المفكّر العربي عزمي بشارة
ولد عزمي بشارة في مدينة الناصرة الفلسطينية، في 22 تموز/ يوليو 1956، ودَرَس في جامعة حيفا ثم في جامعة القدس حتى العام 1980، وأكمل دراسته في جامعة هومبولت في برلين في ألمانيا الشرقية، وحصل منها على شهادة الدكتوراة في الفلسفة، لرسالته التي كانت بعنوان “المنطقي والتاريخي في منهج البحث في كتاب رأس المال لكارل ماركس”، وذلك عام 1986.
• الإنتاج الفكري
ينصبّ اهتمام الدكتور عزمي بشارة، الفكري والبحثي في مجالات الفلسفة الاجتماعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وله إسهامات نظرية في قضايا الدولة، والمجتمع المدني، والدين والعلمانية، وقضايا الانتقال إلى الديمقراطية، والطائفية والهويات الجماعية، والعدالة، والحرية، والأخلاق.
تتميّز أعماله البحثية بمقاربات متداخلة التخصصات مستفيدًا من ثقافته الفلسفية واطلاعه على العلوم الاجتماعية، وتنقسم إلى كتابات نظرية وأخرى تطبيقية، وتعتمد مناهج نظرية علمية.
قدّم بشارة عدداً من الإسهامات الفكرية والنظرية، منها: كتاب المجتمع المدني (1996) حيث استعرض تطوّر استخدام المفهوم مُحذِّرًا من استيراده جاهزًا دون فهم منشئه وتطوره، وميّز بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، وكذلك بين المجتمع المدني والجمعيات غير الحكومية التي بات يُطلَق عليها تسمية المجتمع المدني، مؤكدًا على فكرة إعادة إنتاج المجتمع باستقلال عن الدولة وضمن الدولة في الوقت ذاته، ونشوء فكرة المواطنة وممارستها.
وقد استكمل بشارة في كتاب مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (2023) ما بدأه في كتاب المجتمع المدني مُضيفًا إلى نظرية الدولة الحديثة بوصفها انتقال من مجرد علاقة حُكّام ومَحكومين إلى السيادة الترابية واحتكار العنف الشرعي واجتماع الحُكّام والمَحكومين في مفهوم المواطنة بوصفها الوجه الآخر للسيادة، مُميّزًا بين الأمة والقومية. وعالج مسألة الدين والعلمانية في مؤلف من ثلاث مجلدات هو الدين والعلمانية في سياق تاريخي (2013-2015)، وقد عالج فيه مفهوميّ وظاهرتيّ الدين والتديّن مُبيّنًا أن المهم عند محاولة فهم العلاقة بين الدين ونُظُم الحكم (مثل الديمقراطية) هو ليس الدين نفسه، فلا توجد علاقة بين الدين وطبيعة نظام الحكم، ما يُهمّ هو أنماط التدين. ولفهم نشوء أنماط التدين في مجتمع ما وعلاقتها بنظم الحكم (مثل تدين المؤسسة الدينية، والتدين الشعبي على أنواعه، والتدين السياسي) من الضروري فهم أنماط العلمنة التي تعرّض لها. وقد عالج موضوعيّ العلمانية والعلمنة في الجزء الثاني المؤلف من مجلدين منفصلين، مُقدمًا نظرية لفهم نشوء العلمانية بوصفها أيديولوجية والعلمنة بوصفها عملية تمايز في مجاليّ الدولة والمعرفة، تتمثل في نشوء المجال السياسي وتمايزه عن المجال الديني وصولًا إلى إخضاع الديني للسياسي، ولاحقًا تحييد الدولة دينيًّا، والتوترات الكامنة في خصخصة المجال الديني. كما تتمثل في تتطور العلم وهيمنته على مجالات معرفة الإنسان للطبيعة وجسم الإنسان والمجتمع. وقد أفرد مساحة واسعة لمناقشة الأنواع المختلفة من الأيديولوجيات العلمانية، ونشوء شبه الديانات البديلة. وقد وعد بمجلّد رابع يُعالج فيه تطور العلمنة في الحضارة العربية المسلمة.
وفي مجال العلاقة بين الدين والسياسية أصدر عزمي بشارة كتاب في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟ الذي كان يفترض أن يكون مقدمة لكتابه حول تنظيم الدولة الذي صدر بعنوان تنظيم الدولة المكنى “داعش” في جزئين، الأول من تأليفه، أمّا الثاني فصدر عن مجموعة مؤلفين (2018).
كما أسهم نظريًا في كتابه الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (2018) بفرضيته أن الطائفية لم تعد ناتجة من الطوائف، بل أصبحت تُشكِّل طوائف متخيّلة عابرة للحدود.
وفي العام 2019 أصدر بشارة كتاب في الإجابة عن سؤال ما الشعبوية؟
نشر عزمي بشارة كتاب الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (2020)، تتطرق فيه نقديًّا إلى نظريات الديمقراطية والتحديث، كما عالج نقديًّا نقد التحديث أيضًا، مُميّزًا بين الفرضيات الخاطئة وتلك المفيدة في نظريات التحديث. كما عالج نظريات الانتقال إلى الديمقراطي، ونماذج التحول الديمقراطي في أوروبا وأميركا اللاتينية، مستفيدًا من الأدبيات القائمة، ولا سيما فيما يتعلق بشرط الإجماع على كيان الدولة، ومضيفًا مساهمته النظرية باستخلاص النتائج من التجارب العربية ولا سيما مصر وتونس، ومن أبرزها: الإشارة إلى أهمية الثقافية السياسية عند النخب السياسية، خلافًا للتركيز على الثقافة السياسية في بلد ما عمومًا؛ وأهمية عدم وجود طموح سياسي لدى الجيش، والدور الخارجي الذي يتناسب ضرره طرديًّا مع أهمية البلد الجيو- استراتيجية. وكان المؤلف قد أصدر كتاب الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربية (2017)، تطرّق فيه بتوسع إلى بنية الجيوش العربية وعلاقتها بالسياسة.
تابع بشارة مشروعه الفكري بمعالجة موضوع الدولة في كتابه الدولة العربية: بحث في النشأة والمسار (2024)، حيث طبّق نظريته في الدولة على الدولة العربية ومنشأها. كما شرع فيه في شرح عملية العلمنة عربيًّا والمُتمثّلة في نشوء المجال السياسي وإخضاع المجال الديني له، فعاد إلى أصل الدولة المشرقية في التنظيمات العثمانية قبل الاستعمار، وعالج دور الاستعمار والحركات الوطنية في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وتثبيت حدود سياسية. كما بيّن أنه رغم الفرق بين الدولة العربية الناشئة عن تقسيمات استعمارية وتلك ذات النواة الترابية الأقدم تاريخيًّا فإن الدولة العربية لا تعاني أزمة شرعية، بل أزمة أنظمة الحكم ومن أهم عناصرها الزبونية، والخلط بين نظام الحكم والدولة، ومقاومة بناء الأمة على أساس المواطنة وغيرها. وقد تتبع عملية نشوء الدولة العربية وبناء الجيوش ومؤسسات الحكم وإخضاع المؤسسة الدينية لها.
فيما عدا إسهامه في الفلسفة السياسية من خلال إنتاجه الفكري حول المجتمع المدني والدولة والعلمانية، أصدر بشارة مقالات مهمة في الفلسفة الاجتماعية: “مداخلة بشأن العدالة”، و”في أولوية الفهم على المنهج”، و”مقالة في الحرية” (صدرت على شكل كتاب من القطع الصغير) و”تأملات في مسألة الهوية” و”مدخلان لمناقشة موضوع ’نحن’ وما الفكر ما بعد الحداثي”.
كما أسهم في تقديم دراسة تحليلية تاريخية للثورات العربية التي اندلعت عام 2011 في عدّة كتب أبرزها ثلاثية الثورات: الثورة التونسية المجيدة (2012)؛ سورية: درب الآلام نحو الحرية (2013)؛ ثورة مصر (2016)، إضافة إلى كتابه الانتقال الديمقراطي وإشكالياته (2020).
ونشر كتبًا متعلقة بفهم بنية الدولة اليهودية وواقع عرب الداخل أهمها: العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل (2000)؛ الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى (1998)؛ طروحات عن النهضة المعاقة (2003)؛ وكتاب من يهودية الدولة حتى شارون (2004). واصل بشارة دعمه للقضية الفلسطينية بعد مغادرته فلسطين قسرًا عام 2007 واستمر في إنتاجه البحثي الفكري، موثقًا قضايا العدالة والنضال الفلسطيني في كتبه، آخرها قضية فلسطين: أسئلة الحقيقة والعدالة (2024) وهو ترجمة لكتابه الصادر باللغة الإنكليزية بعنوان Palestine: Matters of Truth and Justice (2022) عن دار نشر هيرست Hurst في لندن، والطوفان: الحرب على فلسطين في غزة (2024).
• النشاط السياسي
انشغل بشارة بالنضال الوطني الفلسطيني، بدءًا من دوره البارز في الحركة الطلابية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل، عبر ترؤسه أول هيئة قطرية عربية متمثلة في لجنة الطلاب الثانويين العرب بعد عقد مؤتمر الثانويين العرب يوم 6 نيسان/ أبريل 1974، ثم إسهامه في الحركة الطلابية العربية في جامعتي القدس وحيفا، وفي تأسيس اتحاد الطلاب الجامعيين العرب. وكان عضوًا في “لجنة الدفاع عن الأراضي العربية” التي أعلنت يوم الأرض يوم 30 آذار 1976 ممثلًا عن اتحاد الطلاب الجامعيين العرب. وبعد عودته من الدراسة في ألمانيا، عمل أستاذا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بير زيت (1986-1996) حيث انخرط في الانتفاضة الأولى، وعمل على إعادة تأسيس الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني من خلال تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي الذي مثّله في الكنيست (1996-2007) مدافعًا عن حقوق الفلسطينيين في الداخل وعن عدالة القضية الفلسطينية. وخرج من إسرائيل في مارس/ آذار 2007 ملاحقًا بتهم (أنكرها الدكتور بشارة تمامًا واعتبرها ملفقة لدوافع الحكومة الإسرائيلية السياسية التي حاولت عدة مرات منعه من خوض الانتخابات) دعم الإرهاب، و”تقديم العون للعدو في زمن الحرب”، والمقصود حرب 2006 على لبنان.
• المؤسسات البحثية والأكاديمية
أسهم بشارة في تأسيس هيئات ما زالت فاعلة داخل فلسطين مثل “مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية”، و”جمعية الثقافة العربية”، و”مركز مدى الكرمل للعلوم الاجتماعية التطبيقية”. وبعد خروجه من فلسطين عام 2007، عمل عزمي بشارة على تأسيس “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات” في الدوحة عاصمة قطر، عام 2010، و”معهد الدوحة للدراسات العليا” عام 2015.
كما أشرف على عدد من المشاريع البحثية، والمشاريع العربية الحضارية، أبرزها “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” الذي أعلن اكتماله في ديسمبر/ كانون الأول عام 2025 والموسوعة العربية “أرابيكا” التي يحري العمل عليها منذ عام 2023.
نُشر له العديد من المؤلفات باللغة الإنكليزية منها كتاب Sectarianism without Sects (2021) عن دار نشر جامعة أوكسفورد؛ وكتاب On Salafism: Concepts and Contexts (2022) عن دار نشر جامعة ستانفورد؛ وكتاب ISIS: The March to Dystopia عن دار نشر I.B. Tauris.
كما نُشرت له ثلاثية الثورات العربية باللغة الإنكليزية عن دار نشر I.B. Tauris، والتي تُعدّ مُساهمة تحليليّة نظريّة إضافة إلى كونها تأريخًا وتوثيقًا للثورات العربية التي اندلعت عام 2011 في ثلاث دول عربية: تونس، ومصر، وسورية، وهي:
Understanding Revolutions: Opening Acts in Tunisia (2021); Egypt: Revolution, Failed Transition and Counter-Revolution (2022); Syria 2011-2013: Revolution and Tyranny before the Mayhem (2023).
وسيصدر قريبًا كتابه Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition عن داري نشر أوكسفورد وهيرست.
******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت


