القاص عبد الله طاسة يقدم قصة قصيرة بعنوان “قصة الثلاثي”.

قصة الثلاثي القاص عبد الله طاسة Abdellah Tassa

عندما كنت في عمر الزهور. .. ، على ذكر الزهور…من قال إن المرأة وردة ؟ بل هي باقة ورود….ورود تنبت في مناطق مختلفة من جسدها. قلت ، عندما كنت في عمر الزهور أخبرت أن وردة ذبلت بل تعفنت وكان يجب اجتثاثها . بعد هذا الجرح الغائر، كنت أمام خيارين: إما أن أدرس الطب لاهثة وراء خبايا الورم اللعين او أن أدرس الفلسفة كي ألتمس وأ تلمس ضوء في ظلمة الحياة و منعرجاتها بين الخير والشر ، بين القدر والاختيار ،بين المعنى وصمت العالم. و أخيرا انتصرت لسقراط على حساب ابقراط. أتذكر تلك الليلة داخل غرفتي في الحي الجامعي، كنت أقود حافلة جميلة تجوب شوارع مدينة تشبه ” أتينا ” وأحيانا أجدني في ازدحام باريس حيث تستجيب عيناي بين الفينة والأخرى لوميض آت من برج ” إيفيل” . على أي، كنت أتوقف عند محطات كثيرة …عكس ما يقع في المدن، أنا التي كنت أهبط في كل مرة إلى محطة توقف الحافلة وأسلم في انحناءة خفيفة على أحد الفلاسفة. لكن في باريس – لا أدري كيف طارت الحافلة الى هناك – حدث ان فاجأتني ” سيمون دو بوفوار” وأنا أمام المقود ،عانقتني بحرارة وكأنها افتقدتني طويلا. قالت لي : لا تنسى:” لا تولد المرأة امرأة بل تصبح كذلك في المجتمع” طأطأت رأسي وكأنني أقول لها بالعامية المغربية: ماتخافيش أ خالتي سيمون، انا حافظة الدرس . لم أ حك ذلك الحلم لأي من الطلبة ولا الصديقات. قد يتهمونني بالجنون أو على الأقل ب ” فيلسوفة عصرها ” ! لقد مرت عشرون سنة أو اكثر . ذات يوم حللت بهذه القرية و أنا أحمل في الجيب شهادة، وفي القلب كما في الجسد ندوبا ،وبين جوانحي خوفا من الآتي . كانت البداية من همسات الأطفال والنساء : هذه هي الأستاذة الجديدة ! ربما و لكنها تبدو صغيرة في السن ! . …………………….- بدأت مشواري بالظلم إذ حكمت على القسم أن يكون حجرة للدرس وبيتا للمدرس. كلانا وقع تحت وطأة ظلم مقدر أو مدبر. في الصباح الموالي، سمعت طرقات على الباب، فتحت: صينية شاي، خبز، زبدة.. . وشاب يولي ظهره عائدا. صفقت الباب. لماذا لم أقبل تلك الهدية ؟ كبرياء أم تكبر؟ لكن الحذر كان واجبا، أليس كذلك؟ ما عدا تلاميذي لا يكلمني أحد من أهل القرية إلا ناذرا. في النهار كنت أستعمل النافدة كبرج مراقبة. تتكرر أمامي صورة رجل في الأربعينيات يمسك بشكل يومي غليونا نفا ثا، ربما هو صاحب الصينية ! تتوالى الأيام والسنوات، لا أخفي أنني كنت أود أن أكلمه. في الحقيقة ، لا أدري لماذا، أنا التي ما كنت لألتفت إلى نظرة مغازل ولا أعبأ بمجاملة شاعر ! عبر النافذة، تتراءى لي شجيرات الدفلى المزهرة. أفكر … ما قيمة الوردة إذا لم تفتح و مالم تسر الناظرين ؟ وحتى إذا فاح عطرها من يشتمه في هذه الحقول الموحشة؟ وحتى الآلة الموسيقية، مهما بلغ جمالها تتحول إلى أثاث إن لم تجد من يحرك أوتارها . فجأة غيرت بقليل زاوية نظري نحو زجاجة النافدة : فوجدتني أمام نفسي . وأنا أضع ذقني على حافة النافدة، رأيتهما يتقدمان: رجل وامرأة. ها هما يتقدمان نحو المنزل المعلوم، يبدوان مسرورين بل منسجمين. من تكون تلك المرأة؟ كانت رحيمو تقتسم معي الفطور والابتسامة وشيئا من حياتها البسيطة لكنها سرعان ما تكف عن الخوض في ماضيها .كانت تقوم بجميع الأشغال بما في ذلك الاعتناء ببعض الأغراس وبالقطيع القليل، بينما لا يبارح حميدوش مكانه المعهود. لم أنس أيضا ذلك اليوم حين رأيت رحيمو تذرف الدموع : لم لم يرزقني الله بذرية متل باقي النساء ؟ خرجت كلماتها سهاما انغرست في أحشائي. عانقتها وربتت على كتفيها: لا تقلقي ولا تيأسي، رحمة الله وسعت كل شيء. تدخل حميدوش: اش ماشي تعمل بالأولاد…. أنا هو ولدك! ! اسكت يا الشيباني أنا هي بنتك! حميدوش الذي يعرف كيف يلطف الجو بدعابته المعهودة المنسمة بالكيف المحلي اقترح: عرفتي آ رحيمو…خاصك ” الماحية ” ….. – واش تكون ؟ ولاش تصلح ؟ كتسخن اللي فيه البرد القديم ماذا أرى؟ رحيمو تخطو وهي تترنح يمينا ويسارا، تطلق زغاريد صداحة، ترقص بشكل غريب، وتغني على إيقاع الطقطوقة الجبلية ممزوجة بلكنة ريفية. ثم تطلق قهقهات يلتبس فيها المجون والجنو ن : انا حامل….انا حامل … سأصبح أما يا حميدوش ! ! أسرع إلي زوجته وهو يرمقني بنظرات كلها ذهول كأنه يطلب مني المساعدة. عندما اقتربنا منها، كان فمها يقذف رائحة نبيذ رديء يذكر بمبيد الذباب . لعابها يسيل وعيناها محمرتان مثل كلب مسعور: واش درتي في راسك آ رحيمو ؟ آ حميدوش ، راه الماحية اللي قلت لي .. . تملكتني رغبة عارمة في الضحك، دفنتها قسرا في حينها بينما أخذ حميدوش رأسه بين يديه .لم يكن لنا الوقت لنستفسرها عن مصدر النبيذ ولا عن أسباب تناوله. صببت ماء على رأسها ووجهها، رتبت ملابسها تم هيأت لها قهوة. بعد أن نامت مثل طفلة أتعبها اللعب، التفت إلي حميدوش: لم تشرب في حياتها قط… ربما حسبت أن الأمر يتعلق بمحلول أعشاب أو دواء ما .. . انتابني شعور لا تدركه إلا امرأة . انحنيت ووضعت قبلة على جبينها. ثم انصرفت الى حجرتي. لقد فهمت جيدا رحيمو. ربما قد تفهمتها لكن هل فهمتها فعلا انا العازبة التي لم تذق دفء الزوجية ولا برودة العقم؟ في اليوم الموالي تناولنا الفطور كعادتنا ، لم تذكر رحيمو ما جرى بالأمس سوى أنها تناولت محلولا طلبته من المدينة عن طريق صديقة وفية تريد لها الخير. حينها، وسط دوائر من الدخان ، أطلق حميدوش هذا الاقتراح: ياكما خاصك شي قريعة اخرى ؟ ذات ليلة سمعت طرقة خفيفة على الباب . جلست أمامي وهي تبتسم، في نفس الآن كانت تضغط على أصابعها المتشابكة . بعد هنيهة تغلبت على صمتها: استاذة ربيعة !… أنا… أنا … لا أستطيع أن أمنح زوجي ذرية … وبما أنني أعزك لماذا لا ….هل فهمت…؟ نحن الثلاثة سنعيش في بيت واحد…. أحسست بضخة لهب تنقذ ف من قدمي نحو وجنتي، توالت دقات قلبي.. . استدرت تجاه زاوية الحجرة وكأني أتفادى خصما في الطريق لم اعد أطيق رؤيته. لكن رحيمو لم تكن عدوتي فمن أين أتاني هذا الإحساس الغريب؟ على الاقل، على يدها جاءتني بشرى أول خطوبة في حياتي وأنا أضع رجلي صعودا على درج رقم 45 من سلم الحياة . لكنها لم تفعل ذلك حبا في بل!!… أخذتني من كتفي ثم أدارتني إليها مثل دمية، لقد كنت في شبه غيبوبة، ثم أجلستني بهدوء قبالتها : نحن لسنا من هنا، لقد جئنا من بعيد. ننحدر من قبيلة تزرع العشبة الملعونة أكثر من الشعير. أحببته منذ الصغر، لكن رجالنا هناك يتنفسون الشرف أكثر ما يتنفسون الهواء. هنا ك، الحب ممنوع والقتل مشروع. فحملنا حبنا في صدرنا و أمتعتنا على ظهرنا وهما أثقل في رأسنا. ثم أغلقنا باب الرجوع خلفنا. كان حميدوش زوجا وأبا لي. أما أنا ، كنت في نفس الآن زوجته وبنته التي تطيعه. وربما بعد كل هذه السنين صرت أمه. هل فهمت القصة ؟ رحيمو لم تدرس البلاغة مثلي ، كنت احس كما لو أن كلماتها لها رائحة تنبع من الأرض. كنت مثل تلميذة أمامها . لقد فشلت هي في إنجاب الذرية لكنها برعت في إنجاب الأفكار من دون معلم . جمعت قواي وانتصرت على الصمت: لكن اختي رحيمو انا لن أستطيع الإنجاب !!- هل انت مطلقة ؟ لا، لم أتزوج قط . على هذا الأساس ، مازال جسمك أرضا خصبة …أنت فقط أرض عطشى… ربما طال العطش كل هذه السنين وسقيها بالقليل يعطي الزرع الكثير . ابتسمت لهذه الكلمات و تحركت بداخلي الأنثى الغريزية. لكن في ذات الوقت ارتجت في احشائي الذكرى الأليمة. أ ي أرض وأي زرع وأية خصوبة؟ اوووه ! كم اكره هذه الكلمة!! ولدت كلمات عديدة وولدت أفكار كثيرة …ولا ولن استطيع إنجاب طفل !! قلت آلا ف الجمل أمام السبورة، ثم خلف السبورة ولكني اليوم عاجزة عن البوح: ” منذ أكثر من عشرين سنة، استأصلوا الورم الخبيث من رحمي !! يوما ما ، كتبت في عز الليل : نحن معشر المعلمين نكتب للأطفال حروف مستقبلهم ولكن لا نقدر على كتابة حرف واحد من قدرنا . عبد الله طاسة خريبكة فبراير 2026

#كتاب القصة القصيرة#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم