مقدمة: تُعَدّ المدرسة البنيوية من أبرز الاتجاهات الفكرية التي طبعت الفكر الإنساني في القرن العشرين، وقد امتد تأثيرها من اللسانيات إلى الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والتحليل النفسي والسيميائيات. تقوم البنيوية على النظر إلى الظواهر بوصفها أنساقًا (Structures) مترابطة العناصر، لا تُفهم أجزاؤها إلا في ضوء العلاقات التي تنتظمها داخل الكلّ.
أولًا: المنطلقات الفكرية للبنيوية
1. القطيعة مع النزعة التاريخيةجاءت البنيوية ردًّا على المناهج التاريخية والتطورية التي كانت تفسّر الظواهر وفق تعاقبها الزمني. فبدل تتبع الأصل والتطور، ركزت البنيوية على دراسة البنية في لحظتها الراهنة (الدراسة التزامنية). ويُعدّ فرديناند دي سوسير المؤسس الفعلي لهذا التحول في كتابه محاضرات في اللسانيات العامة، حين ميّز بين الدراسة التزامنية (Synchronic) والدراسة التعاقبية (Diachronic).
2. أولوية النسق على العنصرترى البنيوية أن العنصر لا يكتسب معناه إلا من خلال موقعه داخل النسق. فاللغة – مثلًا – ليست مجموعة كلمات منفصلة، بل نظام من العلاقات. وقد عبّر دي سوسير عن ذلك بقوله إن اللغة نظام من العلامات، تتحدد قيمتها بعلاقات الاختلاف فيما بينها.
3. مركزية مفهوم البنيةالبنية هي نظام من العلاقات الثابتة نسبيًا، يحكم العناصر ويوجهها. وهي ليست مجرد تجميع ميكانيكي، بل شبكة من العلاقات الداخلية التي تضبط عمل النظام. ومن هنا انتقل المفهوم إلى مجالات أخرى.
ثانيًا: الأسس النظرية للبنيوية
1. مفهوم العلامةانطلقت البنيوية اللسانية من تصور العلامة اللغوية بوصفها اتحادًا بين دالّ ومدلول، وهي علاقة اعتباطية. هذا التصور أسس لعلم العلامات (السيميولوجيا)، الذي تطور لاحقًا مع مفكرين مثل رولان بارت.
2. العلاقات الاختلافيةالمعنى في المنظور البنيوي ليس جوهرًا ثابتًا، بل نتيجة اختلافات داخل النسق. فالكلمة تكتسب معناها لا بذاتها، بل بتميّزها عن الكلمات الأخرى.
3. الطابع العلمي والموضوعيسعت البنيوية إلى إضفاء الطابع العلمي على الدراسات الإنسانية، متأثرة بالنموذج اللساني. لذلك حاولت الكشف عن القوانين الكامنة خلف الظواهر الثقافية، كما فعل كلود ليفي-ستروس في تحليله للبنى القرابية والأساطير، حيث رأى أن العقل الإنساني ينتج أنساقًا عميقة مشتركة.
4. البنية العميقة والسطحيةفي مجال السرد، طوّر ألغريداس جوليان غريماس نموذجًا عامليًا يحدد البنى العميقة للحكاية، معتبرًا أن التنوع الظاهري يخفي نظامًا بنيويًا ثابتًا.
ثالثًا: تطبيقات البنيوية
في اللسانيات: تحليل اللغة كنظام مغلق من العلاقات.
في الأنثروبولوجيا: دراسة الأساطير والقرابة كبنى ذهنية.
في النقد الأدبي: التركيز على النص ذاته بدل مؤلفه أو سياقه.
في السيميائيات: تحليل أنظمة العلامات في الثقافة.
رابعًا: خصائص المنهج البنيوي
1. التركيز على البنية الداخلية للنص أو الظاهرة.
2. إقصاء المرجع الخارجي (المؤلف، التاريخ، النوايا).3. البحث عن القوانين العامة بدل الجزئيات.
4. اعتماد التحليل الشكلي والعلاقات النسقية.خامسًا: نقد البنيويةرغم إسهامها الكبير، وُجهت للبنيوية انتقادات عدة، أهمها:إهمالها للبعد التاريخي والاجتماعي.تغييبها للذات الفاعلة.ميلها إلى التجريد والصرامة الشكلية.وقد مهدت هذه الانتقادات لظهور اتجاهات لاحقة مثل ما بعد البنيوية والتفكيكية.
خاتمة
إن المدرسة البنيوية تمثل تحولًا إبستمولوجيًا مهمًا في الفكر المعاصر، إذ نقلت الاهتمام من دراسة الظواهر في تطورها التاريخي إلى تحليل بنياتها العميقة. وقد أسست لمقاربات علمية جديدة في اللسانيات والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي، ولا يزال أثرها حاضرًا في الدراسات الإنسانية إلى اليوم.
المصدر: اللسانيات واللغة العربية، مدارس ومناهج


