المؤهلات الجسدية والمعنوية لفن التشخيص

يعتبر التمثيل فنا من الفنون مثله كمثل فن الإخراج أو الكتابة المسرحية، بل إن المسرحية عندما تعرض أمام الجمهور، فهي تعرض بتوقيع الممثلين بعد أن يتوارى كل من الكاتب والمخرج الى الخلف. والعرض المسرحي إنما يسهم بشكل حاسم في إنجاحه أو فشله، الممثلون . لهذا لا يمكن لأي كان أن يصبح ممثلا اللهم الأغبياء والمجانين المهووسين بجب الظهور. ففن التشخيص يتطلب الموهبة وجملة من المؤهلات والقدرات، بالإظافة الى التمارين والممارسة اليومية المنتظمة.

1- المؤهلات الجسدية الضرورية :- الصوت — يعتبر الصوت الأداة الأولية والضرورية في فن التشخيص. إذ بواسطة الصوت يستطيع الممثل أن يشد إنتباه الجمهورالى ما يجري فوق الركح. لهذا يجب أن يكون صوت الممثل قويا خصبا واسعا يتوفرعلى جميع الإيقاعات والنبرات، صوت رنان وخفيظ ونائح ومهتز ومرتج، بحيث يستطيع التعبير على مختلف الإنفعالات الإنسانية ، كالوقار أو الشكوى أو الحزن أو الإهانة أو الفرح … ولا يمكن للممثل أن يطور فنه أبدا، إذا كان لا يتسلح بمؤهلات صوتية ، كيفما بلغ ذكاءه ومهما اجتهد وعمل.- النطق — من المؤهلات الضرورية لكل ممثل النطق المبين، بمعنى أن يتلفظ الممثل الحروف والكلمات والجمل بشكل واضح وجيد . فالفك الواسع بعض الشيء، يساعد على إخراج الكلمات بوضوح أكثر، والحنك العميق يعطي قوة وجهورية للصوت، والأسنان المشدودة الى بعضها البعض، تحول دون الصفير والهسيس، بينما الأسنان المنفرجة تساعد على ذلك. وبالطبع على الممثل أن يحارب ضد هذه النقائص بالتمارين اليومية التي تستهدف تحسين النطق ومخارج الحروف. فلكي يجيد الممثل نطق دوره عليه أن يردده في كل لحظة بين أسنانه وأن يحس بالكلمات في فمه وأن يضغضغا ويمضغها ، بل وأن يكون سيد فكه وبالتالي التحكم المطلق في ايقاعاته ونبراته الصوتية.- الحركة — الى جانب الصوت يلعب الجسد دورا مركزيا في فن التشخيص. لهذا لا يقتصر الأداء على الصوت فقط ولكن يتدخل الجسد بحركاته الرشيقة ، الجميلة والدقيقة للتعبير عن الأحاسيس والإنفعالات الداخلية. يجب أن ينطق جسد الممثل هو الآخر، بالعين والنظرة وباليد وبالرأس والإيماءة ووضعية الصدر وبالمشية… فإذا كان الممثل يحفظ دوره عن ظهر قلب، وإذا كان يلقيه بكيفية جميلة ورائعة ولا يوظف مؤهلاته الجسدية كأن تظل يداه ملتصقتين بجسمه، والرأس يميل في نفس الإتجاه، والعين باردة جامدة، إذا كان الجمهور لا يحس بالممثل كوجود من لحم ودم وانفعالات ، فإنه لن ينفعل بأداءه أبدا. ولكن لا يجب أن تكون حركات الممثل عشوائية، وإنما حركات مدروسة ودقيقة ومعبرة. فالحركة والنطق أوما يعرف في المسرح بالإلقاء، يجب أن يخضعا للدراسة والتمارين والتعلم. ولكن هذا لا يعني أن الدراسة بإمكانها تعويض الطبيعة أوالإستعداد الطبيعي الذي يشكل عبقرية الفنان وموهبته. وبصفة عامة يمكن أن نقول للممثل: ” اشتغل واجتهد وتمرن ولكن لا وجود لممثل بلغ مستويات عالية في فنه بدون موهبة تقوده منذ المراهقة أو ربما الطفولة.”- الذاكرة — من المؤهلات الرئيسية لكل ممثل مقتدر الذاكرة. فالذاكرة القوية تساعد الممثل أولا على معرفة دوره معرفة جيدة وبالتالي التحكم فيه، كما تساعد الممثل على ابداع دوره باستحضار صور حياتية شاهدها أو عاشها بنفسه. ولا وجود لممثل حقيقي بدون ذاكرة.

2- المؤهلات المعنوية الضرورية :- الثقافة والتكوين : لا يمكن للممثل أن يجسد شخصية القيصر الروماني أو إبن رشد أو أبي حيان التوحيدي أوعطيل إذا كا يجهل التاريخ ، ولافكرة له عن هاته الشخصيات التاريخية أو المتخيلة، ولا يعرف شيئا عن تاريخ الفنون، ولا يقرأ النصوص المسرحية ، وجاهل بأمهات الكتب الأدبية والعلمية والتاريخية. والأهم من ذلك هو أن تكون له رؤية واضحة عن تاريخ الحضارات وثقافات الشعوب من عادات ومسلكيات وقيم وانفعالات.- الإرادة — بما أن العمل اليومي والمنتظم ضروري في المسرح، فإن الطبائع الكسولة والخجولة والمترددة لا مكان لها في الممارسة المسرحية. فبالإرادة القوية يمكن للممثل أن يطور طريقة إلقاءه وأن يبلور حركاته التعبيرية . ومهما كانت ذاكرته الأصلية ممتازة، فعلى الممثل أن لا يكف عن تحفيزها وإنعاشها وتقويتها بالعمل الشاق والمتواصل.- الطبيعي — إن الممثلين الكبارهم الذين يجسدون أدوارهم بشكل طبيعي. ما معنى الطبيعي؟ أن يكون الممثل طبيعيا في لعب دوره هو أن يتفادى المغالاة والمبالغة في الحركات والأداء وأن يتجنب تفخيم صوته والنطق بكيفية مصطنعة، أن يكون الممثل طبيعا معناه أن يتحرر من اللعب النمطي ومن الكليشيهات والعادات المسرحية والتقليد المسرحي. فألم “عطيل” ليس هو ألم “البخيل” الذي سرق منه ماله. أن يكون الممثل طبيعيا معناه أن يعيش الشخصية بصدق وأن يحس بشرطها الإجتماعي والتاريخي. فالممثل المقتدر والمقنع هو الذي يلعب بكيفية طبيعية وتلقائية وصادقة، أما معيار مدى نجاح الممثل، فهو الجمهور، فإذا ما اهتز هذا الأخير وانفعل واهتم وانتبه لحضور الممثل ولأداءه فإن هذا دليل على أن الممثل يلعب بطريقة طبيعية ومقنعة.- الحساسية — إن الطبيعي مشروط بالحساسية. فالممثل مطالب بأن ينسى ذاته الى حد ما،وأن ينزع ثيابه، لإرتداء لباس الشخصية المسرحية . يجب على الممثل أن يترك جانبا متاعبه الشخصية واهتماماته الأسرية والإجتماعية لكي يكون مستعدا لتقمص دوره، وإلا لن يكون قادرا على الإحساس بدوره والإندماج في الشخصية. يتعين إذن على الممثل أن يعيش إنفعالات الشخصية وأحاسيسها بصدق وإيمان، وأن يتحول من الممثل الشخص الى الشخصية المسرحية. فكيف للممثل أن يؤثر ويقنع المتلقي بانفعاله وشعوره وبصدق أحاسيسه إذا لم يكن هو مؤمنا ومقتنعا الى الحد الذي يصبح فيه الشخصية التي يؤديها؟

بقلم العباس جدة — القنيطرة في : 14 – 9 – 2013

أخر المقالات

منكم وإليكم