اللغةفكرة
إن كانت الفكرة الأولى قد نشأت من الإشارات قبل الصوت ، حيث انتصب الإنسان ، تحررت يداه وانطلق في اللغة الإشارية والإيمائية معبّراً عما يجول في دماغه الماضي في تطوره ، واصلاً بين شيئين ، بين إنسانين أو عالمين ، فإن تلك الفكرة بقيت حبيسة اليد لفترة تعدّت المليوني سنة حتى تمت صياغة الجهاز اللغوي /عصبياً ـ فيزيولوجياً ـ تشريحياً ـ دماغياً/ في حدود الخمسين ألف سنة الماضية .
اليد كانت سيدة الفنّ ، سيدة الكتابة ، في حين لم يكن الجهاز اللغوي قد أخذ مجاله التطوري بعد ليعبَّر عن الفكرة . وحين فشلت اللغة ، حضرت اليد في تلك التصاوير الأولى التي رسمها الإنسان القديم على جدار الكهوف منذ حوالي 40 ألف سنة .
ويناقش الباحث “كورباليس” تطور الصورة /ابنة اليد المباشرة/ في سعيها نحو اللغة ثم الكتابة ، حيث يشير إلى أن رسوم الكهوف تلك لم تبدأ في اكتساب خصائص شبه لغوية حتى طورت أشكالاً قياسية تُعرَف باسم “البكتوغرامات” المصممة تعبيرياً لغرض الاتصال البصري . وأقدم البكتوغرامات المعروفة تعود إلى سومر في المشرق العربي القديم ثم انتشرت في المناطق المحيطة منذ حوالي خمسة آلاف سنة مضت .
وفيما بعد تطورت البكتوغرامات إلى “إيديوغرامات” ، حيث تدلّ الرموز على الأفكار المجردة إلى جانب الأشياء المحددة . ثم تطورت هذه بدورها إلى “لوغوغرامات” ، حيث أن اللوغوغرام يدل على مورفيم بشكل وحدة أساسية للمعنى . وبذلك تحركت الكتابة لتكون أقرب إلى الكلام /أُخْذة كيش مثلاً/ . (18)
وإذا كانت الفكرة تعبيراً بحد ذاته ، فإن اللغة تشكل الوعاء الأساسي لهذا التعبير . فمصدر الشرارة الأولى التي أشعلت الثورة في التعبير الإنساني هي تلك الإمكانية اللفظية اللامحدودة التي جعلت الإنسان لا يكتفي ببعض الإشارات الدالّة على العواطف والحالات البسيطة البدائية ، بل ستصبح اللغة وصفية ثم أداة رمزية ، حيث سيحمل كل شيءٍ اسماً . كل أشياء العالم الخارجي سيدل عليها رمز صوتي يتيح استعادتها بسهولة في حال غيابها . فقد أخذت الكلمة حياة مستقلة ، وانفصلت عن الشيء الذي تدلُّ عليه وتعبِّر عنه . وسيصبح التعبير ، من ثم ، أكثر من صلة اتصال وإشارة بين كائنين و سيلعب دوراً أهم ، عنيت بذلك: سيصبح أداة الفكر . وهكذا تفرّد الإنسان بامتلاك تعبير داخلي سوف يعبِّر عنه .
ولعل التعبير اللفظي للدلالة على الأشياء أوجد لذاته طريقة تفكير وعبور من مجرد الإشارة الخارجية إلى حياة العقل ، ومن الحسِّي إلى المجرَّد . (19)
إذن ، نجد أن اللغة هي حاضن الفكرة والفكر ، الوعاء الذي شمل على ما تدفّق من الدماغ البشري وكذلك الوعاء الذي فهم ما اشتمل عليه ، بحيث غدا الإنسان في مسيرته التطورية سيد الخبرات والتواصل الاجتماعي ، وبذا مضى في تحقيق منجزاته الإنسانية الكبرى .
وفي دراسة مقارنة لأهمية اللغة في تطور الحياة الإنسانية ، قام باحثون بإجراء مقارنة بين تطور طفل وشمبانزي وهما بعمر واحد . حيث لوحظ أن لدى الشمبانزي تقدّم على الطفل في حقلي الرشاقة والمهارة ، وبقي الطفل حتى أشهره الثلاثة الأخيرة من السنة الأولى لا يتعدّى طور الشمبانزي .
ومع اكتمال مرحلة التعبير اللفظي لدى الطفل في حوالي العامين من العمر ، لوحِظ تقدم الطفل بخطوات جبارة عجز عنها الشمبانزي الصغير . فاللغة عند الطفل أفسحت المجال أمامه لمزيد من التعبير والوعي والتفاعل ، وأصبحت الكلمات المنطوقة تنقل الأفكار . وفيما بعد سوف تنتقل الذكريات والخبرات . لقد ساهمت اللغة عند هذا الطفل في دعم إمكانياته العقلية بشكلٍ كبير .
فاللغة هي آلة العقل وهي سبيله وواسطته ، وبها اكتمل الوعي الإنساني ، ما سهَّل التفاعل والتواصل ونقل الخبرات والتجارب والتفاهم بين المجموعات الإنسانية .
بشار خليف
اللغةفكرة
إن كانت الفكرة الأولى قد نشأت من الإشارات قبل الصوت ، حيث انتصب الإنسان ، تحررت يداه وانطلق في اللغة الإشارية والإيمائية معبّراً عما يجول في دماغه الماضي في تطوره ، واصلاً بين شيئين ، بين إنسانين أو عالمين ، فإن تلك الفكرة بقيت حبيسة اليد لفترة تعدّت المليوني سنة حتى تمت صياغة الجهاز اللغوي /عصبياً ـ فيزيولوجياً ـ تشريحياً ـ دماغياً/ في حدود الخمسين ألف سنة الماضية .
اليد كانت سيدة الفنّ ، سيدة الكتابة ، في حين لم يكن الجهاز اللغوي قد أخذ مجاله التطوري بعد ليعبَّر عن الفكرة . وحين فشلت اللغة ، حضرت اليد في تلك التصاوير الأولى التي رسمها الإنسان القديم على جدار الكهوف منذ حوالي 40 ألف سنة .
ويناقش الباحث “كورباليس” تطور الصورة /ابنة اليد المباشرة/ في سعيها نحو اللغة ثم الكتابة ، حيث يشير إلى أن رسوم الكهوف تلك لم تبدأ في اكتساب خصائص شبه لغوية حتى طورت أشكالاً قياسية تُعرَف باسم “البكتوغرامات” المصممة تعبيرياً لغرض الاتصال البصري . وأقدم البكتوغرامات المعروفة تعود إلى سومر في المشرق العربي القديم ثم انتشرت في المناطق المحيطة منذ حوالي خمسة آلاف سنة مضت .
وفيما بعد تطورت البكتوغرامات إلى “إيديوغرامات” ، حيث تدلّ الرموز على الأفكار المجردة إلى جانب الأشياء المحددة . ثم تطورت هذه بدورها إلى “لوغوغرامات” ، حيث أن اللوغوغرام يدل على مورفيم بشكل وحدة أساسية للمعنى . وبذلك تحركت الكتابة لتكون أقرب إلى الكلام /أُخْذة كيش مثلاً/ . (18)
وإذا كانت الفكرة تعبيراً بحد ذاته ، فإن اللغة تشكل الوعاء الأساسي لهذا التعبير . فمصدر الشرارة الأولى التي أشعلت الثورة في التعبير الإنساني هي تلك الإمكانية اللفظية اللامحدودة التي جعلت الإنسان لا يكتفي ببعض الإشارات الدالّة على العواطف والحالات البسيطة البدائية ، بل ستصبح اللغة وصفية ثم أداة رمزية ، حيث سيحمل كل شيءٍ اسماً . كل أشياء العالم الخارجي سيدل عليها رمز صوتي يتيح استعادتها بسهولة في حال غيابها . فقد أخذت الكلمة حياة مستقلة ، وانفصلت عن الشيء الذي تدلُّ عليه وتعبِّر عنه . وسيصبح التعبير ، من ثم ، أكثر من صلة اتصال وإشارة بين كائنين و سيلعب دوراً أهم ، عنيت بذلك: سيصبح أداة الفكر . وهكذا تفرّد الإنسان بامتلاك تعبير داخلي سوف يعبِّر عنه .
ولعل التعبير اللفظي للدلالة على الأشياء أوجد لذاته طريقة تفكير وعبور من مجرد الإشارة الخارجية إلى حياة العقل ، ومن الحسِّي إلى المجرَّد . (19)
إذن ، نجد أن اللغة هي حاضن الفكرة والفكر ، الوعاء الذي شمل على ما تدفّق من الدماغ البشري وكذلك الوعاء الذي فهم ما اشتمل عليه ، بحيث غدا الإنسان في مسيرته التطورية سيد الخبرات والتواصل الاجتماعي ، وبذا مضى في تحقيق منجزاته الإنسانية الكبرى .
وفي دراسة مقارنة لأهمية اللغة في تطور الحياة الإنسانية ، قام باحثون بإجراء مقارنة بين تطور طفل وشمبانزي وهما بعمر واحد . حيث لوحظ أن لدى الشمبانزي تقدّم على الطفل في حقلي الرشاقة والمهارة ، وبقي الطفل حتى أشهره الثلاثة الأخيرة من السنة الأولى لا يتعدّى طور الشمبانزي .
ومع اكتمال مرحلة التعبير اللفظي لدى الطفل في حوالي العامين من العمر ، لوحِظ تقدم الطفل بخطوات جبارة عجز عنها الشمبانزي الصغير . فاللغة عند الطفل أفسحت المجال أمامه لمزيد من التعبير والوعي والتفاعل ، وأصبحت الكلمات المنطوقة تنقل الأفكار . وفيما بعد سوف تنتقل الذكريات والخبرات . لقد ساهمت اللغة عند هذا الطفل في دعم إمكانياته العقلية بشكلٍ كبير .
فاللغة هي آلة العقل وهي سبيله وواسطته ، وبها اكتمل الوعي الإنساني ، ما سهَّل التفاعل والتواصل ونقل الخبرات والتجارب والتفاهم بين المجموعات الإنسانية .
بشار خليف
اللغةفكرة
إن كانت الفكرة الأولى قد نشأت من الإشارات قبل الصوت ، حيث انتصب الإنسان ، تحررت يداه وانطلق في اللغة الإشارية والإيمائية معبّراً عما يجول في دماغه الماضي في تطوره ، واصلاً بين شيئين ، بين إنسانين أو عالمين ، فإن تلك الفكرة بقيت حبيسة اليد لفترة تعدّت المليوني سنة حتى تمت صياغة الجهاز اللغوي /عصبياً ـ فيزيولوجياً ـ تشريحياً ـ دماغياً/ في حدود الخمسين ألف سنة الماضية .
اليد كانت سيدة الفنّ ، سيدة الكتابة ، في حين لم يكن الجهاز اللغوي قد أخذ مجاله التطوري بعد ليعبَّر عن الفكرة . وحين فشلت اللغة ، حضرت اليد في تلك التصاوير الأولى التي رسمها الإنسان القديم على جدار الكهوف منذ حوالي 40 ألف سنة .
ويناقش الباحث “كورباليس” تطور الصورة /ابنة اليد المباشرة/ في سعيها نحو اللغة ثم الكتابة ، حيث يشير إلى أن رسوم الكهوف تلك لم تبدأ في اكتساب خصائص شبه لغوية حتى طورت أشكالاً قياسية تُعرَف باسم “البكتوغرامات” المصممة تعبيرياً لغرض الاتصال البصري . وأقدم البكتوغرامات المعروفة تعود إلى سومر في المشرق العربي القديم ثم انتشرت في المناطق المحيطة منذ حوالي خمسة آلاف سنة مضت .
وفيما بعد تطورت البكتوغرامات إلى “إيديوغرامات” ، حيث تدلّ الرموز على الأفكار المجردة إلى جانب الأشياء المحددة . ثم تطورت هذه بدورها إلى “لوغوغرامات” ، حيث أن اللوغوغرام يدل على مورفيم بشكل وحدة أساسية للمعنى . وبذلك تحركت الكتابة لتكون أقرب إلى الكلام /أُخْذة كيش مثلاً/ . (18)
وإذا كانت الفكرة تعبيراً بحد ذاته ، فإن اللغة تشكل الوعاء الأساسي لهذا التعبير . فمصدر الشرارة الأولى التي أشعلت الثورة في التعبير الإنساني هي تلك الإمكانية اللفظية اللامحدودة التي جعلت الإنسان لا يكتفي ببعض الإشارات الدالّة على العواطف والحالات البسيطة البدائية ، بل ستصبح اللغة وصفية ثم أداة رمزية ، حيث سيحمل كل شيءٍ اسماً . كل أشياء العالم الخارجي سيدل عليها رمز صوتي يتيح استعادتها بسهولة في حال غيابها . فقد أخذت الكلمة حياة مستقلة ، وانفصلت عن الشيء الذي تدلُّ عليه وتعبِّر عنه . وسيصبح التعبير ، من ثم ، أكثر من صلة اتصال وإشارة بين كائنين و سيلعب دوراً أهم ، عنيت بذلك: سيصبح أداة الفكر . وهكذا تفرّد الإنسان بامتلاك تعبير داخلي سوف يعبِّر عنه .
ولعل التعبير اللفظي للدلالة على الأشياء أوجد لذاته طريقة تفكير وعبور من مجرد الإشارة الخارجية إلى حياة العقل ، ومن الحسِّي إلى المجرَّد . (19)
إذن ، نجد أن اللغة هي حاضن الفكرة والفكر ، الوعاء الذي شمل على ما تدفّق من الدماغ البشري وكذلك الوعاء الذي فهم ما اشتمل عليه ، بحيث غدا الإنسان في مسيرته التطورية سيد الخبرات والتواصل الاجتماعي ، وبذا مضى في تحقيق منجزاته الإنسانية الكبرى .
وفي دراسة مقارنة لأهمية اللغة في تطور الحياة الإنسانية ، قام باحثون بإجراء مقارنة بين تطور طفل وشمبانزي وهما بعمر واحد . حيث لوحظ أن لدى الشمبانزي تقدّم على الطفل في حقلي الرشاقة والمهارة ، وبقي الطفل حتى أشهره الثلاثة الأخيرة من السنة الأولى لا يتعدّى طور الشمبانزي .
ومع اكتمال مرحلة التعبير اللفظي لدى الطفل في حوالي العامين من العمر ، لوحِظ تقدم الطفل بخطوات جبارة عجز عنها الشمبانزي الصغير . فاللغة عند الطفل أفسحت المجال أمامه لمزيد من التعبير والوعي والتفاعل ، وأصبحت الكلمات المنطوقة تنقل الأفكار . وفيما بعد سوف تنتقل الذكريات والخبرات . لقد ساهمت اللغة عند هذا الطفل في دعم إمكانياته العقلية بشكلٍ كبير .
فاللغة هي آلة العقل وهي سبيله وواسطته ، وبها اكتمل الوعي الإنساني ، ما سهَّل التفاعل والتواصل ونقل الخبرات والتجارب والتفاهم بين المجموعات الإنسانية .
#بشار خليف# المشرق تاريخ واثار # مجلة ايليت فوتو ارت..


