القافية في الشعر العربي

القافية في الشعر العربي(مفهومها، أنواعها، وعيوبها)

بقلم الشاعر عبد الواسع السقاف

تُعدّ القافية أحد الأركان الأساسية في بناء القصيدة العربية العمودية، وهي مع الوزن تُشكّل الإطار الموسيقي الذي يمنح الشعر إيقاعه المميّز ويُرسّخ حضوره في السمع والذاكرة. وقد حظيت القافية بعناية دقيقة عند العروضيين، حتى أفردوا لها علمًا مستقلًا عُرف بـ “علم القافية”.

أولًا: تعريف القافيةعرّف الخليل بن أحمد القافية بأنها:«ما بين آخر حرفٍ في البيت إلى أول ساكنٍ يليه مع المتحرك الذي قبله».وعرّفها بعض العلماء بأنها: أواخر الأبيات التي يلتزمها الشاعر على نسقٍ واحد.

والقافية ليست مجرد الحرف الأخير، بل بناءٌ صوتيٌّ متكامل، تتآلف فيه حروف وحركات لها وظائف محددة.

ثانيًا: حروف القافية، وأهم حروف القافية هي:• الرَّويّ: وهو أهم حروف القافية، وعليه تُنسب القصيدة.مثال قول المتنبي:”الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني .. والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ”حرف الميم هنا هو الروي. • الوصل: حرف مد أو هاء تلحق بالروي.قال الشاعر: “كنت لي ظلاً على الأرض وريقاً .. كنت لي معنى سماوياً لطيفا”الروي: هو حرف الفاء (فَـ). والوصل: هو الألف الناتجة عن إشباع فتحة الفاء (فــا). “إذا كنت في حاجة مرسلاً .. فارسل حكيماً ولا توصِـهِ”. الروي الصاد والوصل الهاء • الخروج: قليل الاستعمال وهو حرف لين (ألف أو واو أو ياء) يلي هاء الوصل مباشرة “تقديرية سمعية لا خطية”. بمعنى آخر، هو الحرف الذي ينشأ من إشباع حركة هاء الوصل التي تتبع حرف الروي.مثال قول الشاعر:”فَلا تَطلُبوا مِن غَيرِهِ ما عِندَهُ .. فَإِنَّكُمُ لَن تَنزِلوها بِغَيرِهِ”(وهي هنا الياء بعد الهاء “بغيرهي” تنطق ولا تكتب إلا عروضياً).

ثالثًا: أنواع القافية تنقسم القافية بحسب حركة الروي إلى أنواع أشهرها:

1. القافية المطلقةوهي التي يكون فيها الروي متحرّكًا، ويليه وصل.مثال:”أَراكَ عَصِيَّ الدَمعِ شيمَتُكَ الصَبرُ .. أَما لِلهَوى نَهيٌ عَلَيكَ وَلا أَمرُ”الروي: حرف الراء (رُ). حركته: الضمة، فهي قافية مطلقة. الوصل: هو الواو الناتجة عن إشباع الضمة (الواو المقدّرة عن إشباع الضمة = أَمْرُو).

2. القافية المقيَّدةوهي التي يكون حرف الروي فيها ساكناً سكوناً أصلياً، مما يؤدي إلى انقطاع الصوت عند نطق الحرف الأخير في البيت، ولا يلحقها “وصل” ولا “خروج”.مثال:”فحبيبةُ قلبكَ يا ولدي .. نائمةٌ في قصرٍ مَـرْصُـودْ”الروي: الدال الساكن (دْ). كما تُقسَّم القافية أيضًا إلى:• مُتواترة: هو أن يفصل بين الساكنين حرف متحرك واحد فقط. مثاله: (قَـدَرْ)، (سَـفَـرْ)• مُتداركة: هو أن يفصل بين الساكنين حرفين متحركين. مثاله: (جَـبَـلُـو)، (أَمَـلِي)• مُتراكبة: هو أن يفصل بين الساكنين ثلاثة حروف متحركة. مثاله: (قَـتَـلَـتُـهْ)، (فَـعَـلَـتَـهْ)• مُتكاوسة (نادرة): هو أن يفصل بين الساكنين أربعة حروف متحركة. مثاله: (شَـجَـرَتُـهُـمَا)وهي تقسيمات نادرة تتعلّق بعدد الحركات والسواكن بين الساكنين الأخيرين، ويكثر ذكرها في الدراسات العروضية المتخصصة للاطّلاع لا لضرورة التطبيق.

رابعًا: عيوب القافية

للقافية عيوبٌ إذا وقع فيها الشاعر عُدّ ذلك خللًا فنيًا، ومن أشهرها:

1. الإيطاء، ويعني تكرار كلمة القافية بلفظها ومعناها في قصيدة واحدة قبل مرور سبعة أبيات (وقيل قبل مرور القصيدة كلها).مثال قول شوقي في نهج البردة:”فَلا تَسَل عَن قُرَيشٍ كَيفَ حَيرَتُها .. وَكَيفَ نُفرَتُها في السَهلِ وَالعَلَمِ”وبعدها ببيتين:”يا جاهِلينَ عَلى الهادي وَدَعوَتِهِ .. هَل تَجهَلونَ مَكانَ الصادِقِ العَلَمِ”

2. الإقواءاختلاف حركة الروي بين الفتح والضم أو الكسر.وهو من العيوب الشائعة عند المبتدئين. مثلاً (قَدَرُ، سَهَرٍ)

3. الإكفاءاختلاف حرف الروي نفسه، كأن تكون القافية مرة بالباء (شبابُ) وأخرى بالميم (سلامُ).

4. السنادوهو اختلاف ما قبل الروي من حركات أو حروف على غير نظام، وله أنواع متعددة كـ:• سناد التوجيه: ويكون باختلاف حركة الحرف الذي قبل الروي، كأن يأتي مرةً مكسورًا ومرةً مضمومًا، وهو أكثر أنواع السناد شيوعًا. (مثال توضيحي): … في الدربِ أملي كَبِرْثم يقول: … وخابَ ظنّي إذ به كَبُرْ • سناد الإشباع: يعني اختلاف حركة حرف “الدخيل” (الحرف الواقع بين ألف التأسيس وحرف الروي) من بيت إلى آخر بحركتين مختلفتين، وغالباً ما يكون الجمع بين الكسرة والضمة.مثلاً الجمع بين “نَـائـِـمُ” و “تَـفَـاهُـمُ” في قصيدة واحدة يُعتبر عيباً من عيوب القافية ويسمى “سناد الإشباع”. فالروي هو اللام ألف التأسيس: هي الألف الموجودة في “نــائم” و”تفــاهم”. حرف الدخيل في الكلمة الأولى هو الهمزة (ئِـ)، وحركتها الكسرة، وفي الكلمة الثانية هو الهاء (هُـ)، وحركتها الضمة.العيب (سِناد الإشباع): هو انتقال الشاعر من “إشباع” الدخيل بالكسر في البيت الأول إلى “إشباعه” بالضم في البيت الثاني. • سناد الردف: ويقع باختلاف حرف المدّ السابق للروي، كأن يَرِد الروي مرةً مردوفًا بالألف وأخرى بالواو أو الياء، وهو عيبٌ ظاهر يخلّ بانسجام القافية.مثال: … حديثُ القلبِ طالَ مُقِيمَاثم: … وجرحُ الشوقِ أبقى سِهَامَا

5. التضمين القبيحوهو أن يتوقف معنى البيت على ما بعده توقفًا يُخلّ باستقلاله.مثال: ” وَهُم وَرَدوا الجِفارَ عَلى تَميمٍ .. وَهُم أَصحابُ يَومِ عُكاظَ إِنيشَهِدتُ لَهُم مَواطِنَ صادِقاتٍ .. شَهِدْنَ لَهُم بِصِدقِ الوُدِّ مِني””إني” في قافية البيت الأول لم تخبر بقية المعنى إلا في البيت التالي.

خامسًا: أهمية القافيةليست القافية زينة صوتية فحسب، بل هي عنصر دلالي وإيقاعي تُسهم في تثبيت المعنى، وتُكسب القصيدة وحدةً موسيقية، وتساعد على الحفظ والتلقي. ولهذا التزم بها الشعراء العرب عبر العصور، واعتبروا سلامتها علامة على تمكن الشاعر وعلوّ صناعته.

أخيراً، القافية نظامٌ دقيق، يقوم على الذوق والعلم معًا. وقد يلتزمها الشاعر فطرةً وسليقة، لكن دراستها تمنحه وعيًا أعمق ويجنّبه الزلل. وهي، مع الوزن، السور الذي حمى الشعر العربي، وحفظ له شخصيته الموسيقية وتفرُّده.

أخر المقالات

منكم وإليكم