المسرح والفلسفة صلات وثيقة

د. كمال يونس
المسرح والفلسفة صلات وثيقة
بحمد الله وتوفيقه ها هو كتاب خلاصة قراءاتي وبحثي عن المذاهب المسرحية أقدمه محاولة مني لتقريب المذاهب المسرحية التي كان رافدها الفلاسفة وكتاباتهم، وكان لزاما علي أن أبرز العلاقة بينهما، وكتابي هذا حصيلة قراءات تداخلت وامتزجت بعد دراستها وفهمها وتتبعها لكتابات السابقين والمعاصرين من الأدباء والفلاسفة والمسرحيين، وأقدمه للمكتبة المسرحية واثقا أنه يفنى الكاتب ويبقى ما خطت يداه لعله يكون عاما لطلاب الفنون عامة والفلسفية والمسرحية والنقدية خاصة فييسر عليهم فهم المذاهب والوقوف على أبعادها وأطرها.
فكر الإنسان في نظام الطبيعة والكون، وأثارت قضية الوجود دافعا رئيسيا للبحث. فانبثقت الفلسفة كمجال حي يبحث في التصورات العميقة للظواهر الخفية.
التمثيل والرقص كان النواة الأولى لتبلور فن المسرح، فكان البدائي – والمتتبع للعصور التاريخية يجد يمارس طقوسا وشعائر دينية تقربا للآلهة، وبغرض استمرارية الحياة، وقديما مارس الإنسان البدائي طقوسا امتزجت بالسحر والشعوذة، وعبادة الآلهة واسترضائها.
الفن كان في بدايته تعبيرا عن نظام الوجود، وحياة الفرد في عالمه، وكان استجابة لواقع وحشي يحيط بالواقع والحياة فحاول تمثله ومن ثم السيطرة عليه.
والفن هو نظام من الصور كما يقول أرسطو، أما أفلاطون فهو يعتبر الفن له دور في التوجيه على نحو ما هو صحيح وعادل، وعند هيجل هو انكشاف الروح في أحد لحظاتها، والتجسيد المحسوس للفكرة أو الروح المطلقة.
انبثقت الفلسفة من رحم الحياة والوجود ودعت إلى تصوير المواقف والتجارب الإنسانية، وبما أنّ الفكر الفلسفي يخلق مجال للحوار والإبداع، فإنّ المسرح أقرب الأشكال الفنية تجسيدا للوعي، وفضاء للمتعة الفنية، المسرح تعبير عن الوجود المسرح أداة فعالة في صياغة الفكر الفلسفي.
إن العلاقة الأبدية التي تربط بين المسرح والفلسفة، تتميز بنوع من التداخل والتبادل وذك يعود إلى أن المسرح إنتاج مركب، فهو لغوي ومعرفي وأدبي وتقني، زاخر بالتيمات التي تشكل موضوعا للتفلسف بقدر ما يتناول هو نفسه موضوعات تمت إلى الفلسفة بصلة وثيقة، وخاصة إذا عدنا إلى الأصول التاريخية والطقوسية للمسرح، التي لها علاقة بالنظرة الأسطورية للطبيعة والإنسان والتاريخ، أو بالظاهرة السقراطية، حيث كان سقراط يتفلسف بحواراته من اجل أن يكشف لمحاوريه جهلهم بحقائق الأمور بطريقة ساخرة، فيولد منهم المعرفة. وبناء على هذا، فإن المسرح هو في الوقت نفسه نصّ حواري، وإخراج، وتشخيص، وتقنيات، يصدر كخطابات مبثوثة ليتلقاها جمهور داخل فضاء معين أحيانا؛ وبالنظر إلى هذه المستويات، في العلاقة بين الفلسفة والمسرح، يصعب أن يوضع خط فاصل بين التمسرح والتفلسف، نظرا للتداخل القائم بينهما. وهذا أمر يحدث ارتباطا يطبعه توتر خلاق، إذ تغني الفلسفة المسرح من حيث عمق معالجاته، ويغني المسرح الفلسفة، ويضفي عليها مسحة جمالية.
التيارات الفلسفية في المسرح كانت انعكاسا واضحا لأفكار وآراء الفلاسفة ونظرا لطبيعة الأحداث المتغيّرة، وتدهور الأوضاع التي رافقت البشرية منذ القديم، كانت المحرك لعواطف الكاتب في إبراز مواقفه، ومسؤوليته تجاه مجتمعه، وفهم آلام الشعوب ورغباته.
الفلسفة والمسرح إرث معرفي خلّده أفلاطون وأرسطو موقعا في استقطاب المواقف العامة عن الحياة، وتوجيه الفن لخدمة الفكر، فوضع كتاب ” الجمهورية ” لأفلاطون ويقع في الفصل الثالث والعاشر عن الشعر (التطهير، المحاكاة)، وهو ما يدل أنّ المسرح نموذج لاحتضان المفاهيم الفلسفية.
وباعتبار أن المسرح نظام مركب من الرموز، فهو يشكّل موضوعا للتفلسف. فالمسرح يجد في الفلسفة عمق المحتوى الفكري والفلسفة تجد في المسرح الصورة الجمالية. لقد ارتبطت الفلسفة دائما بالمسرح منذ نشأته، وعلى طول تاريخه، وكان أوّل من كتب عن فن المسرح ونظر له هو الفيلسوف أرسطو في كتابه ” فن الشعر، الذي أرسى فيه قواعد النظرية الدرامية، والتي شكلت ملامح المسرح الغربي في أوروبا حتى القرن العشرين. والنظرية الأرسطية في الدراما تقول على تفسير الوجود، وكانت طرحا على مستوى الوعي واللاوعي تتضمن تأصيل نظام سياسي اجتماعي أخلاقي معين ورغم ظهور تيارات فلسفية عديدة بعد أرسطو، إلا أن نظريته في الدراما تقول بأنّ الفن محاكاة للواقع، وكلها ركزت على دور الإنسان التأملي في استكشاف الحقيقة خارج حدود الفعل الإنساني، والتجربة الإنسانية، والواقع التاريخي المتغيّر نجد في المسرح اليوناني مواضيع تزخر بالتيمات الفلسفية ، وطبيعة الكون وخاصية الوجود، أو ما عرف سابقا بالظاهرة السقراطية ، ولا شك أنّ المسرح فضاء خاص يجمع بين الفكر والخصائص اللغوية والتقنية (الحوار الإخراج، التشخيص).ونظرا لطبيعة مستوياته، كان مجالا لاحتضان التساؤلات الفلسفية، وإبراز الرابط الذي يجمع بين المسرح الفلسفة والمتمثل وفي جوهر المعالجة، جمالية العرض .
والحقيقة أن علاقة الفلسفة بالمسرح أو الأدب المسرحي هي علاقة ترسيخ للفلسفة الغربية، كما أنها تأكيد لتميّز الفكر المسرحي بقوته الذاتية في معالجة شؤون الفكر، وقضايا المجتمع ، وكان التميز لهذين الحقلين هو غاية امتلاك الحقيقة، فالفيلسوف يعد أبنية فكرية، وقراءات تحليلية ، بينما المسرحي يشيّد أشكالا إبداعية جمالية وتبقى المادة المشتركة
وأثر الفلسفة في المسرح يتجلى من خلال قراءة النصوص الدرامية التي تنتظمها خصائص معينة، ومن المؤكد أنّ الترابط بينهما قديم، حتى أنّ الفلاسفة تأثروا بالفن المسرحي، وحاولوا الاعتماد عليه لتمرير أفكارهم الفلسفية ومواقفهم الحياتية.
والكاتب المسرحي يطرح القضية بأسلوب شيّق لإيصال المعنى ويتم ذلك بواسطة أدوات وتقنيات، كما أن التيارات الفلسفية (الماركسية، الوجودية العبثية النسوية) ناقشت قضايا من صميم الواقع المعاش، وجعلت الإنسان محورا للبحث عن الحقيقة في جوانب متعددة. فالتيار الوجودي: النصوص المسرحية عرضت لقضايا الإنسان، ويمتاز النص المسرحي الوجودي بصفة التَّعبير، ومحاولة التأثير في الأوضاع.
المسرح أداة تعبير ثرية ممتعة فكريا وفنيا، موقظ للوعي والإدراك كونه أداة نقد و مرآة للمجتمع يناقش قضايا الإنسان المحورية مجسدا مفاهيم ونظريات الفلسفة التي وجدت في المسرح تطبيقات لها، إذن الفلسفة نظرية والمسرح شقها التطبيقي.
الفلسفة رافد أساسي لفكر المسرح، والمسرح وسيلة هامة وأداة توصيل تحمل وتمرر أفكارها مجسدة من خلال التشخيص الفني في قالب من الإمتاع، وهو أداة اتصال إعلامي وجماهيري وبوق للفلسفة.
إن الفلسفة هي نافذة للتفكير والاستنتاج والتحليل والتأويل والنقد والتشخيص الدقيق لكثير من الخفايا والمعوقات والاشكاليات باختلافها، اما المسرح هو المكان او الحلبة التي تتصارع عليه كل المفاهيم الفلسفية من اجل الوصول لنتائج او البحث عن اجوبة وحلول مخفية عن الانظار وذلك بوصف ان المسرح هو أفضل من يعبر عن المشهد الفلسفي.
اذ ان كل النظريات الفلسفية كانت لها تطبيقات مسرحية، وفي بعض الاحيان هنالك مذاهب او تيارات مسرحية اسست نظريات فلسفية اخرى، وذلك لان خشبة المسرح كانت ارضاً خصبة لمثل هذه الممارسات، اذ شكلت علاقة الفلسفة مع المسرح علاقة تفاعلية ساهم كل منهما في تعزيز الاخر وتثبيت دعائمه، لان المسرح هو منبر الفلسفة.
وهذا الاهتمام المتزايد بالمسرح الذي جعل منه في كثير من الاحيان الناطق الرسمي باسم الفلسفة ولم يأتِ اعتباطا بل انبثق من فكر ((يتجاوز المسرح كونه مسرحاً، لأنه اكثر الفنون ارتباطاً بالتجربة الجمعية الحية، وتعبيرا عن الاحساس بتمزق الحياة الاجتماعية))، التي لا يمكن السكوت عنها كونها تعد من المشكلات الحيوية التي عمدت الفلسفة بكافة تجلياتها على ايجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلات الفلسفية من خلال خشبة المسرح وفارسها الفنان.
وخير ما يعبر عن علاقة الفلسفة بالمسرح ما أورده د. صلاح حمادي حجاج في ختام مقال له بعنوان فلسفة المسرح ام مسرح الفلسفة
1- الفلسفة مجال للتفكير والتحليل والبحث والتشخيص والنقد، وكل هذه المرتكزات تحتاج ارض خصبة للتطبيق وهو المسرح.
2- تعتمد الفلسفة بصورة عامة على الحقائق والثوابت بينما يعتمد المسرح على الابداع والخيال لأثبات هذه الحقائق.
3- أكثر الفلاسفة خاضوا تجارب مختلفة في التأليف المسرحي من اجل تدعيم نظرياتهم الفلسفية ولاكتسابها انتشارا واسع،
4- تعتمد الفلسفة في اغلب الاحيان على جانب الديالكتيك الذي يعد اساس الصراع في النص المسرحي.

  • الديالكتيك (أو الجدلية) هو مصطلح فلسفي يعبر عن طريقة للحوار والتفكير تعتمد على الجدل والصراع بين الأفكار المتناقضة للوصول إلى فهم أعمق أو حقيقة جديدة، وتتضمن عملية “الأطروحة والنقيض والتركيب”. نشأ هذا المفهوم في الفلسفة اليونانية القديمة مع سقراط وأفلاطون، ثم تطور ليصبح منهجًا في تفسير تطور الأفكار والتاريخ والمجتمعات، خاصة مع هيجل وماركس الذين صاغوا ما يسمى “الديالكتيك المادي.”
    5- بعض المذاهب والتيارات الادبية والمسرحية اصبحت منبعا لكثير من النظريات الفلسفية.
    الفلسفة والمسرح ظواهر جلية أوردها د. الطوالة للتداخل الوثيق والامتزاج بينهما كالتالي:
  • من داخل الإنتاج المسرحي ينتصب تفكير فلسفي عميق، بلغة وجماليات تكسبه وضوحا ورونقا يحول أعقد الأفكار التجريدية إلى أفكار فلسفية سهلة الاستيعاب ذات تأثير كبير على العقل. وهكذا، فإنه جسد تعبره الفلسفة للظهور والتحقق من خلال اللغة المسرحية. وما دام المسرح يعكس نمط فكر كل عصر من العصور، فإن جل الأعمال المسرحية هي في حقيقة الأمر تفلسف يطرح شيئية الإنتاج الفنّي الذي يشخّص وجود الموجودات.
    2-ويتضمن المسرح إمكانيات غنية يمكن الإفادة منها في صياغة الفكر الفلسفي، فالمسرحية مجموعة لوحات حية تنبض بإيقاع الحياة الفعلي، وهي تستطيع من خلال سياقها القصصي، ووحدة الحدث، والمنطق الذي يحكم تطور أحداثها وشخصياتها، أن تكون تجربة تتبلور فيها الأفكار والمواقف، وتتعدل حسب الشروط الواقعية، وتكتسب شهادة واقعية تسمح لها أن تتحول أمرا جديا وحقيقيا حياة طاقات العقل الإنساني. فالمسرح إذا يقدم للفلسفة شكلا بالغ الغنى ذا إمكانية كثيرة التنوع. لكن الصعوبة تكمن في القدرة على الاستخدام الصحيح لتلك الأداة في ظل شرطين هما: بقاؤه فنا جميلا أولا وتمكنه من احتواء فكر فلسفي ثانيا”.
    3-يكاد يتحول تاريخ الكتابة المسرحية الغربية الحديثة إلى مجموعة من الممارسات الفلسفية، ونذكر منها تجربة المسرح الملحمي لرائدها بريخت، والمسرح الفقير لجيرزي كروتوفسكي، ومسرح اللامعقول عند بكيت ويونيسكو، ثم مسرح المواقف عند سارتر. ولعل ما يزكي هذا الطرح أن المؤلف المسرحي الغربي غالبا ما يبلور تجربة إبداعية تستوحي نموذجا فلسفيا، يشكل بالنسبة للإبداع المسرحي، ذلك الوعي الذي يسنده ويوجهه نحو اختيارات جمالية معينة، ويفتح له آفاق التأمل الذاتي والكشف عن مظاهر التحول والتطور. والجدير بالذكر أن السمة المميزة لهذا الوعي هي كونه وعيا جماليا مفتوحا على أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية، ولعل هذه الخاصية هي التي جعلت الفلسفة في الدراما الغربية الحديثة تتحول إلى حقل لصراع الأفكار المسرحية في آن واحد، ومجال لتنازع التصورات الجمالية حول المسرح في علاقته بالمبدع والمجتمع.
    4-لقد ساعدت طبيعة المسرح الغربي الحديث نفسها على تحقيق هذه الدينامية الفلسفية. فمقولة الصراع التي تشكل عنصرا دراميا أساسيا في الكتابة المسرحية، شكلت إطارا ملائما لعرض الأفكار الفلسفية، وبلورة المنظورات المختلفة. بعبارة أخرى، عن الفلسفة لم تجد أية صعوبة في التأقلم مع الظاهرة المسرحية، بل والانصهار فيها.
    5-ويبدو أن المؤلف المسرحي قد استفاد كثيرا من هذه الوضعية، لأنه اقتنع بضرورة الخروج من بوتقة المسرح الجامد، إلى مسرح حافل بالأحداث، والجهر بمواقفه الخاصة إزاء ما يكتبه، وتوضيح بعض خلفياته السياسية والجمالية والإيديولوجية.
    6- الفلسفة والمسرح من رحم واحد، إلا أن المسرح ظهر قبل الفلسفة، وهذا الظهور المبكر ساهمت فيه مجموعة من الظروف التاريخية والثقافية والسياسية.
    تطرح دراسة المسرح والفلسفة مجموعة كبيرة من الأفكار والعلاقات. ولعل أهم هذه الأفكار المفاهيم المشتركة بينهما؛ فلا ريب أن سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين، رغم أن هناك غموضا يميز العلاقة بينهما. إلا انه مع ذلك للمؤلف مسعى حثيث لاستنباط وتوضيح العلاقات المطروحة بينهما على الرغم مما يكتنف ذلك من ملابسات وتعقيدات.
    والظاهر أن مرجعية الفن المسرحي تساهم بدور وافر في تعميق ثوابت المفهوم وانفتاحه على آفاق تجريبية راهنت على فهم الواقع والحياة اليومية والتاريخ الراهن بأسئلة تحاول إدراك دينامية التفاعل بين التمسرح والتفلسف في آن واحد.
    7- تاريخ المسرح “يحمل في ثناياه مجموعة من التجارب المسرحية ذات الصبغة الفلسفية التي نمت وازدهرت في عصور معينة، ابتداء من العهد اليوناني وصولا إلى نهاية القرن العشرين. ومن الواضح ان تشكل العلاقة بين المسرح والفلسفة، ورسوخها، لا يتمّان إلا من خلال قراءة مجموعة من النصوص الدرامية التي تنتظمها خصائص معينة، وما يسعى المؤلف إلى تقديمه في هذا العمل ما هو إلا كشف عن ظاهرة أدبية معاصرة: هي ظاهرة غياب الحدود الصارمة بين الأجناس والعلوم، ومن ثم تداخلها، وهي ظاهرة تحتاج إلى تفسير وتعليل. فتفسيرها كامن في أن نفهم أن الحدود والضوابط والمعايير تتطور وتتغير نتيجة لعوامل مختلفة حددها المؤلف في:
  • الملل والسأم الشديدان من ممارسة الكتابة في نوع عتيق وقديم.
  • تغير الحساسية الأدبية عند المتلقين من زمن إلى آخر.
  • اكتشاف نوع جديد من أنواع الأدب يفتح للفيلسوف مساحة شاسعة في حرية التعبير.
  • رصد العلاقات النسقية الممكنة بين العلوم والأجناس والفنون.
    كما يرى المؤلف أن المسرح فرض نفسه على الفلاسفة، فتأثروا به وتشربوا مبادئه، ثم حاولوا الاستنجاد به لتمرير فلسفتهم ومواقفهم. فقد خاض هؤلاء غمار العمل المسرحي إذ حاولوا أن يجدوا معادلات جمالية ومضامين ثقافية.
    يجد القباج من اللافت للنظر أن الفلاسفة، ومنذ العصر الإغريقي، كانوا وما يزاو لون يتخذون من المسرح ومعلقاته موضوعا لتأملاتهم وتقييماتهم، وكان اهل المسرح يستوحون مضامين أعمالهم مما يطرحه الفلاسفة من القضايا التي تشغل بال الأفراد والمجتمعات، بل وحتى من خصوصيات المعرفة الفلسفي التجريدية وفروعها التي تتصدرها الميتافيزيقيا والانطولوجيا والمنهجيات والجمالات والأخلاقيات.
    والخلاصة عن العلاقة والصلات الوثيقة والترابط ما بين المسرح والفلسفة ما أورده د. القباج تقديم كتابه: “بثت في العطاءات المسرحية أنفاسا فلسفية، وأصبح لأهل المسرح اقتناع بأنه لا مسرح دون مرجعية فلسفية، وفي المقابل أسهم المسرح في توسيع قاعدة المستوعبين للفلسفات وأنساقها وقد بسطت لهم أفكارها ومفاهيمها وبراهينها، وفكت ألغازها”،
    تجعل الفلسفة تبحث في المسرح في الحركات المشهدية كتجسيد حي للأفكار، ذلك أن الفلسفة وهي تتعامل مع المسرح تنطلق من موقعها كمعرفة تجريدية، على عكس المسرح فهو حين يستوحي من الفلسفة بعض تأملاتها يحولها إلى مواقف حياتية تعتمد بالأساس حضور جسم الممثل فوق الخشبة.
    يوضح القباج أنه منذ اللحظة التي انبثق فيها المسرح من رحم الأسطورة والاحتفال، تجلت علاقته بالقضايا التي شغلت بال الفلاسفة الأول، وعلى رأسها قضية الوجود. المسرح طريق تعبره الفلسفة للظهور والتحقق عبر تجسيدها من خلال اللغة الحوارية فوق الخشبة. تحضر فيها قضايا الوجود والأخلاقيات والجماليات وغيرها.

إن نجاح المسرح في تبسيط المضامين هو الذي جذب إليه الكثير من الفلاسفة الذين وجدوا فيه الوسيلة الأمثل لتبسيط وترويج أفكارهم وأنساقهم، ومنحها دفء الحياة ومسحة الجمال. المثالان البارزان هما ألبير كامو وجون بول سارتر، اللذان أنتجا أعمالا مسرحية تناولا فيها مشاغلهما الفلسفية. مقابل تنظيرات أرسطو وهيغل وكانط، ترتسم على المسرح أعمال بريشت و بييكيت ويونيسكو.. المسرحي والفيلسوف قران قديم لأنهما يقتسمان نفس الطموح في الاهتداء إلى الحقيقة.

المراجع
-غزار سارة. . لصهب عبد القادر.. أثر الفلسفة في المسرح ..مجلة البس..المجلد 11 / العدد: 1..9/6/2024
-د. صلاح حمادي الحجاج.. فلسفة المسرح أم مسرح الفلسفة.. الفرجة 22/11/2024

  • محمد نجيم كتاب المسرح والفلسفة تأليف د.أحمد الطوالة إعلام الهيئة العربية للمسرح 2017-06-07
    -مقال “المسرح والفلسفة”. محمد القباج ينبش جسور التفاعل بين الفكرة والمشهد-
    الفرجة 10/26/2021

أخر المقالات

منكم وإليكم