المخرج :مصطفى العقاد مواليد مدينة حلب عام 1930م إقتحم هوليوود ليصبح واحداً من أبرز الأسماء العربية – مشاركة: سمر عزيز.

وُلد مصطفى العقاد في مدينة حلب عام 1930، في بيتٍ سوري بسيط، لكن أحلامه كانت أكبر من حدود المكان والزمان. كان الفتى الحلبي يقف مأخوذاً بسحر الشاشة الكبيرة، يراقب آلة العرض في إحدى دور السينما ويحلم بأن يأتي يومٌ يروي فيه للعالم حكاياته هو، لا الحكايات التي يرويها الآخرون عنه وعن أمته.

وحين شدّ الرحال إلى الولايات المتحدة عام 1954 لدراسة الإخراج السينمائي، لم يكن يحمل معه سوى إيمانه بالحلم وإصراره على الوصول. أُغلقت في وجهه أبواب الاستوديوهات الكبرى ومحطات التلفزيون ووكالات الإعلان، وتكررت رسائل الرفض حتى كادت تصبح جزءاً من يومياته، لكنه كان يرى في كل بابٍ مغلق دافعاً للبحث عن بابٍ آخر. وبعد سنوات من الكفاح والعمل المضني، نجح الشاب القادم من حلب في اقتحام هوليوود ليصبح واحداً من أبرز الأسماء العربية التي صنعت مكانتها في قلب السينما الأميركية.

لكن مصطفى العقاد لم يذهب إلى هوليوود باحثاً عن المجد الشخصي وحده، بل حمل معه قضية ورسالة. كان يؤمن أن الغرب يعرف القليل عن العرب والمسلمين، وأن السينما تستطيع أن تبني جسور الفهم حين تعجز السياسة عن ذلك. ومن هذا الإيمان وُلد مشروع حياته: فيلم «الرسالة». لم يكن الفيلم بالنسبة إليه مجرد عمل سينمائي، بل محاولة حضارية وإنسانية لتقديم الإسلام إلى العالم بلغة الفن والجمال والاحترام.

ثم جاء «عمر المختار.. أسد الصحراء» ليؤكد أن العقاد لم يكن يصنع أفلاماً تاريخية فحسب، بل كان يصنع أفلاماً عن الكرامة الإنسانية والمقاومة والحرية. وفي شخصية عمر المختار رأى صورة الإنسان الذي يرفض الاستسلام مهما بلغت قوة خصمه، فخرج الفيلم ملحمة خالدة تجاوزت حدود السينما لتصبح جزءاً من الذاكرة العربية والعالمية.

وفي وجهٍ آخر من مسيرته، كان العقاد المنتج الذي ساهم في إطلاق سلسلة أفلام «Halloween» الشهيرة، ليصبح واحداً من القلائل الذين نجحوا في الجمع بين السينما التجارية في هوليوود والسينما التاريخية ذات الرسالة الثقافية والإنسانية، مثبتاً أن النجاح العالمي لا يعني التخلي عن الهوية أو الذاكرة.

لكن القدر كتب نهايةً موجعة لرجلٍ كرّس حياته لبناء الجسور بين الشعوب. ففي التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2005، كان مصطفى العقاد وابنته ريما بين ضيوف فندق حياة في العاصمة الأردنية عمّان، عندما ضرب الإرهاب المدينة بسلسلة تفجيرات استهدفت الأبرياء في الفنادق. أصيب العقاد وابنته بجروح بالغة، قبل أن يرحلا متأثرين بإصاباتهما، ليرحل المخرج الذي قضى عمره يدافع عن الحوار والتفاهم ضحيةً للتطرف والكراهية والعنف الأعمى.

كانت المفارقة قاسية؛ فالرجل الذي أمضى سنواته يحاول أن يشرح للعالم حقيقة الإسلام وقيمه الإنسانية، انتهت حياته على يد إرهابٍ اختطف الدين وشوّه صورته وحوّل رسالته السامية إلى أداة للقتل والدمار.
رحل مصطفى العقاد، لكن أفلامه بقيت شاهدة على أن الفن يمكن أن يكون جسراً بين الحضارات، وأن ابن مدينة عربية يستطيع أن يصل إلى العالم من دون أن يتخلى عن لغته أو ذاكرته أو قضاياه. ترك وراءه أكثر من أفلام ناجحة؛ ترك فكرةً تقول إن الحكايات العظيمة تحتاج فقط إلى من يؤمن بها ويملك الشجاعة ليرويها للعالم.

سوريات_souriat

سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1088

أخر المقالات

منكم وإليكم