بقلم د.علي خليفة
(1)المقامة لغة تعني موضع القيام، ثم أصبح ذلك اللفظ يطلق على ما يقوله الشخص خلال قيامه، في مجلس من المجالس، وارتبط لفظ المقامة بعد ذلك بمواقف الوعظ، وبهذا المعنى ورد في كتاب “البيان والتبيين” للجاحظ، وكتاب “عيون الأخبار” لابن قتيبة، ثم أصبح لفظ المقامة يطلق على الجنس الأدبي الذي ابتكره بديع الزمان الهمذاني.وجنس المقامة كما ابتكره بديع الزمان الهمذاني عبارة عن قصة قصيرة، لها راوية هو عيسى بن هشام، وبطل هو أبو الفتح الإسكندري، وتدور أغلب قصص هذه المقامات عن الاحتيال والكُدْيَةِ؛ لأن بطلها أبا الفتح الإسكندري محتال ومتسول، وهو في الوقت نفسه شاعروأديب، واضطر للاحتيال والتسول؛ لأنه لم يجد مَن في عصره يقدرون مواهبه الأدبية.وأهم خصائص جنس المقامة الفنية – كما ابتكرها بديع الزمان الهمذاني – اعتمادها على السجع، والمزج بين الشعر والنثر، والمزج بين الحوار والسرد، كما تتبدى فيها الفكاهة بشكل واضح، وتتضافر عناصر الفكاهة فيها، وأهمها المفارقة والموقف، والتنكر والتكرار، والحوار الطريف، ورسم الصور المثيرة للضحك.وبطل مقامات الهمذاني هو محتال جريء، ورحالة لا يتوقف عن السفر، ويجيد التمثيل والتنكُّر، ولديه قدرة كبيرة على الجدل والحوار وإفحام الخصوم، وهو أيضًا متقلِّب، ولا يستحي من قيامه بالاحتيال أو التسول؛ لأنه يرى ظروف عصره اضطرته لهذا الأمر.
(2)وبعض النقاد المعاصرين يَرَوْن أن فن المقامة أقرب لفن القصة القصيرة، بل إننا نرى من هؤلاء النقاد من يرى أن القصة القصيرة في العصر الحديث في العالم العربي قد نشأت من خلال فن المقامة، وبالطبع في هذا مبالغة كبيرة، ومخالفة للوقائع، فقد نشأت القصة القصيرةفي العالم العربي في العصر الحديث من خلال التأثر بنموذجها في الغرب، خاصة عند أعلام كتابها، مثل: موباسان وتشيكوف وإدجار ألن بو.وكذلك نرى فريقًا آخر من الباحثين يَرَوْن أن فن المقامة هو أقرب الفنون التراثية العربية للمسرح، ومن النقاد الذين يقولون بهذا الرأي الدكتور علي الراعي والدكتور عبد الحميد يونس والدكتور حسن عباس.والحقيقة أننا حين نحاول البحث عن الظروف التي ابتكر خلالها بديع الزمان الهمذاني فن المقامة وعدد المقامات التي ألفها – ندرك بالفعل أن فن المقامة قريب جدًّا من فن المسرح، وأقل ما يقال في هذا الشأن أنه أحد فنون الفرجة القديمة عند العرب.وأوضح ذلك فأقول: إن بديع الزمان كان يملي مقاماته على تلاميذه بغرض تعليمهم وتثقيفهم، فكان يذكر في هذه المقامات كثيرًامن الألفاظ الغريبة، وأيضًا كان يملؤها بكثير من المعارف خاصة عن الأدب والشعر، وكان يقصد من ذلك أن يُعَرِّفَ تلاميذه هذه المتون اللغوية وتلك المعارف، وكان يرى أن هذا البناء القصصي الذي يعتمد عليه في تلك المقامات هو وسيلة لجذب طلاب العلم لتلقي تلك المقامات وحفظها وحفظ ما فيها من معارف.ولا أعتقد أن ذلك الهدف التعليمي كان السبب الوحيد في ابتكار بديع الزمان لفن المقامة، فأغلب الظن عندي أن بديع الزمان ابتكر هذا الجنس الأدبي بغرض إظهار عبقريته وموهبته الكبيرة في اختراع ذلك الجنس الأدبي والفني، ومما يدل على اعتزاز بديع الزمان بتلك المقامات التي ابتكرها وأبدعها أنه يذكر في بعض رسائله أنه كان يتحدى الخوارزمي منافسه في عصره بأن يكتب مقامات مثل مقاماته، مظهرًا بهذا تفوقه عليه؛ لأنه مبتكر ذلك الجنس الأدبي والفني.وقد ذكر الحصري القيرواني في كتاب “زهر الآداب وثمر الألباب”، وكتاب “جمع الجواهر في الملح والنوادر” أن بديع الزمان ألف أربعمائة مقامة، وأنه كان يمليها على تلاميذه خلال الدروس التي كان يلقيها عليهم.ولم يصلنا من مقامات بديع الزمان غير اثنتين وخمسين مقامة، وبهذا العدد نُشِرَتْ في عدة طبعات، وأهمها ما كان بتحقيق الإمام محمد عبده، ثم بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.وأغلب الظن عندي أن بديع الزمان قد أملى بالفعل ذلك العدد من المقامات – أو قريبًا منه – على تلاميذه، ولكنه حين أراد جمع مقاماته ونسخها ونشرها بين الناس لم يثبت منها إلا اثنتين وخمسين مقامة فقط – وهي تلك المقامات التي وصلتنا –وقد رأى أن شكل المقامة واضح فيها، أما المقامات الأخرى التي ألفها فلم يثبتها في ذلك الكتاب؛لأنه رآها تمثل تجارب غير مكتملة لابتكار فن المقامة.والأمر الآخر الذي أذكره في هذا الصدد – وهو المهم – أن إملاء بديع الزمان الهمذاني مقاماته على تلاميذه يدل على موهبته الكبيرة في الارتجال، وإن كنت أعتقد أن بعض مقامات الهمذاني لا يمكن أن يكون الهمذاني قد ألفها في نفس الوقت الذي كان يمليها فيها على تلاميذه؛ لأن عنصر الصنعة واضح فيها؛ مثل: المقامة “المضيرية”، والمقامة “الحُلْوانية”، والمقامة “البغداذية”.ولا أستبعد أن بديع الزمان الهمذاني كان يؤلف بعض مقامته، ويحفظها – وهو مشهور بقوة الحفظ – ثم يلقيها على تلاميذه، فيبدو كأنه يؤلفها في نفس الوقت الذي يلقيها على تلاميذه فيه.وإلقاء الهمذاني مقاماته على تلاميذه لا بد أنه كان يتتاسب مع طبيعة هذا الفن الذي فيه حوادث، وشخصيات، وأغلب الظن عندي أن بديع الزمان الهمذاني كان يلقي مقاماته على تلاميذه بأداء تمثيلي، فيلوِّنُ صوته مع ما يتناسب مع كل شخصية من شخصيات هذه المقامات، وكذلك أظن أنه كان يراعي خلال إلقائه هذه المقامات أن يكون إلقاؤه لها مثيرًا للمتلقين له، فيبرز في إلقائه كل عناصر التشويق والإثارة التي تساعد على وصول هذه المقامات لتلاميذه بالصورة الفنية التي صاغها من خلالها.وبهذا فإننا يمكن أن نعد فن المقامة قريبًا من فن المونودراما، فالمقامة كان يلقيها ويمثلها الهمذاني أمام المتلقين من تلاميذه لإمتاعهم وإبهارهم، ومن أجل تعليمهم وتثقيفهم أيضًا.وبعد كل هذا النقاش فإنني أتفق مع النقاد والباحثين الذين يرون أن هناك وشائج قوية بين المقامة والمسرح، كما يمكن أن نعد المقامة بالشكل الذي ابتكرها به بديع الزمان الهمذاني وطريقة إلقائه لها بين تلاميذه فَنًّا من فنون الفرجة عند العرب يتشابه – إلى حد ما- مع المونودراما.
(3)وبعض كتابنا انتبهوا في العصر الحديث للإمكانات الفنية والتمثيلية للمقامة – خاصة مقامات الهمذاني – فرأيناهم يستوحون شكلها وبعض أحداث منها في مسرحيات لهم، كما فعل هذا الطيب الصديقي في مسرحية “مقامات بديع الزمان الهمذاني”، ومنهم من اكتفى باستلهام بعض أحداث من هذه المقامات في مسرحيات له، كما فعل هذا ألفريد فرج في القصة الثانية من مسرحية “رسائل قاضي إشبيلية” التي استوحاها من المقامة “المضيرية”، وفي مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة”لألفريد فرج نرى آثار المقامة “البغداذية” واضحة في أحد مشاهدها.ولا شك أن فن المقامة مصدر ثري لكتاب المسرح بشكله وأحداثه وعناصر الفكاهة به، وسيظل مصدر إلهام لكثير من المبدعين خاصة في المسرح.


