الكواكبي من الميلاد إلى الهجرة
وُلِد عبد الرحمن بن أحمد الكواكبي عام 1854 في مدينة حلب لأسرة عريقة تمتد جذورها إلى النسب الهاشمي من جهة والده ووالدته. وهناك نشأ عبد الرحمن في بيئة علمية وأدبية حافلة، حيث كان والده شيخا ومدرسا في المدرسة الكواكبية بالمدينة، ولكنه فَقد والدته في السادسة من عمره، فتولّت خالته السيدة صفية تربيته في مدينة أنطاكية لمدة 3 سنوات.
وفي هذه المدينة تلقى تعليمه الأولي واكتسب بعض المعرفة باللغة التركية العثمانية التي استكمل دراستها لاحقا في حلب، إلى جانب تعلمه الفارسية، فضلًا عن إتقانه اللغة العربية حتى بلغ فيها مرتبة أهل الفكر والنبوغ.
ومع بلوغه الحادية والعشرين، انخرط الكواكبي بهمّة في الحياة العملية، فشغل مناصب متنوعة، إذ عمل محررا في جريدة رسمية، ثم رئيسا لكتّاب المحكمة الشرعية، وقاضيا شرعيا في إحدى البلدات السورية، ثم تولى رئاسة البلدية، ولكنه كان يملّ هذه الوظائف الحكومية فيعتزلها بين الحين والآخر، ليتجه إلى شغفه الأكبر، وهو المجال الفكري والديني.
كذلك حرص على تأسيس بعض الصحف ليبثّ فيها ما كان يراه ويقتنع به، وكانت على رأسها جريدة الشهباء، وعندما كانت السلطات تغلقها قسرا كان يتجه إلى العمل التجاري أو يسهم في مشاريع عمرانية مختلفة، فأكسبه ذلك خبرة واسعة في مجالات متعددة. غير أنه، في كل هذه المجالات، كان يصطدم بفساد الإدارة واستبداد الولاة، فخاض مواجهات معهم، تارة ينتصر فيها عليهم، وتارة يتعرض لبطشهم.
كان الكواكبي شديد الاستياء من الفساد الإداري والبيروقراطي الذي استشرى في بلاد الشام تحت الحكم العثماني، مما دفعه إلى التصدي لهذا الاستبداد وغياب التعددية في الآراء.
وبسبب جرأته ومواقفه الصريحة، نال ثقة كبار وجهاء حلب الذين لجؤوا إليه للاستشارة والاستفادة من أفكاره، لكن سرعان ما وجد نفسه في مواجهة مؤامرات ودسائس حيكت ضده من قبل رجال الحكم، يتقدمهم والي حلب العثماني آنذاك عارف باشا.
سعى عارف باشا إلى تشويه سمعة الكواكبي، فرفع إلى السلطات في إسطنبول تقارير مكذوبة تحذّر من آراء الكواكبي الناقدة وخطورتها على السلم العام، ولم يكتف بذلك، بل لفّق له تهمة التخابر مع دولة أجنبية والتآمر لتسليم حلب، مستخدمًا مستندات مزورة لإدانته.
وتحت هذا المسوّغ، أمر باعتقاله وطالب بمحاكمته وشنقه، غير أن الكواكبي بمساندة جمع من مؤيديه بذل جهودا كبيرة لنقل محاكمته إلى ولاية أخرى طلبا للعدالة، وتفاديا لتأثير عارف باشا. وبالفعل، جرت محاكمته في بيروت حيث ثبتت براءته وزال زيف الادعاءات السابقة، وأمام هذه الفضيحة وما انكشف من خيانة وتلاعب صدر قرار من السلطان عبد الحميد الثاني بعزل عارف باشا من منصبه.
حين فُرضت على الكواكبي قيود المراقبة والتضييق عام 1886 رفض الامتثال لها، فاستقال من منصبيه في مأمورية الإجراء ومحكمة التجارة، ليتفرغ لمهنة كتابة شكاوى المظلومين وتحرير عرائضهم ضد الموظفين والولاة العثمانيين، فأصبح ملجأ للناس والمظلومين وذوي الحاجات، وأتاح له ذلك الاطلاع على تفاصيل معاناتهم وما حفلت به حياتهم من شقاء وقصص تفوق الخيال، كما أكسبه هذا التعاطف مكانة في قلوبهم.
وأمام هذا الواقع والتضييق الذي تعرض له، وجد الكواكبي أن الوقت قد حان للهجرة من بلاد الشام إلى مكان آخر يجد فيه حريته الشخصية والفكرية.
الهجرة إلى مصر والوفاة
وجد الكواكبي في مصر متنفسًا لأفكاره وحرية أوسع للتعبير عن آرائه، إذ التقى هناك بمجتمع نابض بالحياة من المفكرين والمثقفين والثوار، كان من بينهم الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا، والمفكر محمد كرد علي، وإبراهيم سليم النجار، وطاهر الجزائري، وعبد القادر المغربي، ورفيق العظم، إلى جانب العديد من الصحفيين والكتّاب الذين تأثروا بفكر جمال الدين الأفغاني.
وكان يجتمع بهم أو ببعضهم بانتظام كل مساء في مقهى بالقاهرة، بينما اختار الإقامة في شارع الإمام الحسين، بالقرب من الأزهر الشريف، في قلب القاهرة القديمة.
وفي ظل الخلافات السياسية المتصاعدة وقتئذ بين الدولة العثمانية ومصر التي كانت تحت الاحتلال البريطاني، حظي الكواكبي بدعم خديوي مصر عباس حلمي الثاني (حكم بين 1892-1914) الذي قرّبه إليه وتكفّل بمنحه معاشا شهريا، الأمر الذي مكّن الكواكبي من نشر أفكاره بحرية، خاصة تلك التي انتقد فيها سياسات السلطان عبد الحميد.
كما أن حديث الكواكبي المتزايد عن فكرة إقامة خلافة يكون خليفتها من العرب -وهي فكرة يُعتقد أن عباس حلمي لم يكن بعيدا عن الترويج لها- أثار حفيظة العثمانيين الذين رأوا في الكواكبي تهديدا وتحديا لهم.
ولكن في مساء الخميس 6 الموافق لـ
14 /6/ 1902 للميلاد توفي الكواكبي بصورة مفاجئة، حتى قيل إنه اغتيل بدسّ السم، وقد اختلفت الآراء في سبب الوفاة بحسب ما يذكر صديقه محمد كرد علي في مذكراته.
كانت وفاته صدمة كبرى للمجتمع الفكري في مصر، وعلى إثرها أمر الخديوي عباس حلمي بدفنه على نفقته في قرافة القاهرة بجبل المقطم، كما أقام له صديقه الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد مأتما استمر 3 أيام، ونعاه كبار العلماء والأدباء والشعراء في مصر.
الكواكبي ورؤيته للإصلاح
من خلال عمله في الصحافة والقضاء، تمكن الكواكبي من كشف فساد العديد من رجالات الدولة العثمانية، وعندما أفلت من حبل المشنقة الذي أعدّه له والي حلب لإخماد صوته إلى الأبد، فرَّ أولًا إلى بيروت ثم إلى القاهرة التي دخلها عام 1899، حيث أدرك عمق معاناة الأمة العربية وضرورة إحيائها ببث روح جديدة في أبنائها بمقاومة الاستبداد والظلم والتأخر الحضاري والفكري.
وقد بلور أفكاره هذه في كتابيه “أم القرى” و”طبائع الاستبداد” ومقالاته التي بثها في “الشهباء” و”الاعتدال” و”المقطم” و”المؤيد” وغيرها، وبهذا أصبح الكواكبي أحد أبرز رواد الفكر والإصلاح في التاريخ العربي الحديث، وحظي بتقدير الباحثين والأجيال المتعاقبة، باعتباره من أوائل من شخّصوا أمراض الأمة ووضع لها العلاج الأمثل في العصر الحديث.
كانت معارضة الكواكبي للحكم العثماني عاملا رئيسيا في تأليب الرأي العام العربي على الأتراك، الأمر الذي ربما أسهم لاحقا -ضمن عوامل أخرى على رأسها الحرب العالمية الأولى- في سقوط الدولة العثمانية، وهو ما دعا إليه الكواكبي علنًا وعبّر عنه في مختلف المحافل، فقد رأى أن السلطة العثمانية كانت استبدادية ومركزية، تفتقر إلى العدل والمساواة.
ولهذا السبب، وكما يقول أحمد أمين في كتابه “فيض الخاطر” إن الكواكبي “تعرّض للنزاع القائم بين التُّرك والعرب في زمنه، وناصرَ العرب على الترك، ورأى أنهم أصلح للأخذ بزمام الدولة، ووضع مشروعا لنظام الحكم بيَّنه وأوضحه”، وذلك في كتابه الشهير “أم القرى”.
والأمر اللافت أن الكواكبي دعا إلى فصل العلماء عن مؤسسة الحكم في الدولة، وكان أحد أشهر دعاة الإصلاح والنهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولا يزال إرثه حاضرا من خلال أهم كتبه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” و”أم القرى” فضلا عن مقالاته واشتغاله بالصحافة والتأليف، ومواقفه السياسية الحادة التي وقف فيها مهاجما ظاهرة الاستبداد السياسي في عهد الدولة العثمانية وفساد رجال الدين والفكر.
وضم إرث الكواكبي شرحا لآرائه وتوصيات تتعلق بالإصلاح الديني والسياسي وعلاقة العلماء بالحكام، ومنعهم من استغلال الدين لترسيخ سلطتهم.
كما وجّه انتقادات حادة للعلماء الرسميين، المعروفين اليوم بعلماء السلطة، موضحا أن أي مجتمع يعاني من الاستبداد السياسي ينجرّ حتما إلى استبداد ديني يُستخدم لتعزيز سيطرة الحاكم على الرعية.
….
منقول الجزيرة محمد شعبان أيوب


