بقلم د.علي خليفة
الحديث عن الجنس بشكل صريح لا يدعو للضحك، ولكنه غالبًا ما يدعو للإثارة، وهذا ما نراه في الأفلام والمسرحيات التي تهتم بهذا الأمر، ولكن الإشارات الجنسية التي تأخذ طريقة التلميح غالبًا ما تكون مثيرة للضحك، خاصة حين ترد في مواقف تستدعيها، وتتطلبها.
وغالبًا ما نرى توظيف الإشارات الجنسية كعنصر من عناصر الكوميديا فيما جرى العرف عليه بتسميته بالمسرح التجاري، الذي يهتم بالضحك قبل أي شيء، وعن طريق أي وسيلة.
ولكننا في هذا المقام سنتحدث عن توظيف الإشارات الجنسية كعنصر كوميديا في المسرحيات الكوميدية عالية القيمة، والتي لم تجعل الضحك هو هدفها الوحيد بها.
وفي المجتمعات القديمة التي كان الرجل هو المسيطر فيها، وكانت المرأة تشارك فيها على استحياء – كان الحديث عن الجنس فيه صراحة وجرأة، فلم يكن هناك حرج في تلك المجتمعات الذكورية من الجرأة في الحديث عن الجنس في الأدب، وخاصة الأدب الفكاهي؛ ولهذا لا نستغرب حين نرى كبار الكتاب العرب القدماء يذكرون كثيرًا من الأحاديث الطريفة، وفيها حديث صريح في أمور تخص الجنس، كما نرى في كتاب “الحيوان” للجاحظ، وكتاب “عيون الأخبار” لابن قتيبة، وكتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني.
والأمر كان كذلك في بلاد الإغريق قديمًا، فهو مجتمع يتحكم فيه الرجال، ولا تظهر المرأة في المسرحيات، بل كان يقوم الشباب المرد بتمثيل أدوارها، كما كان الحال كذلك في المسرح الإليزابيثي في إنجلترا.
ولهذا فليس غريبًا أن يكثر كتاب الكوميديا الإغريق من توظيف الإشارات الجنسية التي يكون بعضها صارخًا؛ من أجل إضحاك الجمهور، كما نرى في مسرحية “برلمان النساء” لأرسطوفان، ففي هذه المسرحية تتنكر براكسا في هيئة رجل، ويفعل بعض النساء مثلها، ويستغل أرسطوفان هذا التنكر؛ ليقوم بتوظيف إشارات جنسية واضحة كان يستسيغها المجتمع الأثيني آنذاك، ويضحك منها، ولكنها بلا شك تتنافى مع ذوق عصرنا الذي فيه تشارك المرأة الرجل مشاركة كاملة في كل شيء.
ونرى في بعض المسرحيات اللاتينية الكوميدية التي وصلتنا حديثًا عن أمور الجنس، ومن ذلك أننا نرى من ضمن الشخصيات الرئيسة في مسرحية “الحماة” لترنتيوس باخيس، وهي بغي تتاجر بجسدها، وتبدو جريئة في هذا الأمر، وكان بامفلوث عشيقها قد اضطره والداه لهجرها والزواج من فلومينا، ولكنه رغب عن زوجته، وظل على علاقته مع باخيس، ثم اكتشف أنها لعوب، وفضل زوجته عليها، ولكن الأحداث في هذه المسرحية لا تتوقف عند ذلك، فقد اكتشف بامفلوث أن زوجته قد اغتصبها شخص قبل زواجه منها، وأنها حامل منه، ويحتار بامفلوث فيما يفعله، وتحل باخيس المشكلة، فحين ترى فلومينا في إصبع باخيس الخاتم الذي أخذه منها الشخص الذي اغتصبها في الظلام ولم تره – تسألها عن صاحب هذا الخاتم الذي أخذته منه؟ وتعرفها باخيس أنها أخذته من زوجها بامفلوث، ويتضح لبامفلوث عند ذلك أنه هو الذي اغتصب زوجته قبل زواجه منها، عندما كان مخمورًا؛ ولهذا يعفو عنها، وتتحول باخيس من كونها بغيًّا لعوبًا إلى شخصية مصلحة؛ مما يقربها من شخصية البغي في مسرحية “المومس الفاضلة” لسارتر.
ونرى شكسبير أيضًا يوظف الإشارات الجنسية في بعض مسرحياته الكوميدية، ومن ذلك مسرحية “العبرة بالخواتيم”، وفي هذه المسرحية نرى بارول تابع فيرترام يتحدث مع هيلينا – التي سيتزوجها فيرترام مرغمًا بعد ذلك بأوامر من ملك فرنسا بعد أن شفته من مرض عضال بدواء كان قد أخبرها عنه والدها الطبيب قبل موته – ويشير لها إشارات واضحة لأمور خاصة بالجنس، والغريب أنها لا تستنكر كلامه، ولا تعنفه، بل تواصل حديثها معه، مما يجرئه على مواصلة ذكره لكلامه الذي فيه إشارات جنسية، ومنها دعوته لها بأن تفقد عذريتها على يديه. وأعتقد أن الذي جعل هيلينا تستمر في هذا الحديث الغريب مع ذلك الشخص الشهواني الوقح هو رغبة شكسبير في إضحاك الجماهير من خلال هذه الإشارات الجنسية.
وكان المجتمع الفرنسي في القرن السابع عشر راقيًا، وكانت المرأة تشارك في بعض الأنشطة الاجتماعية فيه، وكانت تمثل وتشاهد المسرحيات في المسارح؛ ولذلك لا نرى في مسرحيات موليير الكوميدية إشارات جنسية مبتذلة، ومع ذلك فإننا نراه يوظف بعض الإشارات الجنسية في بعض المواقف فيها، دون إسراف أو إسفاف؛ لأهداف تقتضيها المسرحيات التي وردت فيها مواقف فيها هذه الإشارات الجنسية، كما نرى في مسرحية “طرطيف” لموليير، فطرطيف مدعي التدين المنافق يشيح بنظره عن جزء مكشوف من صدر الخادمة دورين رياء، ولكنه حينما ينفرد بزوجة أرغون يكاشفها بحبه، ورغبته في ملامسة جسدها، ويبرر لها من خلال سفسطته أنها لو سلمته جسدها فلن تكون آثمة، وسيتحمل هو إثمها عنها، وبالطبع قصد موليير من الإشارات الجنسية هنا إظهار نفاق طرطيف وتهتكه، وشهوانيته التي أراد أن يتستر عليها في بعض المواقف، كما رأينا.
وكذلك نرى في مسرحية “الطبيب رغم أنفه” لموليير سجاناريل الحطاب – وقد أُجْبِرَ على أن يكون طبيبًا – يداعب المرضعة جاكلين بدعابات فيها إشارات جنسية واضحة، وكان غرض موليير من ذلك أن يكشف جوانب من شخصية سجاناريل، وفي الوقت نفسه كان يرغب في إظهار غيرة لوكاس زوج جاكلين وهو يرى سجاناريل يطارحها عبارات الغرام التي فيها إشارات جنسية واضحة.
ونرى في بعض المسرحيات الكوميدية العربية الجيدة توظيف الإشارات الجنسية، كعنصر من عناصر الكوميديا في بعض المواقف بها، ومن ذلك نرى ألفريد فرج في مسرحية “حلاق بغداد” يجعل أبا الفضول يصف لشخص صاحب مركز رفيع أنواعًا مختلفة من النساء يمكنه أن يحضرهن له، ويكون وصفه مغريًا وفيه بعض الإشارات الجنسية التي تستدعي الضحك.
وكذلك نرى في مسرحية “البهلوان” ليوسف إدريس توظيفًا للإشارات الجنسية كعنصر كوميدي فيها في بعض المواقف، خاصة في حديث حسن المهيلمي لسكرتيرته في الجريدة التي يرأس تحريرها.
وبهذا رأينا أن توظيف الإشارات الجنسية عنصر من عناصر الكوميديا في المواقف الكوميدية، ولكن أسلوب توظيفها اختلف في درجة جرأته في عصرنا هذا عن العصور القديمة، فلم تعد الإشارات الجنسية توظف بالشكل الصريح الذي كان في بعض المسرحيات قديمًا؛ لأن المرأة أصبحت في عصرنا تقاسم الرجل أمور الحياة، ولم يعد من اللياقة الحديث عن هذه الأمور بمثل تلك الطرق الصارخة التي كانت موجودة في بعض المسرحيات الكوميدية القديمة.
ك


