
رمزي حيدر – المصوّر الذي جعل الذاكرة اللبنانية ترُى
إعداد: المصور رفيق كحالي
By rafik kehali
رمزي حيدر:
اسم يجمع بين قسوة الشهادة ورهافة الحسّ الجمالي، قلّ من يبرز في المشهد الفوتوغرافي العربي كما يفعل رمزي حيدر. فهو ليس مجرد مصوّر صحافي وثّق تفاصيل الحرب اللبنانية بعدسة لاحقتها، بل أحد الذين حوّلوا الصورة إلى ذاكرة حيّة، وإلى وثيقة تتجاوز الخبر العابر نحو المعنى الأعمق للنجاة والإنسان.
صورة أسطورية:
تحتل صورة “عازف البيانو” موقعًا استثنائيًا في سيرة رمزي حيدر، لا لأنها مجرد لقطة شهيرة، بل لأنها تختصر فلسفة كاملة في النظر إلى العالم. في هذه الصورة، يظهر الجمال الإنساني في قلب الحرب، كأن الموسيقى نفسها تقاوم الخراب وتعلن بقاء الحياة رغم كل شيء. غير أن ما يجعل الصورة أكثر تأثيرًا هو ما يحيط بها من حكاية شخصية؛ إذ أُصيب حيدر بعد التقاطها برصاصة في الرأس، وظلّ يبحث لسنوات طويلة عن الرجل الذي ظهر في المشهد وساهم في إنقاذه، لتتحول الصورة إلى رمز للقدر، والنجاة، والامتنان.
صبرا وشاتيلا والضمير البصري:
لا يمكن المرور بسيرة حيدر من دون التوقف أمام حضوره المبكر في توثيق مجزرة صبرا وشاتيلا، إحدى أكثر المحطات إيلامًا في التاريخ اللبناني الحديث. في شهاداته ومقابلاته، يظهر وعيه العميق بأن الصورة في مثل هذه اللحظات ليست زينةً بصرية ولا سبقًا صحافيًا فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الضحايا وتجاه الذاكرة الجماعية. ولذلك، فإن أعماله في هذا السياق لا تُقرأ بوصفها أرشيفًا للحادثة فحسب، بل بوصفها جزءًا من كتابة التاريخ بلغة الضوء والوجع.
من العدسة إلى المؤسسة:
ما يميز رمزي حيدر عن كثيرين من أبناء المهنة أنه لم يتوقف عند حدود الالتقاط والتوثيق، بل انتقل إلى تأسيس فضاءات تمنح الصورة حياةً أطول من لحظة النشر. من “دار المصوّر” إلى “مهرجان بيروت للصورة” وصولًا إلى مبادرات “ذاكرة”، يظهر حيدر بوصفه صانع بنية ثقافية لا مجرد صاحب أرشيف. هذه المؤسسات لم تكن مشاريع جانبية، بل امتدادًا طبيعيًا لفلسفته في أن الصورة يجب أن تُدرَّس، وتُناقش، وتُحفظ، وتُورَّث للأجيال التالية.
حضور لا يخفت:
اليوم، ما زال اسم رمزي حيدر حاضرًا في الندوات والمقابلات والمواد الصحافية والمنصات الرقمية، بوصفه مرجعًا في التصوير الصحافي وذاكرةً حيّة لتاريخ لبنان المصوّر. وهذا الحضور المستمر يكشف أن أثره لم يتوقف عند الصور التي التقطها، بل امتد إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الصورة نفسها: كفنّ، وكشهادة، وكفعل مقاومة ضد النسيان.
سيرة تتجاوز اللقطة:
إن تجربة رمزي حيدر لا تُختزل في صورة شهيرة أو محطة إعلامية، مهما بلغت رمزيتهما. فهي سيرة رجل أدرك مبكرًا أن المصوّر الحقيقي لا يكتفي بتسجيل ما يحدث، بل يشارك في حفظ المعنى الذي يتركه الحدث وراءه. لذلك، تبدو أعماله اليوم أقرب إلى سطور مضيئة في كتاب الذاكرة اللبنانية، حيث تلتقي المأساة بالجمال، والحرب بالإنسان، والوثيقة بالشعر البصري.

معرض الصور:








