المعجم العربي للشعراء .قصيدة النثر المصرية …أحمد جمعة.

أحمد جمعة :/- قصيدة النثر المصرية:// المعجم العربي للشعراء: موسوعة توثّق شعراء العرب وتنوّع القصيدة العربية
أحمد جمعة
التقينا ذات حزن،
هذا مؤكد؛
فينا رماد من بعض،
منذ متى وكلانا منطفئ من أحبته؟

لم يعد بعض الحزن كافٍ،
تعال كلك يا حزن،
فكلانا لم يكتمل نصاب دموعه من أقاربه بعد..

كلانا يحفظ عن ظهر جرح
أسماء الذين خذلوا انتظارنا
والذين كسروا عند رحيلهم على طاولتنا
فناجين الأغاني..

ليس لأنكِ جميلة تبدين وحيدة،
لكن لأن قلبكِ گ وردة
ينشب شوكه في مشاعري
كلما أردت أنه أضمه بأغنية
فأبكي..

كيف تعرفنا إلى بعضنا؟!
إلهذا الحد جعلنا الحزن لامعين
وسط عالم أعمى
فلا يراني غيرُكِ
ولا أحد غيري
يراك!


ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻣﻲ ﺗﻤﻀﻎ ﺍﻟﻌﻠﻜﺔ،
ﻻ ﻷﻧﻬﺎ ﺗﺤﺒﻬﺎ،
ﻭﻻ ﻟﺘﻐﻴﺮ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﻓﻤﻬﺎ،
ﻭﻻ ﻟﺘﺸﻨﻖ ﺍﻟﻮﻗﺖ؛
ﺇﻧﻤﺎ ﻟﺘﻠﺼﻘﻬﺎ ﺑﺒﻨﻄﺎﻝ ﺃﺑﻲ،
ﻓﻼ ﻳﻐﺎﺩﺭ ﺍﻟﺒﻴﺖ.

ﻭﻛﺎﻥ ﺃﺑﻲ
ﺩﺍﺋﻢ ﺍﻟﺨﻨﺎﻕ ﻣﻌﻬﺎ.

ﻣﺬ ﻏﺎﺑﺖ ﺃﻣﻲ،
ﻭﺃﺑﻲ ﻻ ﻳﻐﺎﺩﺭ ﺍﻟﺒﻴﺖ:
ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻨﺎﻃﻴﻠﻪ،
ﻳﻨﺰﻉ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻜﺔ ﺍﻟﻨﺎﺷﻔﺔ،
ﻭﻳﻤﻀﻐﻬﺎ
ﻟﻴﻐﻴﺮ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﻓﻤﻪ
ﺍﻟﺠﺎﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺒﻼﺕ،
ﻟﻴﺸﻨﻖ ﺍﻟﻮﻗﺖ
ﻟﻴﺤﺲ ﺭﻳﻖ ﺃﻣﻲ
ﻓﻲ ﻓﻤﻪ،
ﻭﻫﻮ ﻳﺼﺮﺥ:
ﻛﻢ ﺍﺷﺘﻘﺖ ﺇﻟﻴﻚ!


مثل ضحكة
في فم عَالَمٍ
مُدَمَّرٍ
هي حياتي،
على قيد الشوك تمر أيامي
تمثل دور وردة،
أفتقد كل ما يؤهل روحي
للحياة
وجسدي يعاقبني بنحوله،
لا صوت لنحيبي
لأنه يتقن اختباءه تحت طبقات الصمت
مثخنا بآهاته،
جامدًا تهمشني المرايا
ولا تحسب لي حسابًا
لذا حاولت جاهدا شراء وجه آخر
لكني مدين للنفاق
بمئة وجه!

ماذا يفعل الذين حياتهم
كضحكة في فم عَالَمٍ مُدمّر؟!
أيبكون؟!
لكن لا مكان داخلي
تختبئ فيه دمعة!
أينامون؟!
كيف إن اتخذ السرير
شكل سكين
ووقف في وجه تعبي!
رصاصة
هي كل ما ورثته عنك أيها الحب
أستثمرها جيدا
في قلبي!

الذين حياتهم مثل ضحكة
في فم عَالَمٍ مُدمّر
عاطلون
كل أوقاتهم ندم،
يتماشون مع الحزن
كي لا تغتصب أطرافَهم برودةُ الوحدة،
يشاهدون اليأس
يصعد درج فرحهم
بعيون صقلتها الخيبات،
لا أم لهم
تجفف عن حناجرهم العواء
ولا أخ يأخذ نصيبًا من جراحهم
ولا أب يصلب لهم ظهر حاجتهم
التي تعايرها الرغبات!

الذين حياتهم مثل ضحكة
في فم عَالَمٍ مُدمّر
كلهم أنا
مذ لوّحت لي ابتسامتُكُ:
وداعًا!


ولدت بأسرة فقيرة
كنا ننام تسعتُنا بغرفة واحدة،
غرفة تتسع للجلوس،
للطعام والنوم،
نستقبل فيها ضيوفنا
وفيها أيضًا كنا نستحم من
نظرات العالم المثالي
ونغسل ثيابنا مما علق بها
من بقع الطبقيين والمتنمرين،
وفيها كان أبي وأمي يتحينان نومنا
ليخطفا جماعًا سريعًا،
كان الصبر شِرعة ومنهاجًا
وكانت اللقمة الهنيئة
لا تكفينا فقط
بل إنها تكفي شارعنا الممتد لسابع فقير،
ولدت بأسرة أفقر من الطين
حين يخسر ماءه،
لكن ماء رجُلها لم يخسر جولة
في ساحة أنثاه،
وبيد أن عددنا بعد كل جولة
يزيد، ولم تضق الغرفة،
كانت تتسع للمزيد من الصراخ
والجيران الذي يأتون كل ليلة
ليتفلوا علينا قشور اللب
بينما يتصعّبون علينا.

كبرت الآن
كبرت بما يكفي
لأدرك المعنى الحقيقي
للضيق والفقر،
كبرت وبت أعربد وحيدًا
في بيت كبير
كبيرٍ جدًا..
ولا يتسع لعجزي:
أنا الثري العقيم!


أنتم لا تعرفون الأمهات في القرى:
غير أنهن فلاحات حاذقات؛
يعزقن، يحصدن، يعلفن، يحلبن،
فإنهن أيضا خياطات ماهرات؛
يحكن من صبرهن قمصانًا
تقيهن برد الضجر،
يحكن من القليل مفارش كثيرة،
يجلس عليها الفرح.
إنهن تاجرات أيضا؛
تجلس الأم منهن في “كشك البقالة”،
تبيع الصباحات الندية
في علب الحلوى،
تقول لها: كيلو سكر،
فتبيعك “كيلو سكر” وتزيده
ب “كيلو دعوات طيبة”.
إنهن يعرفن الحب ..
ذلك الذي لا يعرف الكلمات،
الحب الذي تراه في صبرها،
في بهجتها،
في سهرها،
في دموعها المباركة،
الحب الذي لا ينطق ب: أحبك،
لكنه يدوم بعد موت الحبيب
لأربعين سنة.
أنهن فلاحات حاذقات؛
يعزقن أرض الله بالدعوات،
يبذرن الأمل،
يحصدن نجاحات أبنائهن
بالشكر والصلوات.
يحلبن السعادة من عيون الناس
بالحكمة.
الأمهات في القرى:
قناديل يضيء بها الله ليل الحقول،
تتعكز على أياديهن
المناجل والفؤوس.
تضع الأم منهن يدها تحت
ضرع البقرة،
فتخرج بيضاء من غير سوء،
لبنا مصفى،
وهذي من معجزات الأمهات
في القرى.
إنهن بركات البيوت!


تحمل في حقيبتها:
طفولتها، دعوات أمّها،
أكتاف إخوتها، نظرات أبيها المبتلّة بالحبّ،
أحلام أنوثتها،
وقلمًا بحبرٍ سرّي..
تسجل به مشاعرها وأسماء أحبّتها.

تقاسم الطريق نطّات حجلة الخجل..
يقول الطريق وهو ينط أمامها:
ليس على المرء أن يخجل من براءته
ولا من حبّه الأول لـ دميته،
ليس عليه أن يلوم قلبه
في كل مرة
ينكسر.

في عودتها للبيت، تنصحها العجوز:
دعي الأبواب مواربة
إلا باب القلب..
فمنه وحده تعبر الخسارات.

تنظف وجهها من السكاكين
وتعدّل شفتيها في المرآة بأصابع ابتسامة،
تتساءل:
هل مرّ كل هذا الوقت
دون أن أحبّ
نفسي؟!
كم وردة خسرت من روحي
بينما انشغلت
ببساتين
غيري؟!
وكم أغنية دفنت في ندوبي
ولم ألتفت لألحان
قلبي؟!

الآن نجت؛
لن ترضح ثانية للندم،
ولن تهرب بعد لحظتها تلك من العالم
وتحتمي
بـ المجاز!

أحمد جمعة..
مواليد الجيزة _ مصر
بكالوريوس الطب البيطري _ جامعة القاهرة

أمارس طب وجراحة الحيوان بالإضافة لمهنة التدقيق اللغوي.

صدر لي
_ أتعكز على قلبي ٢٠١٨ عن دار يسطرون.
_ قلب ينبح في وجه الحب ٢٠١٩ نشر إلكتروني.

يوجد مئات النصوص جاهزة في كتب لكن لم تجد طريقها للنشر بعد.

لماذا أحمد جمعة شاعر مختلف؟

معظم شعراء جيله يكتبون عن الحب كفكرة رومانسية، لكن أحمد جمعة يكتب عنه كحالة تشريح. لأنه جراح، هو يرى القلب ليس مجازاً، بل عضلة تنزف وتتعثر. لذلك عنوانه الأول “أتعكز على قلبي” القلب عنده ليس مضخة، هو عكاز، هو ما يتكئ عليه الإنسان حين تخونه قدماه.

وهناك مئات النصوص الجاهزة عنده لم تجد طريقها للنشر بعد، وهذا هو حال أغلب شعراء قصيدة النثر الجادين في مصر يكتبون كثيراً وينشرون قليلاً.

ملامح تجربته:

لغة سليمة جداً: وهذا طبيعي لأنه مدقق لغوي، فلا تجد عنده أخطاء نحوية ولا ركاكة، لغته مشذبة ومصقولة.

التكثيف: قصائده قصيرة، كوصفة طبية، لكن مفعولها طويل.

المفارقة البيطرية الإنسانية: يستخدم مفردات من عالمه: ينبح، يتعكز، مخلب، جرح، عظمة، وهذا يعطي شعره رائحة خاصة لا تشبه أحداً.

أحمد جمعة هو مثال للشاعر الذي لم يأخذ الشعر كمهنة، بل كمهنة ثانية للقلب. يعالج الحيوانات ليعتاش، ويدقق اللغة ليحافظ عليها، ويكتب الشعر ليعتاش قلبه هو.

لو جمع تلك المئات من النصوص الجاهزة في ديوانين أو ثلاثة، سيكون لدينا مشروع شاعر مكتمل: من “أتعكز على قلبي” إلى “قلب ينبح” إلى “قلب يشفى” وهو ما ننتظره منه.

#منصة شعر شعراء#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم