لماذا لا تعني البساطة الرياضية دائما أن الطبيعة بسيطة؟
قد تبدو بعض قوانين الطبيعة بسيطة إلى درجة تثير الدهشة، لكن النتائج التي تنتج عنها قد تكون شديدة التعقيد. فقانون نيوتن الثاني، الذي صاغه إسحاق نيوتن في كتابه «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» عام 1687، يربط القوة بالكتلة والتسارع في علاقة رياضية موجزة. ومع ذلك، فإن معرفة هذا القانون لا تعني بالضرورة أننا نستطيع التنبؤ بدقة بكل حركة تحدث في الكون. فالمشكلة ليست دائما في القانون نفسه، بل في عدد العوامل التي تتفاعل وفقا له.
تظهر هذه المفارقة بوضوح في نظرية الفوضى، التي تطورت دراستها الحديثة على يد عالم الرياضيات والأرصاد الجوية إدوارد لورنتز خلال ستينيات القرن العشرين. ففي عام 1963، نشر لورنتز بحثا كشف فيه أن نظاما رياضيا بسيطا نسبيا يمكن أن ينتج سلوكا شديد الحساسية للتغيرات الصغيرة في الظروف الابتدائية. وهذا يعني أن اختلافا ضئيلا للغاية في نقطة البداية قد يؤدي، بعد مرور الوقت، إلى نتائج مختلفة تماما. ومن هنا نفهم لماذا يصعب التنبؤ بالطقس لفترات طويلة، رغم خضوعه لقوانين فيزيائية معروفة.
وتزداد الصورة وضوحا عندما ننتقل إلى ميكانيكا الكم، التي تطورت في بدايات القرن العشرين على أيدي علماء مثل ماكس بلانك ونيلز بور وفيرنر هايزنبرغ وإرفين شرودنغر. فالمعادلات التي تصف سلوك الجسيمات قد تكون محددة ودقيقة رياضيا، لكن تفسير نتائجها يتطلب فهما مختلفا عن الحدس الذي اكتسبناه من حياتنا اليومية. كما أن الأنظمة المكونة من أعداد هائلة من الجسيمات قد تنتج خصائص جماعية معقدة، مثل التوصيل الفائق والمغناطيسية، لا يسهل استنتاجها بمجرد النظر إلى جسيم واحد.
إذن، تكمن المفارقة في أن الطبيعة قد تستخدم قوانين بسيطة نسبيا لإنتاج سلوك بالغ التعقيد. فبساطة المعادلة لا تضمن بساطة الحل، ولا سهولة التنبؤ بالنتائج، ولا قدرتنا على فهم كل التفاصيل. وربما يكون أحد أكبر التحديات في الفيزياء الرياضية هو اكتشاف كيف يمكن لمجموعة محدودة من القوانين أن تنتج هذا التنوع الهائل من الظواهر التي نراها في الكون.
#شغل_دماغك_مع_محمد_حجازي#مجلة ايليت فوتو ارت.
