته كتاب البنى التركيبية لتشومسكي، وتأثره به بشكل عظيم، يقول: “ويجب أن أعترف بأخذي نسخة من كتاب تشومسكي معي أثناء رحلتي… وهناك وجدت أمراً مدهشا!: نظرية رياضية للغة، ومن الممكن من خلالها أن أستخدم حدس مبرمج الكومبيوتر”، ولهذا التسلسل اهتمام واضح من قبل علماء الرياضيات وخاصة المهتمين بالتوافقيات.كذلك استخدم نيلس يرني -الحائز على جائزة نوبل في الطب وعلم وظائف الأعضاء- نموذج تشومسكي التوليدي لشرح نظام المناعة البشري معادلا مكونات النحو التوليدي مع خصائص متنوعة من بنيات البروتين، وكانت محاضرة جيرن ستوكهولم لنوبل بعنوان النحو التوليدي في نظام المناعة.أما في علم النفس فقد أحدثت إسهامات تشومسكي في مجال اللسانيات تأثيرات عميقة على هذا العلم، وتعد اللسانيات بالنسبة لتشومسكي فرع عن علم النفس المعرفي، فالرؤى الأصيلة للسانيات تعبر عن فهم ذهني لجوانب العملية العقلية والطبيعة الإنسانية، وقد اعتُبرت نظريته في النحو الكلي كتحدٍ مباشر للنظريات السلوكية المتبعة والتي كان لها تأثير عظيم لفهم الطريقة التي يفهم بها الأطفال اللغة، وماهي قدرتهم على استخدام اللغة، كما تدور بعض الأفكار الجدلية في علم النفس التطوري حول نتائج أبحاث تشومسكي.في عام 1959م نشر تشومسكي نقدا مؤثرا لكتاب سكينر “السلوك اللفظي” واعتقد تشومسكي بأن التفسير الوظيفي والذي يتقيد بأسئلة الأداء الوظيفي يتجاهل الأسئلة المهمة، وركز على أسئلة تتعلق بتشغيل وتطوير البنى لتراكيب قابلة لتنظيم إبداعي مترابط وموائم يقوم بجمع الكلمات والجمل في طرح واضح ومفهوم.نظريته اللغوية: النظرية التوليدية التحويلية:هي في الحقيقة نظريتان متكاملتان، فالنظرية التوليدية عبارة عن مجموعة من القواعد التي تعمل من خلال عدد من المفردات على توليد عدد غير محدود من الجمل.أما النظرية التحويلية فتُعْنَى بتطبيق مجموعة من قواعد الحذف والاستبدال والإضافة وتغيير الموقعية على الجمل النواة للحصول على عدد غير متناه من الجمل الصحيحة.اعتمد تشومسكي في تأسيس نظريته اللغوية على مجموعة من المبادئ والفرضيات التي تم تعديلها وفق مقتضيات التطور النظري وآلياته، من هذه المبادئ ما يلي:
1- اللغة أفضل مرآة تعكس بصورة دقيقة وأمينة آليات التفكير في عقل الإنسان، وهذه نقطة التلاقي بين علم النفس وعلم اللغة، وبناء عليها ذهب بعض اللغويين إلى أن علم اللغة أهم مجال علمي يكشف عن إنسانية الإنسان.
2- مفهوم التحويل: وهو مفتاح نظرية تشومسكي، وتقوم فكرته على تطبيق مجموعة محددة من قواعد التحويل كالحذف والإضافة والاستبدال وتغيير الموقعية على عدد محدود من الجمل الصحيحة الأساسية (الجمل النواة أو الإخبارية) للحصول على عدد غير متناه من الجمل الصحيحة، مثل الجمل المنفية أو الاستفهامية أو المبنية للمجهول أو المفيدة للحصر والقصر…
3- النموذج الذهني والإبداع: تبنى تشومسكي مفهوم القدرة اللغوية الفطرية للإنسان أو ما يسمى بالنموذج الذهني، وهو عبارة عن آليات وقدرات لغوية فطرية غريزية تنمو من خلال التفاعل مع البيئة اللغوية أثناء مرحلة الطفولة، وتساعد على تقبل واكتساب المعلومات اللغوية وتخزينها وتكوين قواعد اللغة الأم، على مراحل تصاعدية، حتى تصل لمرحلة الاكتمال والثبات، وعندها يستطيع الطفل صياغة وفهم جمل لا متناهية لم يتكلم أو يسمع بها من قبل، وهذا مفهوم الإبداع، فالإنسان يتمتع ويتميز عن غيره من الكائنات بالتفكير واللغة والذكاء، فأغبى الناس يستطيع التكلم بينما أذكى الحيوانات لا يستطيع ذلك أبدا.لاحظ تشومسكي أن الطفل يختلف عن الكائنات الأخرى بقدرته على التفكير الاستقرائي اذا تعرض للمعطيات اللغوية، حيث يكتسب القدرة على فهم وإنتاج اللغة، في حين أن أي كائن آخر لن يكتسب أيًّا منها، وسمى هذه القدرة اللغوية الإنسانية الخاصة بـ”جهاز اكتساب اللغة”، واقترح أن تكون إحدى مهام اللسانيات معرفة هذا الجهاز، وماهي القيود التي يضعها على مجموعة محتملة من اللغات.كما تقوم مقاربة المبادئ والوسائط في محاضراته عن (الربط العاملي) بجعل المبادئ النحوية التي تحدد اللغة فطريةً وثابتةً، والاختلاف بين لغات العالم من الممكن أن يوصف من خلال وسائط موجودة بالضبط في الدماغ (مثل عامل الحذف أثناء النطق والذي يشير اذا كان موضوع ما مطلوب دوما)، ويجادل أصحاب هذا الرأي بأن الوقت التي يتعلم فيه الطفل اللغةَ سريعٌ بنحو غير قابل للتفسير، مالم يملك الأطفال قدرة فطرية لتعلم اللغة، وأنه يحتاج فقط لخصائص معينة ومحدودة من لغته الأم، ويسمى هذا المضمون الفطري للمعرفة اللغوية بالنحو الكلي، كما أن تتبع خطوات مشابهة من قبل الأطفال حول العالم حين يتعلمون اللغة، وحقيقة وقوع الأطفال في أخطاء محددة أثناء تعلمهم لغتهم الأولى، كلها من مؤشرات الفطرية في اكتساب اللغة.وكان لأفكار تشومسكي تأثير قوي على البحوث المتعلقة باكتساب اللغة عند الأطفال، على الرغم من أن الكثير من الباحثين في هذا المجال عارضوا بشدة نظرياته مثل اليزابيث بيتس ومايكل توماسيلو، حيث بدلاً من ذلك دعوا إلى نظريات التوالد أو الاتصالية والتي تقوم على شرح اللغة من خلال عدد من الآليات في الدماغ التي تتفاعل مع البيئة الاجتماعية الواسعة والمعقدة التي تُستخدم فيها اللغة وتُعلم.
4- البنية السطحية surface structure ، والبنية العميقة Deep structure :المستوى السطحي هو الذي يحدد شكل الجمل وينظمها كظاهرة مادية، أما البنية العمية فهي التي تعنى بالدلالة، وتحتوي على عدد من الجمل النواة الأساسية القابلة للتحويل.
5- التمييز بين الكفاءة اللغوية: Competence، والأداء الكلامي: Performance: الكفاءة مصطلح يعني نظام اللغة الكلي في ذهن أبنائها جميعا، ويتمثله الأفراد جزئيا أو ضمنيا، وهي ملكة خاصة يمتلكها أبناء اللغة الذين نشأوا وتربوا عليها، أما الأداء الكلامي فيعني طريقة تنفيذ الفرد واستعماله للغة كهدف للتواصل في المواقف المختلفة، وبمعنى آخر فإن الكفاءة تجسيد كامل لنظام اللغة عند جميع (مجموع) أفراد الجماعة اللغوية، والأداء الكلامي هو مجموعة الجمل التي ينطقها الأفراد تبعا لظروف الاتصال اليومية.
6- الكليات اللغوية: وهي أُطر هيكلية لبناء القوانين التي تخضع لها قواعد اللغات عامة، وتتضمن الشروط التي يجب توافرها لصياغة قواعد اللغات.وتتحدى لسانيات تشومسكي اللسانيات البنيوية وتمثل مقدمة للنحو التحويلي، وهذا التوجه يأخذ الكلام باعتباره متميزا بالنحو الشكلي، وخصوصا في النحو ذي السياق المستقل الممتد مع قواعد تحويلية، ومساهمته الأكثر تأثيراً في هذا المجال هو فرضية أن نمذجة معرفة اللغة باستخدام النحو الشكلي محسوبة لصالح إنتاجية وإبداع اللغة، وبعبارة أخرى، فالنحو الشكلي للغة ما يمكن أن يشرح قدرة السامع والمتحدث لإنتاج وتفسير عدد لا حصر له من الحديث – بما في ذلك الحديث الروائي- مع مجموعة محدودة من قواعد اللغة والمصطلحات .
النقد الموجه لنظرية تشومسكي:كان لنظريات تشومسكي تأثير كبير في مجال اللسانيات ولكنه تعرض للنقد كذلك، ومن الانتقادات المتكررة لتشومسكي بخصوص التنوع في نظرية النحو التوليدي هي أنها بالأصل أوروبية المركز أو أنجلو ساسكونية المركز، فقد كان عمل علماء اللسانيات في مجال النحو الكلي مبنيا على أساس عينة صغيرة من اللغات وأحياناً قد تكون واحدة.بدايةً كان التمركز الأوروبي واضحاً في التركيز المفرط على دراسة اللغة الإنجليزية إلى وقت ليس بالبعيد، والآن حصلت المئات من اللغات المختلفة على الاهتمام، على الأقل من قبل تحليل تشومسكي اللغوي، وعلى الرغم من تنوع اللغات التي تم دراستها من قبل اشتقاقات النحو الكلي، إلا أن النقاد استمروا في الجدال حول أساس نظرية تشومسكي ذات التوجه الأنجلوساكسوني، ولن تفلح في تفسير كثير من خصائص اللغات التي تختلف بطبيعتها عن اللغة الإنجليزية، ولذلك انتقد نهج تشومسكي كشكل من أشكال الاستعمارية اللغوية، إضافة لذلك تعتمد لسانيات تشومسكي بشكل كبير على فطرة المتحدثين بلغتهم الأم بخصوص الجمل هي ذات التركيب الجيد، وهذه الممارسة انتُقدت على أساس منهجي عام، وعارضه بعض علماء النفس وعلماء اللسانيات النفسية – رغم من تعاطفهم مع برنامجه العام – بأن لسانياته تولي اهتماما للمعطيات التجريبية لمعالجة اللغة، رغم أن نتائج تلك النظريات ليست مقنعة نفسيا، وتسائل نقاد آخرون: ما إذا كان ضروريا أن نفترض وجود نحو كلي لشرح اكتساب الأطفال للغة بحجة أن آليات التعلم العامة كافية؟وهناك اليوم فروع مختلفة عديدة للنحو التوليدي، فباستطاعة الفرد أن يرى الأُطر النحوية مثل نظرية نحو الجملة المبني على الرأس، والنحو الوظيفي المعجمي، والنحو التوفيقي التصنيفي ويعد بشكل عام تشومسكيا وتوليديا، لكن مع اختلافات كبيرة في التنفيذ.
ــــــــ
المصدر: مدونة القميري


