الناقد السينمائي العراق يكتب عن فيلم Aro Berria): إرث ما بعد الدكتاتور فرانكو.

فيلم (Aro Berria): إرث ما بعد الدكتاتور فرانكو

اسامة ختلان – مجلة « سومر» السينمائيةيأتي فيلم Aro Berria للمخرجة Irati Gorostidi Agirretxe بوصفه مشروعاً سينمائيا ًيتجاوز حدود السرد التقليدي، متخذاً من الأرشيف ــ الشخصي والجمعي ــ مادة حية لإعادة تشكيل الذاكرة لا تمثيلها فحسب. لا ينشغل العمل بإعادة بناء الماضي وفق خط زمني واضح، بل يسعى إلى تفكيكه من الداخل، عبر استدعائه كخبرة معاشة تعاد صياغتها بالصورة والصوت والأداء. هكذا، يتحول الأرشيف إلى جسد نابض، وإلى مساحة اختبار تتقاطع فيها السيرة الذاتية مع التاريخ الجماعي. فيلم”Aro Berria” للمخرجة إيراتي غوروستيدي أغويريتشي يقدّم نظرة تأملية على مجموعة من عمّال المعادن الذين يختارون العيش في مجتمع بديل خارج القيم السائدة. يركّز العمل على العلاقات الإنسانية والتجارب العاطفية والجسدية بعيداً عن نموذج الأحادية، في فضاء جماعي قائم على المشاركة والحرية. يمزج الفيلم بين الواقعية والبعد الحسي ليطرح أسئلة حول الحب، الجسد، والبحث عن أنماط عيش مختلفة. لا يعتمد فيلم “Aro Berria” على شخصية رئيسية واحدة واضحة، بل يقدّم مجموعة من الشخصيات داخل المجتمع الجماعي. التركيز يكون على الديناميكيات والعلاقات بينهم أكثر من تتبّع بطل فردي تقليدي.ينطلق الفيلم من تجربة عائلية مرتبطة بجماعة “أركو إيريس” في نافارا، في أعقاب نهاية ديكتاتورية Francisco Franco، وهي لحظة تاريخية اتسمت بانفتاح ملتبس بين التحرر والانكسار. ضمن هذا السياق، يستعيد العمل بروز الحركات المضادة للثقافة، مثل الامريكية Rainbow Family، التي سعت إلى ابتكار أشكال بديلة للعيش خارج بنى السلطة التقليدية. غير أن الفيلم لا يتعامل مع هذه التجارب بوصفها يوتوبيا، بل يكشف تناقضاتها الداخلية، حيث تتجاور الرغبة في التحرر مع أشكال خفية من الانضباط وإعادة إنتاج الهيمنة. بصرياً، يفرض الفيلم إيقاعاً تأملياً بطيئاً، تتقدم فيه الكاميرا بوصفها أداة غمر حسّي أكثر منها وسيلة مراقبة. الأجساد هنا ليست موضوعًا للصورة، بل لغتها الأساسية؛ من جلسات العلاج الجماعي إلى طقوس التانترا هي تقليد روحي نشأ في الهند ضمن الهندوسية والبوذية، يهدف إلى توسيع الوعي عبر ممارسات تجمع بين الجسد والعقل والطاقة. تُفهم أحيانا ًخطأً كطقوس جنسية فقط، لكنها في الأصل طريق روحي أوسع لتحقيق الانسجام والتحرر الداخلي. تتكثف التجربة إلى حد تصبح فيه الحسية غاية بحد ذاتها. غير أن هذا التركيز المفرط يقود أحياناً إلى تكرار إيقاعي يحدّ من الأفق النقدي للعمل، لصالح حالة من الانغماس المستمر. مع ذلك، تكشف غوروسْتيدي أغريريتشي عن وعي بصري صارم في بناء الكادر، حيث تُنظّم الفوضى الداخلية عبر تشكيلات دقيقة للصورة. ويمكن، من حيث الجرأة في التعامل مع الجسد وحدوده، استحضار مقارنات بعيدة مع Pier Paolo Pasolini، وإن ظلّ الاختلاف قائماً في السياق والمرجعيات.ما يمنح “Aro Berria” فرادته هو هذا التوتر بين التمثيل والتجربة، بين اللغة وهشاشتها، والجسد وصدقه. إنه عمل لا يسعى إلى تقديم إجابات، بقدر ما يضع موضوعه في حالة اهتزاز دائم، كاشفاً تشققات الجماعة بين الحرية والانضباط، بين الروحاني والسياسي. ورغم بعض اختلالاته البنيوية، ينجح الفيلم في ترك أثر ممتد، كأنه تجربة لم تنتهِ بعد، بل تستمر خارج حدود الشاشة.

#سينما العالم#مجلة ايليت فوتو ارت…

أخر المقالات

منكم وإليكم