المصورة المصرية: لمياء أبو النجا… حين تتحوّل عدسة الكاميرا إلى نافذةٍ على الإنسان، ويصبح الضوء حكايةً لا تُنسى.رحلةٌ إبداعية تبحث في التفاصيل عن الجمال، وفي الوجوه عن الحكايات الإنسانية.- إعداد: فريد ظفور.

لمياء أبو النجا… حين تتحوّل عدسة الكاميرا إلى نافذةٍ على الإنسان، ويصبح الضوء حكايةً لا تُنسى
من شوارع الحياة المصرية البسيطة إلى عوالم التصميم والفن البصري، رحلةٌ إبداعية تبحث في التفاصيل عن الجمال، وفي الوجوه عن الحكايات، وفي الصورة عن معناها الإنساني.


مقدمة: ما وراء الصورة… حكاية الإنسان
ليست الكاميرا مجرّد أداةٍ لاقتناص اللحظات العابرة، بل قد تصبح وسيلةً لاكتشاف الإنسان، والاقتراب من تفاصيل حياته، والإصغاء إلى الحكايات التي لا تستطيع الكلمات وحدها روايتها. وفي هذا الفضاء الذي يلتقي فيه الحسّ الفني بالرؤية الإنسانية، تبرز تجربة المصوّرة المصرية لمياء أبو النجا، التي ارتبط اسمها بالتصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي، وامتدّ نشاطها الإبداعي إلى مجالات فنية أخرى.
إن الاقتراب من تجربة لمياء أبو النجا يفتح نافذةً على علاقة الصورة بالحياة اليومية، وعلى قدرة المصوّر على تحويل مشهدٍ مألوف إلى لحظة تستوقف العين وتلامس الوجدان. فالصورة، حين تنطلق من فضولٍ حقيقي تجاه العالم، لا تعود مجرّد تسجيلٍ بصري، وإنما تصبح قراءةً خاصة للواقع، ومحاولةً للكشف عمّا يختبئ خلف ملامحه الظاهرة.
جزيرة الذهب… حين تقود المصادفة إلى اكتشاف إنساني
من المحطات اللافتة في حكاية لمياء أبو النجا الفوتوغرافية زيارتها جزيرة الذهب، الواقعة جنوب محافظة الجيزة، وهي الزيارة التي اكتسبت بُعداً إنسانياً خاصاً بعدما تحوّل اهتمامها من توثيق أجواء الحياة الريفية إلى الاقتراب من عالم الأطفال في الجزيرة.
وقد تناول تقرير صحفي نشرته صحيفة «اليوم السابع» في 7 أغسطس/آب 2018 هذه التجربة، مشيراً إلى أن الزيارة التي بدأت بدافع التصوير والشغف بالمشهد الريفي دفعتها إلى الاهتمام بأطفال الجزيرة ومحاولة إدخال الفرح إلى حياتهم، مستعينةً بالكاميرا وسيلةً للتواصل ورسم الابتسامة على وجوههم. https://www.youm7.com/story/2018/8/7/بالعدسة-والكاميرا-لمياء-ترسم-الضحكة-على-وجوه-أطفال-جزيرة-الدهب/3902143
في هذه التجربة تتجاوز الصورة حدودها الجمالية التقليدية، لتقترب من مفهوم التصوير الإنساني الذي يجعل الإنسان محور الاهتمام، لا مجرّد عنصر داخل الإطار. فالطفل الذي يظهر أمام العدسة ليس تفصيلاً عابراً في مشهد ريفي، بل شخصية لها عالمها الخاص، وابتسامتها التي تختصر شيئاً من البراءة والأمل، ونظرتها التي قد تقول ما تعجز عنه صفحات طويلة من الكتابة.
وهنا تتبدّى قيمة المصوّر الذي لا يكتفي بالوقوف خلف الكاميرا، بل يحاول أن يجد طريقاً إلى الأشخاص الذين يصوّرهم، وأن يجعل من حضوره بينهم فرصةً للتفاعل والتواصل، لا مجرّد مراقبة من مسافة بعيدة.
التصوير الإنساني… حين يصبح الضوء لغةً للمشاعر
يمتلك التصوير الإنساني قدرةً فريدة على الجمع بين التوثيق والتعبير؛ فهو يحفظ ملامح الأشخاص وأجواء الأمكنة، لكنه يستطيع أيضاً أن ينقل إحساساً بالزمن والمكان والعلاقة بين الإنسان وبيئته.
ومن هذا المنظور، تكتسب تجربة لمياء أبو النجا في جزيرة الذهب أهميتها بوصفها مثالاً على انتقال المصوّر من الاهتمام بالمشهد العام إلى اكتشاف التفاصيل البشرية التي تمنحه روحه. فالبيوت والطرقات والطبيعة الريفية عناصر تمنح الصورة سياقها المكاني، أما الوجوه والابتسامات وحركات الأطفال فتمنحها نبضها الإنساني.
إن الصورة المؤثرة لا تحتاج دائماً إلى حدث استثنائي كي تترك أثرها؛ فقد تكفي نظرة صادقة، أو حركة عفوية، أو لحظة فرح صغيرة كي تتحوّل اللقطة إلى شهادة على الحياة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الضوء أكثر من عنصر تقني تتحكم به إعدادات الكاميرا؛ إنه وسيلة لبناء الإحساس، وتوجيه الانتباه، وإبراز العلاقة بين الشخصية والمكان.
ومن المهم، في قراءة هذا النوع من التجارب، ألا نختزل نجاح الصورة في جمال التكوين أو دقة التعريض وحدهما؛ فهناك أيضاً البعد الأخلاقي للتصوير، واحترام خصوصية الأشخاص، والاقتراب منهم بوعيٍ إنساني، ولا سيما عندما يكون موضوع الصورة طفلاً أو مجتمعاً محلياً.
بين عدسة المصوّرة وعين المصمّمة
لا يقتصر حضور لمياء أبو النجا المهني على التصوير الفوتوغرافي؛ إذ تشير ملفاتها المهنية المنشورة على الإنترنت إلى عملها أيضاً في التصميم الغرافيكي، وهو مجال يلتقي مع التصوير في عدد من المبادئ الأساسية، أبرزها التكوين، والتوازن البصري، وتوزيع الكتل، واستخدام اللون، وبناء الرسالة المرئية. https://www.behance.net/LmiaaAbouElnaga?locale=en_US
ومع أن التصوير والتصميم مجالان مختلفان في أدواتهما وطرائق إنتاجهما، فإن كليهما يعتمد على القدرة على تنظيم العناصر داخل مساحة بصرية، وتحديد ما ينبغي أن تراه العين أولاً، ثم توجيهها نحو بقية التفاصيل.
في الصورة الفوتوغرافية، يتعامل المصوّر مع الضوء واللحظة والمشهد والعناصر الموجودة أمام العدسة؛ أما في التصميم، فيمتلك الفنان مساحةً أوسع لإعادة ترتيب العناصر، وتوليد العلاقات بين النص والصورة واللون، وصولاً إلى بناء رسالة بصرية متماسكة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الجمع بين التصوير والتصميم باعتباره مساحةً خصبة لتبادل الخبرات: فالعين التي تتدرّب على قراءة المشهد الفوتوغرافي تصبح أكثر انتباهاً إلى العلاقات التكوينية، والمصمّم الذي يعي قوة الصورة يدرك أن العنصر البصري ليس زينةً إضافية، بل حاملٌ للمعنى ومكوّنٌ أساسي من مكونات التواصل.
ومع ذلك، فإن تقييم الأسلوب الفوتوغرافي الخاص بلمياء أبو النجا، أو تحديد سماته الفنية الدقيقة، يحتاج إلى دراسة مجموعة ممثّلة من صورها الأصلية، وتحليل موضوعاتها وتكويناتها ومعالجتها الضوئية واللونية؛ فلا تكفي المعلومات المهنية وحدها للحكم على جميع جوانب تجربتها البصرية.
من الصورة الثابتة إلى اتساع التجربة الفنية
تُظهر المسيرة المهنية المنشورة لمياء أبو النجا اهتماماً يتجاوز حدود وسيط واحد، ويضعها في مساحة أوسع تتقاطع فيها الصورة والتصميم والممارسة الفنية. وهذا التنوّع يذكّرنا بأن الفنان المعاصر لم يعد مضطراً إلى حصر رؤيته في أداة واحدة، بل يستطيع الانتقال بين الوسائط المختلفة، مع الاحتفاظ بخيط إبداعي يصل بينها.
لكن تعدّد الوسائط لا يعني بالضرورة تطابق أساليبها أو أهدافها؛ فلكل وسيط لغته الخاصة. وتظل خصوصية التصوير الفوتوغرافي مرتبطة بقدرته على التعامل مع الضوء والواقع والزمن، حتى عندما يدخل في حوار مع التصميم أو الفن الرقمي أو غيرهما من أشكال التعبير.
وبالنسبة إلى المجلات الفنية المتخصصة، فإن قراءة تجارب المصوّرات والمصوّرين لا تكتمل بمجرد تقديم الأسماء أو تعداد مجالات العمل، بل تتطلب النظر إلى الصورة نفسها بوصفها نصاً بصرياً قابلاً للتحليل: كيف اختيرت اللحظة؟ وما الذي وضعه المصوّر داخل الإطار وخارجه؟ وكيف أسهم الضوء في بناء الدلالة؟ وهل تقودنا الصورة إلى اكتشاف جديد، أم تعيد تقديم المألوف بطريقة مختلفة؟
هذه الأسئلة هي التي تنقل الحديث عن المصوّر من التعريف المهني إلى النقد الفني، وتتيح للقارئ أن يكتشف اللغة البصرية التي تميّز كل تجربة عن سواها.
خاتمة: صورةٌ تحفظ اللحظة وتمنحها معنى
في تجربة لمياء أبو النجا، تلفت الانتباه حكاية الارتباط بين التصوير والحياة الإنسانية، ولا سيما ما ارتبط بزيارتها جزيرة الذهب واهتمامها بأطفالها. إنها حكاية تذكّرنا بأن قيمة الكاميرا لا تُقاس فقط بقدرتها على تسجيل ما تراه العين، بل بما يمكن أن تفتحه من أبواب للتواصل، وما تمنحه للحظات البسيطة من حضورٍ في الذاكرة.
فالصورة التي تستحق البقاء ليست بالضرورة الأكثر تعقيداً أو إبهاراً، وإنما قد تكون تلك التي تجعلنا نتوقف أمام إنسانٍ لم نعرفه من قبل، ونشعر بأن بيننا وبينه مساحةً مشتركة من الفرح أو الأمل أو الحنين.
وهكذا تظل الكاميرا، في يد الفنان الواعي، أكثر من جهازٍ لالتقاط الضوء؛ إنها وسيلةٌ لرؤية العالم من زاوية أخرى، وإعادة اكتشاف التفاصيل التي اعتدنا المرور بجانبها دون انتباه. وبين عدسة المصوّرة وعين المصمّمة، يبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحوّل الصورة من شكلٍ مرئي إلى معنى، ومن لحظة عابرة إلى حكاية تستحق أن تُروى.
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
نادي الفراعنة للتصوير  PIPC
مجلة نور آرت للتصوير
الإتحاد العربي للثقافة

أخر المقالات

منكم وإليكم