
يوسف أزماي.. حين تتحول جغرافيا الريف إلى صورة وصوت وذاكرة
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت
مقدمة: عندما يصبح المكان لغة
ثمة مصورون يلتقطون المكان، وثمة آخرون يجعلون المكان يلتقط ذاته من خلالهم. وبين الفئتين تتشكل تجربة يوسف أزماي؛ تجربة لا تقف عند حدود الكاميرا، ولا تكتفي بالصورة بوصفها إطاراً بصرياً، بل تمتد إلى الكلمة والصوت والإنشاد والفيديو، لتصنع خطاباً فنياً متعدد الوسائط يستمد مادته الأولى من الإنسان والمكان والذاكرة.
من بني بوفراح بإقليم الحسيمة، في قلب الريف المغربي، يطل يوسف أزماي على العالم حاملاً كاميرته وصوته وكلماته. لا يبدو الريف في أعماله مجرد خلفية جغرافية، بل يتحول إلى شخصية فنية حاضرة: جباله، طرقه، شواطئه، سماؤه، قراه، وملامحه الطبيعية والإنسانية.
ومن هنا تكتسب تجربته خصوصيتها؛ فهو مصور وصانع محتوى مرئي ومسموع وكاتب خواطر ومؤدٍ صوتي، يجمع في مشروعه الشخصي بين العين التي ترى، والكلمة التي تفسر، والصوت الذي يمنح الصورة حياة إضافية.
يوسف أزماي.. ابن المكان الذي حمل المكان معه
الانتماء إلى المكان في تجربة أزماي ليس مجرد تعريف جغرافي. إنه فعل ثقافي ووجداني.
حين يصور بني بوفراح ومناطق الريف وشواطئه، ولا سيما كلايريس، فإنه لا يقدم مشهداً سياحياً فحسب، بل يقوم بعملية أشبه بإعادة اكتشاف المكان بصرياً. فالكاميرا هنا تتحول إلى وسيلة للتعريف بجغرافيا قد تكون مألوفة لأهلها، لكنها قادرة على أن تصبح جديدة ومكتشفة حين تُرى بعين فنية مختلفة.
إنها محاولة لنقل المكان من دائرة «المعاش» إلى دائرة «المشاهد»، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية.
وهذه إحدى الوظائف المهمة للفوتوغرافيا المعاصرة: أن تجعل المكان قابلاً لأن يُرى مرة أخرى.
من الصورة إلى الكلمة.. ومن الكلمة إلى الصوت
خصوصية يوسف أزماي لا تكمن في التصوير وحده، وإنما في قدرته على إقامة حوار بين الوسائط.
ففي أعماله المرئية تتجاور الصورة مع النص، ويتداخل المشهد الطبيعي مع الأداء الصوتي، لتصبح الصورة جزءاً من بناء سردي أكبر.
وتظهر هذه السمة بوضوح في مشروعه الكتابي والصوتي، ولا سيما من خلال الخواطر والأشعار التي يقدمها بالفصحى تحت عناوين ووسوم من قبيل «كلام من ذهب».
الأب، الأخ، الأخلاق، القيم الإنسانية، الانتماء، القضايا العربية، والحنين إلى المكان، كلها موضوعات تتحول في صوته إلى مادة وجدانية.
وهنا لا يعود الصوت مجرد تعليق على الصورة، بل يصبح طبقة ثانية من طبقات المعنى.
الصورة تقول ما تراه العين، بينما يقول الصوت ما لا تستطيع العين وحدها أن تقوله.
الفوتوغرافيا كذاكرة للمكان
في القراءة الفوتوغرافية لأعمال يوسف أزماي يمكن النظر إلى الكاميرا باعتبارها أداة لحفظ الذاكرة المكانية.
فالجبال التي يصورها ليست حجارة وتضاريس فقط، والبحر ليس ماءً وأفقاً، والشاطئ ليس مساحة رملية؛ كل عنصر من هذه العناصر يحمل طبقات من الزمن والتجربة والانتماء.
وهنا تبرز قيمة الصورة بوصفها وثيقة وجدانية.
فالصورة الفوتوغرافية تحفظ ما كان يمكن أن يمر سريعاً: ضوءاً معيناً، غيمة عابرة، لوناً في لحظة غروب، طريقاً بين الجبال، قرية من بعيد، أو شاطئاً في ساعة سكون.
وبهذا المعنى، فإن التصوير عند أزماي يتجاوز فكرة «الجمال» إلى فكرة الذاكرة.
إنه لا يصور المكان لكي يقول: «انظروا كم هو جميل»، فحسب، بل يقول ضمناً: «هذا المكان موجود، وهذه روحه، وهذه صورتنا عنه، فلا تدعوا الذاكرة تفقده.»
الريف.. من الجغرافيا إلى الهوية البصرية
تمنح البيئة الريفية والشمالية المغربية تجربة أزماي مادة بصرية غنية: تضاريس جبلية، مساحات بحرية، قرى، طرق، أشجار، ضوء متغير، وأفق مفتوح على المتوسط.
لكن القيمة الفنية لا تأتي من العناصر وحدها، وإنما من الطريقة التي يعاد بها تركيبها داخل الصورة.
فالمناظر الطبيعية في التصوير المعاصر ليست مجرد «مناظر»، وإنما يمكن أن تكون نصوصاً بصرية عن الإنسان وعلاقته بالأرض.
ومن هذه الزاوية، تتحول أعمال أزماي إلى نوع من السرد البصري للهوية الريفية.
إنه يصور المكان من الداخل، لا باعتباره سائحاً عابراً، وإنما باعتباره ابن بيئة يعرف تفاصيلها وذاكرتها وخصوصيتها.
وهذا الفارق مهم؛ لأن المصور الذي ينتمي إلى المكان لا يرى ما يراه الزائر فقط، بل يرى أيضاً ما وراء المشهد.
«AZMAY PHOTOGRAPHER».. حين تصبح الكاميرا مشروعاً شخصياً
تحت هوية AZMAY PHOTOGRAPHER يشتغل يوسف أزماي في مجال التصوير الفوتوغرافي والفيديو وصناعة المحتوى المرئي.
وتكشف هذه التجربة عن انتقال الصورة من مفهوم اللقطة المنفردة إلى مفهوم المشروع البصري.
فالفيديو عنده ليس مجرد صورة متحركة، والصورة ليست مجرد منشور على منصة اجتماعية؛ إنهما جزء من عملية إنتاج محتوى يحاول الجمع بين المشهد والموسيقى والصوت والكلمة والإيقاع.
وهنا تظهر ملامح جديدة للمصور المعاصر الذي لم تعد مهمته محصورة في حمل الكاميرا.
لقد أصبح المصور في العصر الرقمي:
مصوراً + مخرجاً + كاتباً + مؤدياً + محرراً + صانع محتوى.
ومن هذه المنطقة تحديداً تتحرك تجربة أزماي.
من الفوتوغرافيا إلى السينما المصغرة
تمنح الصورة المتحركة تجربة أزماي مجالاً إضافياً لبناء المعنى.
فاللقطة السينمائية القصيرة تستطيع أن تجمع ما تعجز الصورة الثابتة وحدها عن جمعه: حركة الماء، انحناء الأشجار، مرور السحب، خطوات الإنسان، تغير الضوء، واتساع الأفق.
وحين يضاف إليها صوت إنساني أو موسيقى أو نص أدبي، تتحول إلى ما يمكن تسميته «سينما المكان المصغرة».
إنها سينما لا تحتاج إلى استوديوهات ضخمة ولا إلى إنتاج تقليدي؛ يكفي مكان حقيقي، وكاميرا، وضوء، وفكرة، وصوت قادر على حمل الإحساس.
وهنا تكمن إحدى جماليات التجربة الرقمية الحديثة: أن يتحول الهاتف أو الكاميرا إلى وسيلة لصناعة خطاب بصري كامل.
الصوت.. الوجه غير المرئي للصورة
من أكثر العناصر إثارة للاهتمام في تجربة يوسف أزماي علاقته بالصوت.
فالإنشاد والإلقاء والهندسة الصوتية تمنح أعماله بعداً سمعياً لا يقل أهمية عن البعد البصري.
الصوت هنا ليس «زينة» تضاف إلى الفيديو، بل عنصر بنائي.
فالنبرة، والوقفات، والتنغيم، والصدى، والموسيقى، كلها تستطيع أن تغير استقبال الصورة.
وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم في فنون الوسائط الجديدة:
الصورة لا تُرى دائماً بالعين وحدها؛ أحياناً تُرى بالأذن أيضاً.
حين يسمع المتلقي صوتاً إنسانياً يحمل الحزن أو الحنين أو الأمل، فإن المشهد البصري يعاد تشكيله داخل وعيه.
وهكذا تصبح تجربة أزماي قائمة على تفاعل ثلاثي:
العين ترى — الأذن تسمع — الذاكرة تتأول.
«كلام من ذهب».. عندما تستعيد الكلمة مكانتها
في زمن السرعة الرقمية، حيث تختصر الرسائل أحياناً إلى ثوانٍ معدودة، تبدو العودة إلى العربية الفصحى وإلى الخاطرة والقصيدة والإلقاء فعلاً لافتاً.
ومن خلال ما يقدمه أزماي من نصوص وخواطر، تتحول المنصة الرقمية إلى فضاء للإلقاء الأدبي.
وتكتسب موضوعات مثل الأب والأخوة والأخلاق والقيم الإنسانية والقضايا العربية حضوراً يتجاوز اللحظة العابرة.
إنه نوع من الأدب الصوتي الرقمي؛ أدب لا ينتظر كتاباً ورقياً حتى يصل إلى المتلقي، وإنما يسافر عبر الفيديو والصوت والصورة.
وهنا تلتقي الفوتوغرافيا بالأدب في مساحة واحدة.
الكلمة تمنح الصورة ذاكرتها، والصورة تمنح الكلمة مكانها.
الهوية بين «أنا الريفي» و«أنا الإنساني»
في بعض خطاب أزماي تظهر الهوية الريفية بوضوح، من خلال الاعتزاز ببني بوفراح والريف والانتماء إلى المكان.
لكن الهوية في هذه التجربة لا تبدو سجناً جغرافياً، بل نقطة انطلاق.
فالمصور يبدأ من محيطه القريب لكي يخاطب العالم.
وهذه واحدة من مفارقات الفن الجميلة:
كلما اقترب الفنان من مكانه الحقيقي، استطاع أن يصبح أكثر قدرة على مخاطبة الآخرين.
فالخصوصية هي التي تمنح العمل هويته، والهوية هي التي تمنح العمل إمكانية العبور.
ومن هنا يمكن قراءة تجربة أزماي باعتبارها محاولة لصياغة هوية بصرية ريفية مفتوحة على الفضاء المغربي والعربي والإنساني.
فلسطين واليمن والقضايا العربية.. الصورة حين تحمل موقفاً إنسانياً
لا تنحصر موضوعات أزماي في الطبيعة والمكان، بل تمتد إلى قضايا إنسانية وعربية، ومنها فلسطين واليمن.
وعندما تدخل القضية الإنسانية إلى فضاء الصورة والصوت، تصبح صناعة المحتوى أكثر من مجرد ممارسة جمالية؛ تتحول إلى وسيلة للتعبير عن التعاطف والذاكرة والوجدان.
وهنا تتضح إحدى وظائف الفن:
أن يمنح الإنسان وسيلة ليقول ما يعجز عن قوله في الكلام اليومي.
الصورة يمكن أن تكون شاهداً، والكلمة يمكن أن تكون شهادة، والصوت يمكن أن يكون صرخة أو صلاة أو نشيداً.
أركيولوجيا الصورة عند يوسف أزماي
إذا قرأنا تجربة أزماي من منظور أركيولوجيا الصورة، فإننا نجد أنفسنا أمام طبقات متراكبة من المعنى.
هناك أولاً المكان: الريف، بني بوفراح، الجبل والبحر.
ثم هناك الإنسان: ذاكرته، عاطفته، انتماؤه، وقضاياه.
ثم تأتي الكلمة لتمنح الصورة تفسيراً وتأملاً.
ثم يأتي الصوت ليمنح المشهد زمناً وإيقاعاً.
وأخيراً تأتي التقنية الرقمية التي تجمع كل ذلك داخل شاشة صغيرة قادرة على الوصول إلى جمهور واسع.
بهذا المعنى، لا تصبح الصورة عند أزماي مجرد تسجيل للواقع، بل أرشيفاً حياً للهوية.
إنها صورة تحفظ المكان، وصوت يحفظ الإحساس، وكلمة تحفظ المعنى.
المصور الذي لا يصور الطبيعة فقط.. بل يصور علاقة الإنسان بها
ربما تكون أهم قيمة في تجربة يوسف أزماي أنه لا يتعامل مع الطبيعة باعتبارها موضوعاً منفصلاً عن الإنسان.
فالجبال والبحر والقرية والشاطئ ليست مجرد عناصر جمالية؛ إنها أجزاء من سيرة جماعية.
المكان عنده يحمل آثار الذين عاشوا فيه، والذين رحلوا عنه، والذين ما زالوا يحلمون به.
ولهذا يمكن النظر إلى تصويره للطبيعة باعتباره نوعاً من التصوير الثقافي للمكان.
إنه لا يسأل فقط: كيف تبدو هذه المنطقة؟
بل يسأل، ولو بصورة غير مباشرة:
ماذا تعني هذه المنطقة لأهلها؟
وماذا يمكن أن تعني لمن يراها للمرة الأولى؟
وهنا ينتقل التصوير من سؤال الشكل إلى سؤال المعنى.
التكنولوجيا في خدمة الذاكرة
المنصات الرقمية التي ينشر عبرها أزماي أعماله ليست مجرد أدوات للنشر، وإنما أصبحت جزءاً من طبيعة العمل نفسه.
فالصورة التي كانت تحتاج إلى معرض لكي تصل إلى الجمهور، أصبحت اليوم قادرة على السفر خلال ثوانٍ.
والفيديو الذي كان يتطلب إنتاجاً تلفزيونياً، أصبح قابلاً للإنجاز بأدوات شخصية.
والصوت الذي كان يحتاج إلى استوديو إذاعي، أصبح متاحاً لصانع المحتوى المستقل.
وبهذا المعنى، يستثمر أزماي إمكانات العصر الرقمي في إنتاج ذاكرة بصرية وسمعية جديدة للريف.
إنها ذاكرة لا تحفظها الكتب والصور الأرشيفية وحدها، وإنما تصنعها أيضاً الكاميرات الشخصية والمنصات الاجتماعية.
يوسف أزماي.. تجربة تتجاوز تعريف «المصور»
من السهل أن نضع يوسف أزماي تحت عنوان «مصور مغربي»، لكن هذا التعريف وحده لا يكفي لفهم مشروعه.
الأدق أن نراه بوصفه فنان وسائط بصرية وسمعية، يتحرك بين التصوير الفوتوغرافي والفيديو والكتابة والإلقاء والإنشاد والهندسة الصوتية وصناعة المحتوى.
وهذا التعدد ليس تشتتاً بالضرورة، بل يمكن أن يكون شكلاً من أشكال وحدة التجربة.
فالمصور يبحث عن الضوء، والكاتب يبحث عن المعنى، والمنشد يبحث عن الإيقاع، وصانع الفيديو يبحث عن الزمن.
وفي تجربة أزماي تجتمع هذه العناصر داخل مشروع واحد:
الضوء يتحول إلى صورة،
والصورة تتحول إلى حكاية،
والحكاية تتحول إلى صوت،
والصوت يعود فيوقظ الذاكرة.
خاتمة: الريف حين يجد صوته في الصورة
تأتي تجربة يوسف أزماي من مكان محدد، لكنها لا تتوقف عند حدوده.
من بني بوفراح والريف وشمال المغرب يبدأ المسار، ومن الطبيعة والبحر والجبل والإنسان تتشكل مادته البصرية، ثم تمتد التجربة إلى فضاء أوسع عبر الصورة والفيديو والكلمة والصوت.
وهكذا يصبح يوسف أزماي أكثر من مصور يوثق جمال المكان؛ إنه يحاول أن يمنح المكان صورة وصوتاً وذاكرة.
وفي زمن تتسارع فيه الصور حتى تكاد تفقد قدرتها على التذكر، تأتي مثل هذه التجارب لتعيد إلى الصورة شيئاً من وظيفتها الأولى: أن تكون شاهدة على الإنسان، وعلى الأرض، وعلى الزمن.
فالريف في عدسته ليس مجرد منظر طبيعي، وبني بوفراح ليست مجرد نقطة على الخريطة، وكلايريس ليست مجرد شاطئ.
إنها جميعاً أجزاء من ذاكرة تتحول إلى صورة، ومن صورة تبحث عن صوت، ومن صوت يبحث عن إنسان يسمعه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن تجربة يوسف أزماي أنها تنطلق من الإيمان بأن المكان لا يعيش بالجغرافيا وحدها؛ بل يعيش أيضاً حين يجد من يصغي إليه، ويكتب عنه، ويصوره، ويمنحه صوتاً يستطيع أن يعبر الجبال والبحر والشاشات نحو ذاكرة الآخرين.
فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت


